First Published: 2016-07-21

المصير الغامض لـ 'الإسلام الصوفي'

 

الإسلام الاجتماعي أمام نسختي الإسلام السياسي الجهادية و'المعتدلة' الباطنية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

بصرف النظر عن اتفاقنا أم اختلافنا مع تعريفات ما يسمى بالإسلام السياسي أو الحركي أو الجهادي أو الصوفي، فهي في النهاية أصبحت واقعا متعارفا عليه في كثير من الأدبيات، وتحظى باهتمام قطاع كبير من المعنيين بدراسة الإسلام عموما، فقد تحولت الروافد السلبية التي يرتكبها منتسبون له إلى مدخل لمحاولة إلصاق تهم كثيرة بالدين الحنيف.

هناك اجتهادات متنوعة، قامت بها جهات عدة، بدأت تميل إلى تشجيع الإسلام الصوفي، والذي يركز على العبادات والطقوس الظاهرية للدين، وتأخذ منه الفحوى الشكلية، دون اقتراب من تغيير حياة الآخرين، والحديث عن تطبيق الشريعة، بمعنى آخر الابتعاد عن المناهج التي تتبناها الحركات الإسلامية ذات الميول العنيفة، كذلك النأي عن أصحاب المشروعات السياسية، أو من يوصفون بـ "المعتدلين"، فبعد انكشاف العلاقة بين هؤلاء وهؤلاء، تزايدت قناعات بعض الدوائر، بأنهما يخرجان من بوتقة واحدة، تمثل خطرا على الغرب.

الأدلة التي قدمتها بريطانيا في تقريرها حول علاقة جماعة الإخوان بالعنف، كانت فاصلة في هذه المسألة، فضلا عن خيبة الأمل التي أصابت قوى غربية كثيرة من الفشل السياسي الذريع لهذه الجماعة في مصر، وهو ما جعل التعويل عليها، كوجه لما يوصف بالإسلام المعتدل، غاية في الصعوبة.

علاوة كل هذا تأتي العمليات الإجرامية التي قام بها تنظيم داعش وأخواته في دول عديدة، وكلها فرضت البحث عن طريق جديد يمثل بيئة حاضنة لأعداد من المسلمين، تنخرط بسهولة في صفوف المتشددين.

البحث لم يأخذ وقتا طويلا، لأن هناك تيارا عريضا من المتصوفين، ينتشر في أنحاء المعمورة، ولديه أتباع كثيرين، يتواءمون بسلاسة مع البيئة التي يعيشون فيها، وغالبيتهم ليس لهم علاقة بالسياسة وشجونها وهمومها، كانوا أداة غير مباشرة في أيدي بعض الدول العربية لمواجهة التيارات الإسلامية التي لها تقديرات حركية أو سياسية، لكن في خضم صعود أجندة هؤلاء، المعلنة والخفية، لم يحظ الصوفيون برعاية جيدة، الأمر الذي دفع فئة منهم للانزواء.

على ضوء التطورات والإخفاقات التي واجهتها قوى إقليمية ودولية متباينة، جرى الالتفات إلى أهمية تشجيع التيار الصوفي الجارف للخروج من القمقم، باعتباره حائط صد أمام المتطرفين، وسدا منيعا لطموحات من وصفوا بـ "المعتدلين"، فإذا كان عنف وإرهاب الفريق الأول خطرا حقيقيا على مصالح البعض، فإن مرونة وجاذبية الفريق الثاني خطرا محتملا، قد يكون أشد وطأة.

من هنا جرى التفكير في فتح النوافذ والأبواب لعودة الحياة إلى المتصوفين، ويمكن رصد نموذجين، الاقتراب منهما يكشف بعض الخيوط والتفاصيل التي قد تكون عليها خريطة "الإسلاميين" الفترة المقبلة.

الأول، ما أصبح معروفا بـ "الإسلام الاندونيسي"، وقد كتبت في هذه القضية أكثر من مرة، ويقوم على التسامح والاعتدال وعدم الانخراط مباشرة في ألاعيب السياسة، ورفض العنف بكل صوره، ويحظى بمباركة دوائر غربية كبيرة، بعد أن حقق نجاحا في بلده اندونيسيا، وبدأ يتمدد خارجها، ويجذب إليه الملايين من البسطاء والأغنياء، وتمكن من وقف زحف المتشددين، وقطع الطريق على من يملكون رؤى سياسية عالمية.

اللافت أن هذا النموذج يحظى الآن برعاية حكومات متعددة، ولا أبالغ إذا قلت أنه يتلقى دعما ماديا ومعنويا من بعضها، تزايد عندما توالت ضربات المتطرفين في قلب أوروبا، واتسعت درجات إحباط "المعتدلين"، فقد أصبح تشجيع الطريق الثالث (المتصوفون) عملية مصيرية، بحسبانه قوة للتسامح الذي يعبر عن الوجه المطلوب للإسلام، خاصة أن لدى أصحاب هذا المسار مقومات لاستقطاب الشباب وغلق الفراغات التي يتسرب منها المنافسون.

النموذج الثاني، القريب من الإسلام الاندونيسي، يتعلق بتجربة فتح الله غولن في تركيا، وأصبح الرجل حديث العالم بعد أن وجهت إليه أصابع اتهام حملته مسؤولية محاولة الانقلاب الفاشل، وتحول إلى عدو لدود للرئيس رجب طيب أردوغان عقب الطلاق البائن بينهما قبل عامين، اعتراضا على طموحات أردوغان التي وصلت إلى حد الجموح، وأدخلت تركيا في أزمات معقدة.

نموذج غولن في تركيا يأخذ من معالم التجربة الاندونيسية مغزاها، ونجحت التوجهات التي يتبناها وينفذها أتباعه في مجالات كثيرة، عبر مشروع "خدمة" في لفت أنظار قطاعات مؤثرة من الأتراك، لأن التسامح الذي تتبناه يبدو متماشيا مع طبيعتهم، وهنا التقى غولن مع مصالح بعض القوى الغربية، من زاوية الرغبة في احتضان مشروع صوفي قابل للحياة، والتصدي لطموحات أردوغان المزعجة، التي تسببت في مشكلات أضرت بحسابات دول كبرى.

حظي هذا التفسير برواج كبير، بعد اتهامات أردوغان لغولن مباشرة بوقوفه خلف الانقلاب، ومطالبته واشنطن بتسليمه لأنقرة، حيث يعيش في ولاية بنسلفانيا، وهو ما قوبل بالرفض، ما يعني أن أمامه مهام كثيرة يمكن أن يقوم بها، على المستويين المحلي والعالمي.

الاهتمام بالتيار الصوفي الواسع، بقدر ما يمنحه فرصة لمزيد من التوسع والانتشار، لكن قد يدخله في دوامة صراع غير مستعد له جيدا، في ظاهره ناعم، بينما تكمن الخشونة السياسية في جميع تفاصيله، لذلك ربما نجده أمام مصير غامض.

 

محمد أبو الفضل

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
تفكيك الخطاب التركي
2017-07-27
لغز الليونة المصرية مع حماس
2017-07-20
3 دروس أميركية من الأزمة القطرية
2017-07-13
قطر من الإيحاء بالتفاوض إلى السلبية
2017-07-06
أزمة قطر حققت أهدافها
2017-06-29
المدارس الدولية والسيادة المصرية
2017-06-22
قطر تتحايل بخطاب الحصار
2017-06-15
الخطوط المتوازية لمكافحة الإرهاب في مصر
2017-06-01
دروس التجربة الإندونيسية لمكافحة الإرهاب
2017-05-25
في الطريق إلى اندونيسيا
2017-05-18
المزيد

 
>>