First Published: 2016-11-25

الأطفال .. وتنمية الإنتماء للوطن

 

الوعي هو أهم خصوصية للعقل البشري، وهو ما يتبدى في صراع الإنسان ضد الطبيعة، وفي صراعاته اليومية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: السيد نجم

إنتماء الفرد لجماعة ما

يعد مصطلح "الإنتماء" من أكثر المصطلحات ذات الصلة بـ "الوطن"، حيث يعني الوفاء/ الإخلاص/ المشاركة الإيجابية.. الخ، وكلها معان ذات مغزى أخلاقي. لقد بات المصطلح ذات دلالة سياسية وثقافية، بعيدا عن المفهوم العام القائل بأن "الإنتماء" فطرى.

قد يعني الإنتماء: إنتماء الفرد لجماعة ما، والعمل من أجلها، مع تقديم التضحية تجاهها، إلى حد بذل الدم. لذا يعتبر قوة دافعة، حيث يصبح ذات دلالة معنوية ومادية. عادة ما يوصف المنتمى بالصفات الإيجابية: التخلص من الذاتية والأنانية. الرغبة في تقديم الخدمات لغيره. الإحساس بالسعادة حين المشاركة. الميل نحو الجماعة فكريا وقيميا.

لكن "الإنتماء"، في حاجة إلى إضافة موضوعية، وفى حاجة إلى تهذيب وتوجيه أو إلى "تربية". أي فى حاجة إلى الصقل بالخبرات اليومية.

• مدخل تعريفي

لقد تخوف البعض من آثار العولمة، وهي تتمثل في: إضمحلال دور الدولة الذي قد ينحصر إلا من وضع السياسات. التخوف من التغييرات الإجتماعية المتوقعة عن سقوط وارتفاع إقتصاد الدول على حسب قدرتها على مواجهة مفاهيم آليات السوق الجديدة. التخوف على شعار بيئة عالمية نظيفة. كما تتبدى المخاوف الأمنية وظهور بذور جماعات إرهابية. ويجب العمل على التأقلم معها، بما لا يتعارض مع مفاهيم والقيم العليا.

إن المشكلة الأساسية التي يسعى البحث إلى دراستها هي: إن الهدف المعلن وغير المعلن لكل الجماعات والبلدان والأمم الساعية إلى تقدمها، هي دعم ما تملكه من قوى بشرية ومادية، والطفل يعتبر من أهم الطاقات الدافعة مستقبلا لخطط البلاد.

تبرز الاسئلة التالية حتما: ما "الإنتماء" وصوره والمصطلحات ذات العلاقة؟ من "الطفل" الذي يتوجه إليه البحث؟ ما هي الضوابط الواجبة، ودورها فى تزكية الإنتماء للوطن عند الطفل؟ إن سبل تزكية الإنتماء للوطن بتفعيل ضوابط القيم التربوية، نظرا لكل المتغيرات المعاصرة، وليست دعوة فى مواجهة التخوف من "العولمة" (مثلا)، كما أنها ليست دعوة للإنغلاق.

أهداف البحث: يهدف البحث إلى تزكية اكتساب الطفل صفة "المنتمي للوطن". تنمية وعي القائمين على التعامل مع الطفل (الأسرة – المدرسة – الإعلام - دور العبادة). تنمية بعض القيم مثل الولاء والمواطنة والإلتزام: الحقوق، الواجبات، والقيم العامة.

بذلك يمس موضوع البحث جوهر المجتمع وكيانه الأمني والقومي، ذلك للضرورات: (ضرورة وطنية، فهو يعمل على تزكية وتنمية الإحساس بالإنتماء للهوية. ضرورة إجتماعية، فهو يعمل على تزكية وتنمية بعض المعارف والقدرات والقيم). كما تنبع أهمية البحث، حيث يعالج مرحلة عمرية مهمة فى حياة الفرد.

• ما "الإنتماء"؟

مفهوم الإنتماء لغويا:

* في العربية: ن م ى = نَمَى المال (بالفتحة) - جاء من باب "سما" - منها "نمى الحديث إلى فلان" أي أخبره أو أسنده له.

وانتمى= أي انتسب. (معجم مختار الصحاح).

الإنتماء = هو الإنتساب إلى.

* في الانجليزية: إنتماء = Belong (تعنى يخص - ينتسب إلى - ينتمي إلى – يسكن - يلائم).

منها Belongingness = تعنى الإنتماء (Pocket Dictionary).

مفهوم الإنتماء في علم النفس: يعني مفهوم الانتماء عند علماء النفس باعتباره حاجة ضرورية من الحاجات النفسية للفرد، وهي وجهان:

- أن الإنتماء؛ حاجة ترتبط بالعمليات الفسيولوجية الكامنة في المخ، وتستثار داخلياً أو خارجيا،ً فتؤدى إلى نشاط من جانب الكائن ويستمر النشاط حتى يتغير الموقف.

- رؤية أخرى: أن الإنتماء، حاجة من الحاجات الظاهرة التي تعبر عن نفسها في السلوك الحركي، كما أنها تعمل في إطار الجماعة ولا تعمل منفردة.

.. يعتبر الإنتماء من العوامل المهمة التي تساعد على تماسك الجماعات والأفراد.

.. مفهوم الإنتماء فى علم الإجتماع: بمعجم العلوم الإجتماعية: "الإنتماء هو: إرتباط الفرد بجماعة؛ حيث يرغب الفرد في الانتماء إلى جماعة قوية يتقمص شخصيتها ويوحد نفسه بها مثل الأسرة أو النادي وغيره".

.. ويعرف الإنتماء بأنه: "النزعة التي تدفع الفرد للدخول في إطار إجتماعي فكري معين، بما يقتضيه هذا من التزام بمعايير وقواعد هذا الإطار وبنصرته والدفاع عنه في مقابل غيره من الأطر الاجتماعية والفكرية الأخرى".

.. وفي هذا الربط بين الإنتماء والتماسك الإجتماعي قال العالم "لويس كامل مليكه": "إن الإنتماء من المفاهيم التي تقترب من مفهوم التماسك، والتماسك يعني القوة التي تعمل للتأثير على أعضاء كل جماعة ليستمروا بداخلها".

• الإنتماء والطفل

تعد الكتابة للطفل من أهم الكتابات في هذا الخصوص، فكاتب الطفل يخاطب مستقبل أمته، ويجب توافر عنصر "الوعي" بالذات.

الوعي: هو أهم خصوصية للعقل البشرى. وهو ما يتبدى في صراع الإنسان ضد الطبيعة، وفي صراعاته اليومية، سواء مع أبعاد الشخصية الذاتية أو مع الآخر، إلا أن "الوعي" على علاقة بين "الفرد" و"المجتمع".. ما بين الأنانية والإنتماء لجماعة، ما بين المنفعة الذاتية والمنفعة الجماعية. ما بين الخاص والعام، وهو ما يولد "المعرفة". إن "الوعي" قابل للتوظيف الأيديولوجي أو قابل للتوجيه والإدارة بالمعنى العام.

• محاور تزكية الإنتماء إلى الهوية والطفل:

تأتي معاملة الآباء للصغار كخطوة عملية لتحقيق الهدف: ألا نعامل الصغير على أنه رجل أو آنسة بل على قدر عقولهم. أن تظل معاملة البنت أكثر رقة وأقل خشونة من معاملة الولد، مع تحميلهما نفس القدر من المسئولية. مبدأ الثواب والعقاب. القدوة العملية من الوالدين هي البديل العملي عن التلقين لمفاهيم القيم العليا، وهى وسيلة تنمية الوازع الضميري عند الصغار.

أما وقد تعددت وسائل التعامل مع الطفل، وهو ما ارتبط بالتقدم التكنولوجي لوسائل الإتصال والإعلام، بالتالي لم تعد الجدة والأم والأب وحدهم مصدر التلقين، ولا حتى المدرسة. هناك وسائل أكثر جاذبية وتأثيرا من الأبوين والجدة القديمة. أصبحت لأجهزة التليفزيون والكمبيوتر مع الانترنت (إلى جانب السينما والمسرح بدرجات أقل كثيرا) الأثر الفاعل الأكثر تأثيرا في الطفل.

لذا يجب أن نخاطب الصغير كإنسان قادر على "الإختيار" وليس تابعا لأفكارنا جبرا. فحبس بعض الوسائل الإعلامية الجديدة عن الصغار (كما يتبع بعض الآباء) يزيد الطفل عنادا. ما يقال عن الفضائيات يقال عن الإنترنت، لا يبقى سوى مصادقة الآباء للصغار والجلوس إليهم.

• محاور مخاطبة الطفل (من خلال الأسرة و المؤسسات والإعلام):

أولا: التعرف على التراث الشفهي (بعد مراجعة بعضه)

التراث الشفهي مهدد بالضياع، ليس على مستوى الوطن العربي فقط، ربما يعتبر أحد المتغيرات أو المؤثرات المباشرة لثورة التكنولوجيا المعاصرة. طغت وفاضت المحطات التليفزيونية الفضائية والأرضية، ثم المحطات الإذاعية، وغيرها من وسائل الترفيه والإتصال. في مقابل إهمال غير مقصود من الأفراد لتداول العناصر التراثية. مع رواج ملامح العناصر الإستهلاكية الجديدة بفضل شركات الإعلان التي تروج لكائنات جديدة بلا هوية، باتت أكثر شيوعا وتأثيرا!

ثانيا: التعرف المكاني والزماني لعالم الطفل المقصود بالتعرف المكاني والزماني لعالم الطفل، هو مساعدة فضوله الفطري في البحث عن المكان والزمان. فقد رصدت الأبحاث أن الوليد يبدأ منذ شهوره الأولى تلك الرحلة من خلال حركة العينين والكفين، ثم عندما يحبو ويكتشف الأشياء الخفية أو المختفية! ثم بالسؤال: "من أين أتيت؟ وأين الله؟" وغيرها، وهو ما يعد مدخلا فطريا لبث روح الانتماء وتعميق الهوية.

لعل التاريخ هو الوعي بالذات الجمعي، من خلال التعرف على أحداث الأيام وردود أفعال الأجداد حيالها. إذن هو الأحوال المادية المحققة للكلمة المعنوية /الوطن. ولأنه يضم البعد الزماني/ المكاني في التجربة الإنسانية، كما يضم فكرة الفعل ورد الفعل وفكرة الصراع، بات التاريخ نبعا من منابع الإلهام للفن والإبداع، في إطار من الأوشاج السببية، وبث جذور الهوية.

أكد البعض على أهمية الأعمال الفنية التاريخية، كما قال المفكر "جورج لوكاتش". وأن "التاريخ" أصبح مادة لصناعة تاريخ الأمم وتشكيل مستقبلها، والعمل الابداعي يوثق علاقتنا بالماضي من أجل المستقبل، وجوهر رؤيته الموضوعية.

ثالثا: القدرة على اكتساب المعارف والعلوم

وهو ما يلزم معه بداية أن يتعامل الطفل مع كل وسائل المعرفة المتاحة، في إطار توفير المادة المناسبة التي تزكى المفاهيم العامة والقيم العليا والانتماء. وهو ما يدعو إلى وقفة راصدة حال أطفالنا مع النشر الإلكتروني. وقد تلاحظ على المواقع التي تتعامل مع الطفل: عدم الإلتزام بخصائص المرحلة العمرية للطفل. مخاطبة الطفل الأنثى والذكر على قدر واحد من التناول. سواء في الموضوع أو المعالجة، على الرغم من أهمية التمييز بين الجنسين خصوصا بعد الثانية عشرة. تقديم المفاهيم الغربية للأعمال المترجمة للطفل بشخصياته، ومفاهيمه وكأنه الشخصية النموذج. فشاعت شخصيات "السوبر مان"، "الرجل الأخضر".. وغيرهما بكل ما تحمله من مفاهيم أقل ما يقال فيها إنها في حاجة تدجين ومواءمة.

* توصيات

* فيما يخص التقنية الورقية والطفل:

- إعادة النظر في هياكل "المكتبات" العامة الورقية للطفل، بحيث تصبح المكان الجاذب للطفل، والقادر على تنمية المواهب. مع الإستفادة من المعطى التقني الرقمي في أرشفة الكتب والبحث، جنبا إلى جنب المنتج الورقي، مع توفير الكتب المنتجة على أحدث التقنيات الورقية.

- دعم الحكومة لتوفير كتاب ودوريات الطفل بأسعار مناسبة للجميع.

*فيما يخص التقنية الرقمية والطفل

- أن تتوجه الحكومات والمؤسسات لتوفير البنية التحتية اللازمة لتنشيط التقنية الرقمية. أن يتم البحث عن حلول عملية، مثل (نوادي الانترنت) لتوفير الخدمة للصغار. إستكمال النقص القانوني والتشريعات اللازمة للتكنولوجيا. تعضيد البنية المؤسسية الحكومية، بالتدريب وتوفير التقنيات المتطورة والهياكل الإدارية. سد النقص في كفاءة شبكات الإتصال وشبكات النقل. سد الفجوة الرقمية. إقامة ورش فنية للتعريف بفنون التقنية الرقمية لمبدعي أدب الطفل، وللطفل لتعريفه بالمزيد من معطيات جهاز الحاسوب، والتعرف على أخلاقيات التعامل معه وبه. التعريف بمصطلحات، وترجمة جملة معارفه، مع تبسيط المعلومات حوله. إستثمار علاقة الجيل الجديد بالتكنولوجيا لتقريبهم من الأدب الافتراضي، فمن المعلن أن ممارسي التعامل مع أجهزة الكمبيوتر في العالم العربي حتى عمر ثلاثين سنة، حوالي 65% من جملة المستخدمين. وهي نسبة يلزم معها التوجه إلى تلك الشريحة العمرية بالضرورة.

* ملخص البحث الذي شارك به الكاتب في مؤتمر "أدب الأطفال وتحديات العصر" بدار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة 20- 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2016..

 

السيد نجم

Ab_negm@yahoo.com

الاسم السيد
الدولة نجم

رجاء تصحيح البريد الالكترونى الى ab__negm2014@yahoo.com

مع الشكر

2016-11-25

 
السيد نجم
 
أرشيف الكاتب
'كمستير' .. قصص البحث عن الذات
2017-10-24
'على شواطيء الاثنين' ومستقبل الصالونات الأدبية
2017-04-21
الأطفال .. وتنمية الإنتماء للوطن
2016-11-25
المزيد

 
>>