First Published: 2017-01-26

فاتحة مرشيد: كتبت الرواية ولكني شاعرة قبل أي شيء

 

الشاعرة والروائية المغربية تؤكد أن 'ظاهرة 'الجيغولو' أو الدعارة عند الرجل ظاهرة موجودة في مجتمعاتنا العربية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد الحمامصي

الحب لا يكفي

تشكل أعمال الكاتبة والطبيبة المغربية فاتحة مرشيد الشعرية والروائية والقصصية تجربة فريدة في تكويناتها الجمالية والفنية ومعالجاتها الإنسانية للواقع وما يعتمل به من متناقضات ومشكلات وهموم، ففي الشعر اختارت "قصيدة النثر" لتقدم "سبعة دواوين شعرية من بينها "ما لم يقل بيننا" الحاصل على جائزة المغرب للشعر" نسجت خلالها عالما مفعما بالواقعية والرومانسية.

وفي الرواية (خمس روايات منها "الملهمات" و"مخالب المتعة"، و"التوأم")، والتي تقتحم فيها مناطق المهمش والمسكوت عنه في المجتمع بجرأة تحسد عليها، حيث تعالج قضايا البطالة والدعارة والخيانة والكثير من الأمراض المسكوت عنها، وأخيرا قدمت في مجال القصة القصيرة مجموعتها "لأن الحب لا يكفي" وذلك باللغتين العربية والانجليزية، والتي استهلتها بمقولة إيميل سيوران "لو كان آدم سعيدا في الحب لجنَّبنا التاريخ" قبل أن تقدم للقارئ ثمانية نصوص قصصية متنوعة الأحجام والقضايا والأشكال الفنية، وكعادتها تسبر المبدعة أغوار النفس البشرية في مواقف مختلفة ومن زوايا مثيرة ومشوقة، كاشفة عن العديد من المسكوت عنه في العلاقات والممارسات الإنسانية.

حول تجربتها الإبداعية الشعرية والروائية والقصصية كان لنا معها هذا اللقاء قبيل مشاركتها في معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته 47.

بداية وحول تأخرها في نشر أعمالها وبدايتها بالشعر، قالت "بدأتُ الكتابة منذ الصبا الأول، النشر هو الذي أتى متأخرا لأسباب موضوعية وأخرى ذاتية. دراسة الطب تتطلب بالفعل تفرغا وكانت من الأسباب التي جعلتني أنقطع عن الكتابة لفترة ليست بالقصيرة وأجلت نشري لأعمالي. وعلى العموم فلكل مرحلة من حياتنا أولوياتها ولم يكن النشر من أولوياتي قبل سنة 2002 تاريخ إصداري لديواني الأول "إيماءات".

لماذا بدأتُ بالشعر؟ ربما لأن الشعر هو الأصل. فأنا شاعرة قبل كل شيء. شاعرة في كتاباتي الشعرية والسردية، وكذا في حياتي اليومية. الشعر ليس فقط كلمات نخطها على صفحات إنه نمط عيش وتواصل مع العالم.. إنه فلسفة حياة.

وأكدت الكاتبة والطبيبة المغربية أن الإبداع مثل الهواء ليس حكرا على فضاء أو وسط معين. وقالت: الشاعر أو الأديب لا يأتي بالضرورة من مدرجات كليات الآداب كما أن المبدع باستطاعته أن يزاول أي مهنة تسمح له بالعيش بكرامة. الإبداع طاقة يتوفر عليها بعض الناس لسبب غامض، ندعوهم "مبدعون". وهم يفجرونها حروفا أو ألوانا أو صورا.. كما يمكنهم في مجال الآدب أن يجعلونها تنساب، بالشكل الذي يرغبون فيه وتفرضه الفكرة، شعرا أو رواية أو قصة. الإبداع حرية قبل كل شيء وأنا أمنح نفسي حرية الترحال بين أشكال الكتابة بدون قيود، ملبية في ذلك ما يمليه علي إحساسي وحدسي. كيف تجرأت؟ الإبداع يتطلب جرأة كما يتطلب صدقا وشجاعة في اقتحام كل فضاء يمكّنه من فرد جناحيه والتحليق عاليا.

وحول التوفيق بين الأدب والطب، استشهدت فاتحة مرشيد بقول فيرجينيا وولف "المرأة تحتاج غرفة خاصة بها وبعض المال لكي تكتب" بمعنى استقلالية مادية. وهذا يسري على الرجل المبدع كذلك.

وأضافت: لا بد للكاتب أن يكون مستقلا لكي يظل صوته حرا وصادقا وشجاعا. خاصة وأن الكتّاب الذين يعيشون من كتاباتهم في الدول العربية يكاد يشكلون استثناء. ومن أفضال مهنة الطب علي كونها تمنحني فضاء للتيه والتأمل داخل عيادتي هو بمتابة ملاذ لي. كما تمكنني من استقلالية مادية تمنحني حرية أكبر في التعبير عن أفكاري خارج المؤسسات، وتجعلني أتعامل مع الكتابة بصدق بحيث لا أنتظر منها شيئا غير أن تتحقق. أما عن التوفيق بين مهنة الطب والكتابة فذاك بحث مستمر عن توازن يمر عبر ضبط الوقت وتحديد الأولويات. وأنا الآن في مرحلة تحرر نسبي من مسؤولياتي كأم، فأبنائي كبروا واستقلوا بحياتهم وأصبح بإمكاني التنقل بين الطب والكتابة بخفة فراشة".

وعن رحلة الانتقال من الشعر للقصة والرواية والظروف التي أحاطت بهذا الانتقال، أوضحت الكاتبة والطبيية المغربية أنها بدأت بنشر الشعر، لكن كتابات الصبا كانت في القصة كذلك. إلا أن أول مجموعة قصصية نشرتها حديثا "لأن الحب لا يكفي" جاءت بعد سبعة دواوين شعرية وخمس روايات. لماذا؟ لا أعلم. لا أكتب طبق مخطط مسبق ولا أشغل نفسي بفهم غموض الكتابة. أنصت إلى صوتي الداخلي وإلى نبض العالم من حولي، أتفاعل معه بإحساسي وحدسي ثم أدعه ينساب على أوراقي كما شاءت له شياطين الإبداع أو ملائكته.

أعتقد أن غياب تكوين منهجي في الآداب عن مساري جعلني لا أهاب اقتحام أي مجهول أو الدخول في أي تجربة جديدة، مقتنعة بأننا لا نختار متى نكون شعراء أو روائيين، الكتابة هي التي تختارنا وما علينا إلا أن نصغي إلى دبيبها في الساعات الأقل احتمالا واستقبالها كهدية من السماء.

في روايتك "مخالب المتعة" دخلت فاتحة مرشيد على المسكوت عنه والمهمش في علاقة الجسد الأنثوي بالآخر وبيع الرجل رجولته كما تبيع المرأة جسدها، وذلك جنبا إلى جنب ارتفاع معدلات البطالة، وقد رأت أن "ظاهرة "الجيغولو" أو الدعارة عند الرجل ظاهرة موجودة في مجتمعاتنا العربية كما في باقي دول العالم.

الروائي لا يكتب من فراغ، كتاباته تعكس بالضرورة العصر الذي ينتمي إليه والتجارب المعاشية الفردية والجماعية وكذا الممارسات التي تطبع أفراد مجتمعه وما تزخر به من تناقضات. القصة انطلقت من واقع صارخ ألا وهو واقع البطالة عند الشباب. وقدمت أربعة نماذج لشخوص حاولت كل واحدة منها أن تخرج من مأزق البطالة بطريقتها الخاصة. وكانت مهنة "الجيغولو" من اختيار أحدها. لكن العمل الروائي يبقى عملا فنيا وهو خليط من الواقع والخيال.

وفي روايتها "الملهمات" ناقشت الكاتبة المغربية قضية الإلهام وعلاقة الحب بالإلهام.. مؤكدة أن "الإلهام يأتي من الداخل" كما يقول أوسكار وايلد. وقالت "الإلهام حالة تأهب لاستقبال ما قد يكون موجودا على الدوام أمام أعيننا وتلزمنا عين ثالثة لرؤيته. إنه قدرتنا على استشفاف الجمال من حولنا. قد يلهمنا منظر طبيعي رائع أو ابتسامة طفل أو كتاب نقرأه أو شريط سينمائي أو موسيقى نسمعها.. أو حب امرأة أو رجل.

ورواية "الملهمات" تطرقت لهذه العلاقة بين الحب والإلهام التي كثيرا ما عبر عنها المبدعون، أمثال بيكاسو وغيرهم، هؤلاء الذين شكلت علاقاتهم العشقية والجنسية منبع إلهام لا ينضب. وفي رواية "الملهمات" تحدثت الشخصية الرئيسة "الكاتب إدريس" عن نساء ألهمنه ويعود لهن الفضل في الجعل منه كاتبا ناجحا.

كما أن هناك نقطة أساسية في رواية "الملهمات" هي كونها نزعت الهالة التي يضعها القراء على رأس الكاتب لتظهر لنا الفرق بين العمل الإبداعي وصانعه. فالكاتب مجرد إنسان من الممكن جدا أن يكون خبيثا أو مستبدا أو لا إنسانيا حتى، هو غير مقدس وعلينا الفصل بين الذات المبدعة والإنسان.

أما في رواية "الحق في الرحيل" فقد تطرقت فاتحة مرشيد إلى موضوع حساس كذلك هو الموت الرحيم أو الأوتنازيا، فإلى أي حد يساهم عملها كطبيبة في اختيار مواضيع الروائية، هنا أكدت الأمر وقالت "إلى حد كبير لأنهما ذات واحدة وأنا لا أفرق بينهما. ممارسة الطب تجربة حياة غنية جعلتني أقترب أكثر من معاناة الكائن وهشاشته. أما الموت فأنا في مواجهته يوميا".

وفي روايتها الأخيرة "التوأم" التي لقيت بدورها نجاحا كبيرا بحيث صدرت الطبعة الثانية بعد شهر واحد من توزيع الطبعة الأولى. كان التوأم، فما العلاقة بين كون فاتحة مرشيد طبيبة أطفال وبين كونها روائية، هنا أوضحت "لا أنكر أن التوأم بمفهومه الفيزيولوجي، يشكل لغزا لدي كطبيبة وأعتقد أننا لا نكتب عما نعرفه جيدا ولكن عما نحاول سبر أسراره. إلا أن رمزية التوأم في الرواية تذهب أبعد من فكرة جنينين يتقاسمان نفس الرحم، ولو أنها تطرقت إلى الجانب النفسي عند التوأم وهذا الارتباط الذي يجمع بين توأمين والوجع القاهر الذي يخلفه فقدان أحدهما.

الرواية في جوهرها رواية البحت عن توأمنا على اعتبار أن "لكل توأمه"، البحث عن الآخر فينا ومن ثم عن أنفسنا. هي رواية حول "المثنى" وحول الثنائيات التي لا توجد الواحدة منها دون الأخرى: ثنائية الواقع والخيال وسؤال الحدود بينهما. ثنائية الممكن والمستحيل في الحب وفي الحياة، وثنائية الموت والحياة وهل من يظل حيا فينا يعتبر ميتا؟

السارد في الرواية مخرج سينمائي يتأرجح بين الواقع والخيال، بين الذاكرة والنسيان، بين السر والعلانية.. بين توأمين وامرأتين. وسؤال هل يمكننا أن نحب امرأتين في نفس الوقت؟ أما عن القصة فهي قصص وحكايات خيطها الرئيسي هو الفن والإبداع بكل أشكاله. تحضر السينما بقدرتها على ابتكار الأحلام والمعجزات، ويحضر الأدب بنسجه الرفيع لحيوات مختلفة، والتشكيل بولعه حد الجنون، كما تحضر الأساطير لتذكرنا أننا لا نخلق حكايات جديدة، بل نعيد صياغة القديم بطرق جديدة. وأفضل أن أترك للقارء متعة الاكتشاف.

أخيرا وحول مجموعتها القصصية الصادرة هذا الأسبوع بعنوان "لأن الحب لا يكفي" سألناها: هل الحب عند فاتحة مرشيد لا يكفي؟ فقالت "الحب لا يكفي حين يصطدم بالواقع لأن للحب أعداءه ومصادروه.

لو عدنا إلى الأدب وتمعنا في حيوات العشاق الكبار من أمثال قيس وليلى وروميو وجولييت وغيرهم.. هل كان حبهم كافيا رغم عظمته؟ هل استطاع أن يواجه المجتمع ويفرض نفسه؟ لا. هذا الحب غالبا ما ينتهي إلى الموت وليس إلى حياة سعيدة لأنه لا يكفي. ثم هناك دينامية الحب نفسه.

لا يوجد حب مطلق هناك زمن للحب، وهذا غالبا ما يكون في البدايات. الحب إحساس حي يتحول ويتغير. قد يأخد شكلا عاطفيا آخر قد يشيخ وقد يموت. ثم الإنسان بطبعه يرغب فيما ينقصه، عندما يكون لديه الحب يريد المال، وعندما يأتي المال يريد السلطة وهلم جرا. لا شيء يكفيه. يرغب في الشيء ما دام ليس بحوزته ويعتقد واهما بأنه سيكفيه ليكون سعيدا، لكن، ما أن يحرز عليه حتى يكتشف أنه لم يعد كافيا.

أود أن أشير إلى أن "لأن الحب لا يكفي" تضم ثمانية نصوص قصصية مختلفة الأحجام والقضايا والأشكال الفنية.

 

محمد الحمامصي

 
محمد الحمامصي
 
أرشيف الكاتب
القاهرة منتصف القرن التاسع عشر في عيون إدوارد وليم لين
2017-09-22
النجيحي وحمدان: الوساطة أضحت قبلة منشودة في أميركا وأوروبا
2017-09-21
غيث البطيخي يتساءل: كيف يدّعون الإيمان ويَقتلون؟
2017-09-20
محمد الطوالبة يؤكد أن أركون وقع أسـير الاستخدام الأيديولوجي
2017-09-19
تعزيز صناعة الكتاب في الإمارات على طاولة الوطني للإعلام وجمعية الناشرين
2017-09-18
'في غرفة العنكبوت' محاولة لكتابة قصة حب بين ذكرين
2017-09-17
سمير غطاس يؤكد أن هناك علاقات وطيدة بين الجماعات الموجودة في غزة وسيناء
2017-09-15
'الخلاص بالفن' يدعو الإنسان إلى التمسك بالحلم والتذرع بالأمل
2017-09-15
'الشارقة الدولي للكتاب' يستعد لدورته الجديدة
2017-09-14
مكتبة الاسكندرية تفتتح مؤتمر 'مستقبل القوى الناعمة المصرية'
2017-09-13
المزيد

 
>>