First Published: 2017-03-05

ديفد هندي يغوص في تاريخ الصوت: الضجيج ليس دائما صوتا في غير محله

 

أستاذ الإعلام والاتصال البريطاني يرى أن موجات الأثير التي عادة ما يكون من المستحيل فصلها تنطوي أصواتها المختلفة العائمة على خاصية ثورية في جوهرها.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد الحمامصي

تواريخ وأحداث ومواقف

أكد أستاذ الإعلام والاتصال البريطاني ديفد هندي في كتابه "الضجيج.. تاريخ إنساني للصوت والإصغاء" أن الصوت هو "قوة متقلبة يتحرك بحرية عن طريق الهواء، ولا يستطيع أحد أو مجموعة من الناس امتلاكه أو التلاعب به، كما لو كان من ضمن ممتلكاتهم الحصرية".

وقال إن "موجات الأثير التي عادة ما يكون من المستحيل فصلها تنطوي أصواتها المختلفة العائمة على خاصية ثورية في جوهرها: وهي أن أي ضجيج تصدره مجموعة من الناس يتسرب إلى مجموعات أخرى منهم على مدى السمع، وهكذا فإننا في كثير من الأحيان نكتشف الثقافات الأخرى ونتواصل معها من خلال الصوت. حدث ذلك في الأديان السرية المتنوعة في روما القديمة عندما استمتعت الطقوس والتقاليد إلى بعضها بعضا واقترضت من بعضها".

وأضاف أن للصوت قوة مؤثرة على الناس، سواء للأفضل أو الأسوأ، وفي الوقت عينه فإن الصوت لا يهب القوة المطلقة لأي شخص، لأنه بحكم طبيعته عسير على أن يملك أو يسطر عليه، فنزعته الطبيعية هي الطبيعية هي التحرك بحرية خلال الهواء، فبقدر براعة الإنسان فإن الصوت يتلاعب به دائما، ويعد الصوت أيضا شيئا مجردا ومتملصا جدا وأقوى من أن يظل في خدمة الأقوياء دون أن يكون أيضا متاحا للاستخدام بطرق مبتكرة وتخريبية للمحرومين.

على الرغم من أن كلمة "الضجيج" هي العنوان الأبرز للكتاب الصادر عن مشروع كلمة للترجمة التابع لهيئة أبوظبي للسياحة والثقافة وترجمه بندر محمد حربي، إلا أن الباحث ديفد هنري توسع في تعريفها واتجاهاتها فالضجيج ـ وفقا له ـ لا يشتمل الموسيقى والكلام فقط، بل يشتمل أيضا الصدى والترانيم وقرع الطبول والأجراس وزمجرة الرعد، وإطلاق النار، وثورة وجلبة الجماهير، وقرقرة جسم الإنسان، والضحك والصمت والتصنت والأصوات الميكانيكية وضجيج الجيران والتسجيلات الموسيقية والراديو. إنه في الواقع يشمل كل شيء، ويشكل عالما أوسع للصوت والإصغاء".

وقال: "الضجيج ليس دائما صوتا (في غير محله) وليس دائما غير مرغوب فيه بالمعنى الدقيق للكلمة، فربما نفكر فيه بوصفه صوتا في مكان ما لا يريد شخص ما أن يسمعه، وبذلك فأنا أعني ما الذي يصنعه الضجيج والذي لا يصنعه، وما الذي يسمع صوته ومن الذي لا يسمع صوته وما الذي لا يسمع، ومن الذي يستمع ومن الذي لا يستمع، فهي أمور ذات أهمية بالغة هنا، وقد يكون الصمت من ذهب، أو قد يكون ثقيلا، وكما يبين لنا تاريخ الرق، أو تاريخ العلاقة بين أصحاب المصانع والعمال، سواء أكانت العلاقة قسرية أو طوعية، فإنها تصنع فرقا شاسعا".

الفكرة المهمة بالنسبة لديفد هندي هي أن اهتمامه بالصوت أقل بالنسبة لصفاته المجردة والمادية، فهو مهتم أكثر بكيفية استخدام الصوت في العالم من خلاله وخلالك وخلال الجميع أو بعبارة أخرى وفقا له "أنا مهتم بتاريخ الصوت الاجتماعي، وبالقدر نفسه أنا مهتم بتاريخ الكيفية والسبب اللذين استمعنا إليهما واستجبنا لهما، هذا يعني أن ثمة جاذبية للجوانب الذاتية للصوت".

هكذا يرحل ديفد هندي في كتابه إلى تواريخ وأحداث ومواقف ترتبط بالإنسان والسماء والحضارة والثقافة والعمارة والثورة والحرب والخير والشر، كما يتوقف عند تاريخ المهرجانات في القرون الوسطى وثورات القرن الثامن عشر، والمسيرات الاحتجاجية في القرن العشرين، ليعيد تحليلها وقراءتها برؤى مختلفة ليصنع للصوته تاريخه، ووفقا لذلك قسم الكتاب إلى ستة أقسام الأول "البصمات الصوتية لإنسان ما قبل التاريخ". وفيه يتتبع الصوت موسيقيا في لدى إنسان الكهوف في عصور ما قبل التاريخ والعصر الحجري الحديث، والثاني "عصر الخطابة" الذي بدأه بحكايات ملحمية مؤكدا أن الإلياذة أعظم الأعمال الأدبية في التاريخ نموذج مبكر من فن الصوت "كانت الإلياذة على ما يظهر من طبقات غنية لمجموعة لغات يونانية قديمة، وكما تقول البراهين، انعكاسا ساميا من الثقافة الشفاهية الغنية الاستثنائية التي كانت موجودة في اليونان وكثير من بلدان العالم القديم.

كان هذا العالم على أعتاب القراءة والكتابة، ولكن كانت اللغة مهتمة بالتحدث والاستماع أكثر من الكتابة والقراءة. لذا كانت الحكايات الأسطورية في العالم القديم مثل الإلياذة حاسمة في تاريخ الصوت، وهي تذكرنا أن نقش الحضارة ليس فقط صفحة مكتوبة أو مطبوعة ولكن أيضا في شيء ما شائع وحر مثل ضجيج الكلام البشري، ونحن بالتأكيد بحاجة إلى تقييم الثقافات التي كثيرا ما حكم عليها بمعايير القراءة والكتابة الغربية ثم وصفت بأنها مهمشة وبدائية وناقصة"، كما يتناول الحياة الصاخبة للبربرة في روما القديمة وجلبة الجماهير في مباريات الكرة والصلوات الدينية في الكنائس القديمة وغيرها.

وكشف ديفد هندي أن المشهد الصوتي للمسيحيين الأوائل في روما أمسك بالقلق الذي كان في جوهره الصوت الذي صنعه الإنسان على مر التاريخ، وقال "ينتقل الصوت بحرية بالهواء، لا يعترف بالحدود المادية أو الاجتماعية ولا يمكن التحكم به بسهولة وهو أبسط وأنجع وسيلة لتعلم ثقافة الآخر ببساطة لأنه يسمح لكل ثقافة بسماع الأخرى والشعور بها مباشرة عن طريق السماح لها بالدخول إلى الجسم والعقل، مع ذلك كان وسيلة مضطرة ومتقلقة تبدو دائما خطيرة جدا لأولئك الذي يسعون إلى السلطة وهذا ما دفعهم إلى ابتكار وسائل أكثر وأكثر للسيطرة عليه، بل حتى محاولة احتكار ضجيج الصوت لأنفسهم".

هذا الصراع المستمر بين الضجيج بوصفه تعبيرا عفويا غير مقيد بنظام في الحياة البشرية والضجيج بوصفه أداة من أدوات السلطة يمارسها الأمراء والكهنة، هو ما تناوله القسم الثالث "أصوات الروح والشيطان" الذي دخل إلى عالم الصوت في العصور الوسطى، وقال "يكشف الاستماع إلى الأجراس في العصور الوسطى عن عالم يسيطر عليه دين راسخ، ممتلئ بالخرافات القديمة والمفهوم ضمنا من ذلك هو الشعور بأن الصوت الذي ينتقل بخفاء عن طريق الهواء في كل مكان حولنا، ويجعل الناس على اتصال مع بعضهم بعضا ومع الأشياء، كان وسيلة (للمس) عن بعد. لم يمكن الصوت من تمرير المعلومات من شخص إلى آخر فحسب، ولكنه مرر أيضا أشياء محسوسة وأكثر تجريدا خصوصا الخير والشر".

وتناول ديفد هنري في القسم الرابع "السلطة والثورة" حقبة الاستعمار وعلاقات السيد والخادم والعبودية والتمرد والثورة والحرب، ليرى أن صوت الثورة الفرنسية لم يكن من الحشود المسعورين دائما، ولم يكن ضجيج الحرب الأهلية الأميركية كله من القصف المتواصل، وقال "يظهر في الثورة والحرب نسيج متداخل ومعقد من الأصوات البشرية، أغاني الاحتجاجات وخطب التحريض الغوغائية، والقدرة على الصمت والاستماع إلى حركات غير مرئية من عدوك: والاقتراب منها، كذلك من الضجيج الواضح يسمح لنا أن نفهم الصراعات بشكل مختلف، فهو يكشف عن عدد المرات التي لعب فيها الصوت دورا رئيسا في تشكيل الطريقة التي ينبسط فيها كلا الحدثين".

ولفت إلى أن الصوت في العصور الوسطى كان خارج العالم التعليمي يوظف دائما الصفات الغامضة سواء الإلهية أو الشيطانية، وكان المفهوم أن يكون لديه قوة ملموسة، وبحلول القرن التاسع عشر أصبح الصوت غامضا، ولكنه قوي على الرغم من ذلك، لم يعد قوة من قوى الطبيعة أو من الأرواح كما كان يعتقد الناس بشكل سلبي، ولكنه أصبح شيئا يمكن مسكه وتشكيله بدقة من إجل إدارة مشاعر الناس ونقل المعلومات.

ووقف ديفد هندي على حافة العصر الحديث في القسم الخامس "ظهور الآلات" حيث اندفاع الصناعة والآلات وشبكات الاتصال الجديدة، والتقدم العلمي والمشاهد البصرية والصوتية المبهرة ـ والاستماع بعناية الصوت ـ أصبح الصوت من الأهمية بمكان كأهمية الطريقة التي يعيش بها الناس حياتهم وفقا للمؤلف.

ورأى أنه يكمن في حقيقة أن الصوت أصبح قابلا للتسجيل والنقل معنى أن الموسيقى انتشرت في عشرينيات القرن العشرين حجما ونوعا، وتغير الأسلوب الموسيقي في أي فترة أو أي جزء من العالم يمكن أن تبعث إلى الحياة وتبقي في الحاضر والمستقبل".

وأشار ديفد هندي إلى أن الأدلة تشير إلى أنه عندما ندرك أن الضجيج موزع بالتساوي نصبح أكثر تسامحا وقبولا له، وبشكل حاسم، أقل مشاكسة مع بعضنا البعض وصوت شوارع السوق الصاخبة في أكرا وإسطنبول يمكن احتماله لأنه صوت جماعي، هو الصوت المتراكم من جميع من هم في الشارع وليس من صوت واحد مهيمن. إذن الصوت إذا جاز التعبير هو نحن وليس هم، فكلما أعلت ثقافة ما من قيمة الفضاء الخصوصي على الفضاء العام تزايدة الشكاوى من الضجيج تزايدا ملحوظا.

 

محمد الحمامصي

 
محمد الحمامصي
 
أرشيف الكاتب
حسين نشوان يقرأ تجليات المشهد الأردني شعرا وسردا
2017-07-21
الهولندية مينيكه شيبر تستكشف الجسد البشري مخفيا باحتشام أو مرئيا على نحو فاضح
2017-07-20
دلال عنبتاوي تقرأ تجليات المكان رؤية وتشكيلا في شعر إبراهيم نصرالله
2017-07-19
باحث أردني يؤكد أن عنصر الانتقام كان أساسيا في بنيان الحكاية الشرقية
2017-07-17
عبير عبدالحافظ تترجم وتحلل عالم خوسيه ماريا ميرنيو
2017-07-16
الرشيد بوشعير يقرأ صوفية المسعدي وسيرة منيف
2017-07-14
غادة نصار تحلل أثر الفضائيات على التربية الجنسية
2017-07-13
القاهرة تحتفي بـطبعة ثانية من 'أصوات في الثقافة السودانية'
2017-07-12
باحث مغربي يطبق منهج التصديق والهيمنة في القرآن الكريم على سورة البقرة
2017-07-10
شعراء ونقاد أردنيون يحتفون بتجربة الشاعر والروائي الراحل علي فودة
2017-07-09
المزيد

 
>>