First Published: 2017-03-29

محمد نور الدين يجمع ويؤول رباعيات الخيام

 

الشاعر الإماراتي يرى أن استشهاده برباعياتِ الآخرين هو لبيانِ الجديدِ الذي يود تَقديمَه في نصوصه وتقديراً لمن تَناولوا الخيامَ قَبله.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد الحمامصي

يا حبيبي، إنما الدنيا ممَر ** فاقضها ما بينَ كأسٍ وَوَتر

أكد الشاعر والناقد الإماراتي محمد عبدالله نور الدين أن كتابه "رباعيات الخيام" الصادر حديثا عن مؤسسة نبطي للنشر يضم أكثر من سبعين مترجِما لست وأربعين رباعية كَتبها دونَ التزامٍ بالوزنِ والقافية.

وقال "استشهادي برباعياتِ الآخرين هو لبيانِ الجديدِ الذي أَوَد تَقديمَه في نصوصي وتقديراً لمن تَناولوا الخيامَ قَبلي ليستأنس المتلقي بِالأقلامِ المختلفةِ التي حاولَت الاقترابِ من الخيَّام، وعليه أَضَفت عددا من الرباعياتِ التي لم أجد مكانا لمبدعيها بين الست والأربعين رباعية ليصلَ إِجمالي عددِ المترجمين إلى أكثر من سبعين مترجما لأولِ مرة بين دفتي كتاب واحدٍ، ليكونَ الكتاب بهذا الرقم أكبرَ كتابٍ يحوي أسماءَ مترجمي الخيام في اللغة العربيةِ.

وبينِ يَدَي كذلك أسماء أخرى من المترجمين أَجلت إيراد نصوصهم لحين تَحَققي مِنها ولكني حَصرت قائمةً بأسمائِهِم في نهايةٍ هذا الكتاب على أملِ أنْ أُصدرَ كتاباً آخرَ في هذا الشَّأنِ في أقربِ فرصةٍ.

وقال في تمهيده للكتاب "بغضِّ النَّظَرِ عن نُصوصِ المترَجمين فقد حاولتُ بِكُلِّ جُهدي تَقديمَ نُصوصٍ جديدةٍ خاصَّةٍ بي وبطريقةٍ جديدةٍ وكان اختياري قَالبَ قصيدةِ النَّثْرِ، لهذا السَّببِ ولأسباب أُخرى كتَجاوُزِ عقباتٍ كثيرةٍ كانت أمامَ الُمترجمين السابقين ومِنْها أصالةُ النَّص الفَارسي، ودِقَةُ النصِ العَربي، وأفكارُ الخيامِ المُتضارِبَة، وأخيراً حُضورُ شخصيةِ الُمتَرجِمِ، بالرغمِ من أنَّ قصيدةَ النَّثرِ تَحتاجِ إلى شاعريَّة أعلى ومعانٍ أعمق لإقناعٍ المُتلقي بأنَّ ما يَقرؤُهُ هو من الشِّعْرِ وليسَ منَ السَّرد.

ولتجاوزِ العقباتِ المَذكورةِ آنِفاً لمْ تَكُن قصيدةَ النَّثْرِ مَخرَجاً فقد اعتمدتُ التأويلَ كمنهجِ عملٍ لئلا أَلتزِمَ بِالترجمةِ الحرفيَّةِ أو أقعَ في إشكالِ أَصالَةِ النَّصِّ الفَارسي أو أَحار في المعنى الظَّاهريِّ للرُّباعية.

وأضاف "الرباعيات تَطْرَحُ أسئلةً كثيرةً تَرتَبِطُ بالنَّشأةِ والحياةِ والبَعْثِ وغيرها من المسائِلِ التي يُجيبُ عليها أو يسألُ عنها الخيّامُ وليست الإجابةُ الظاهرةُ في النَّصِّ هي الهدفُ وإنَّما يَوَدُّ الخيّامُ على ما أظنُّ تَحريكَ أفهامِنا لاستِكناهِ الحَقيقةِ بغضِّ النَّظَرِ عن الإجابةِ التيَ سنحصلُ عليها، فعلى سبيلِ المِثالِ نجدُ الرباعيَّةَ التَّاليةَ تسألُ سُؤالاً قدُ يكونُ التفكّرُ في السؤالِ أهمَّ منَ الجوابِ لأنَّ التَّفَكُّرَ في السؤال سيقودُ إلى معرفةِ الخَالِقَ وعدمِ مَعْصيتِهِ بينما الجوابُ عن مكان العذابِ أو وجودِ العذابِ منْ عَدَمِهِ لن يُقَدِّمَ ولنْ يُؤَخِّرَ شيئاً:

گفتي ترا عذاب خواهم فرمود

من در عجبم كه آنجا كجا خواهد بود

آنجا كه توئي عذاب نبود هرگز

وآنجا كه تو نيستي كجا خواهد بود

وتَرْجَمَتُها عندَ جعفر الخَليلي:

قلتَ لي: إنَّني سَأُصليكَ ناراً

فَتَحيّرتُ في مكانِ العِقابِ

حيثُما أنتَ لا عذابُ فإنَّى

لمْ تَكُنْ أنتَ، كي يكونَ عَذابي

ولفت نور الدين إلى أن هذه الرباعيةُ في الفارسيةِ يَرى كثير من الباحثين أنَّها مَنسوبَةٌ للخيَّامِ ولمْ يترجم الشاعر سوى هذهِ الرُّباعيةِ، فهلْ سيكونُ هذا الشَّاعِرُ منْ ضِمْنِ مُترجمي الخيَّام بترجمةِ رباعيةٍ واحدةٍ قدْ لا تكونُ للخيَّام، ولِنَتَجاوَزَ ذلك نَستطيعُ اعتبارَ هذه القَصائِد ضمنَ حركةٍ فكريّةٍ تَنتمي إلى جيلِ الخيّام وما بَعْدَهُ تَطَرَّقَتْ إلى هذهِ المسائِلِ ونظمتْ حولَها الرُّباعياتُ حتى أصبحتِ الرُّباعياتُ اليومَ مُلْكاً للبَشرية.

ويَروقُ لي دائِماً أنْ أسمّي ذلكَ بالأدبِ الخَيّاميِّ لأنَّه مِنْ غيرِ المُهِمِّ عندي أنْ يكونَ الخيّامُ مُبْدِعَ الرُّباعيات أو غيرُه، ولا يستطيعُ أيُّ مُحَقِّقٍ أن يحققَ إِنجازاً إذا استَطاعَ أنْ يُثْبِتَ أنَّ الخيامَ لمْ يكُنْ شاعرَ هذهِ الرُّباعيات، كما حاولَ إثباتَ ذلكَ على سبيلِ المثالَ عبداللطيف الجوهري في كتاب "عمر الخيام وقصةُ الرُباعيّاتِ في ضوءِ الإِسلام"، أو كَما اختصرَ مُبَشر الطرازي في "كَشْفِ اللِّثامِ عن رباعيَّاتِ الخَيَّام" الرباعيات إلى 40 رُباعية للخيَّامِ فَقْط.

فَمِنْ مَنظوري أنَّ أيَّةَ كشوفاتٍ لن تُبْطّئَ مِنْ هذهِ الحركَةِ الشِّعريَّةِ التي تَستقي مِنْ منهلِ الرُّباعيَّاتِ الفِكْرَ والرُّوح، بلْ سَتَظَلُّ تَرجمةُ الرباعياتِ مستمرةً وربَّما تكونُ هذهِ المجموعَةُ دليلاً على التَّجديدِ في التَّناوُلِ والمَضمونِ والقَالَبِ، وهذا لم يكُن لِيَحْدُثَ لولا تَأثيرُ الأدبِ الخَيَّاميِّ على أفكاري واهتِماماتي وأَنا مِنْ جيلِ الثَّورَةِ التِّكنولوجِيَّةِ والمَعلوماتِيَّةِ التي تشغَلُ العُقولَ على مَدارِ السَّاعَةِ ولا تَتْرُكُ سعةً للتَّفَكُّرِ والتَّأمُلِ في هذهِ الأسئلة الوجودية".

وأوضح كتابته على الكتاب "جمع وتأويل" كون أن محاوَلَةَ تَأويلِ النُّصوصِ التي انْتَهَجْتُها تَستَكْشِفُ كَوامنَ كثيرةٍ في النَّص وتُظهِرُ شَخصيةَ الكَاتِبِ الحقيقيةَ مقابِلَ الرباعياتَ لأنَّ ما وَصَلَنا من الترَّجماتِ سيجِدُها المُتَلَقي تَتَشابَهُ في المعاني الظَّاهريَّةِ كثيراً، وتَكرارُ ذلك مِنْ منظوريَ الشَّخصي لا يَخدمُ هذهِ الحَرَكَةَ وحسبي أنَّي حاولتُ بما أستطيعُ فَتْحَ آفاقٍ جديدةٍ في الرباعياتِ بوضعِ التَّأويلِ في الأولويةِ، ولمْ أكنْ أولَ من فَكَّرَ بذلكَ فقدْ جاءتْ محاولةُ بعضِ المترجمينَ السَّابقين في هذا السِّياقِ ولكنَّ الحذَرَ الشَّديدَ مَنَعَهُم مِنْ أنْ يضعوا التَّأويلَ في الأولويَّة، وهذا ما حاولتُ أنْ أتجَرَّأَ عليه وأتَحَمَّلَ مسؤوليتَهُ، بالرغمِ مِنْ أنَّ الرُّباعيات مباشرةٌ وقد لا تَحْتَمِلُ التأويلاتِ كما يَرى بعضٌ آخرُ مِنَ الباحثين.

ولكنّي أرى أنَّ فتحَ بابِ التأويلِ حقٌ للمُتَلقي وليسَ للشَّاعِرِ فقط، ومن هنا أَجِدُ أنَّي أتذوّقُ النَّصوصَ بطريقةٍ مختلفةٍ وأكتُبها جديدةً كما أُحسُّ بها وأعْرِفُها بعد أنْ استوطنتْ أفكاري ومِشاعري مُنْذُ أنْ كنتُ يافعاً، وقد لَفَتَ انتباهي الدُّكتور يوسف بكار أن إبراهيم ناجي وحسب الشيخ جعفر فَعلوا شيئاً من ذلك في بعضِ قصائِدِهِم".

وفي هذا السِّياقِ أشار نور الدين إلى نقطَةٍ مهمةٍ وهي أنَّ النَّصوصَ المقدمَةَ كترجمةٍ للرباعية تَم تَقريبُها إلى أقربِ نَص فارسي حيث إن المترجمَ العربي قد يكون أخذَ مِن لُغَةٍ وسيطَةٍ أو مِن نَص فَارِسي آخرَ قريبٍ من النَّص الذي أَوردته، ولا يَسعُ هذا الكتاب دراسةَ انزياحِ المترجمين عن النَّصِّ الخَيَّاميِّ وسوف أعودُ إلى هذا الأمرِ في دراساتٍ أُخرى بعونِ الله.

وقال "استبعدتُ بعضَ النُّصوصِ فهناكَ نصوصٌ يَدّعي أصحابُها أنَّها ليستْ ترجمةً للرباعياتِ بَعْدَ أنْ وضَعَها بعضُ الباحثين ضمنَ الترَّجماتِ وهذا يَدُلُّ على عُمْقِ تَأثيرِ الحركةِ الشِّعريَّةِ الخَياميَّةِ في بعضِ الشَّعراءِ أولاً وعلى مُحاولتِهم إبرازَ البَّصمةِ الشِّعرية أو شخصيَتِهم الشِّعرية بمعزلٍ عن الخيامِ ثانياً ومثالُ ذلك الشَّاعرُ البحرينيُّ عبدُالرحمن المعاودة الذي صَرّح للدكتور يوسف بكّار أنَّه لمْ يُترجِم الرباعيَّات بالرغمِ من تأثره الواضحِ في بعضِ النُّصوص، بينما أوردَ مكّي البحراني أنّ هذه النُّصوصُ ترجماتٍ لرباعياتِ الخيّام ومنها:

يا حبيبي، إنما الدنيا ممَر

فاقضها ما بينَ كأسٍ وَوَتر

ضاعَ من ضَيَّعَ أنْ يَقضي الوَطَر

بين عودٍ وقيانٍ ومدام

وهنا مثالٌ آخرُ وهي رباعيَّات شعبيَّةٌ لصلاح جاهين وواضح تَأَثُّره بِرباعيات الخيَّام:

خرجَ ابن آدمَ مِنَ العَدَمِ قلت: يَاه

رجعَ ابن آدمَ للعدَمِ قلت: يَاه

تراب بِيحيا وحي بِيصير تراب

الأصل هـــو الـموت وإلاّ الحياه؟

عَجَبي !!!

وأكد نور الدين أن هذا التَّأثُّر لا يستطيعُ إَنكارَهُ أحدٌ سواءٌ اعترفَ الشَّاعرُ بذلك أو أَنْكَره، وقد ذكر محمد رضوان في كتابِهِ "شُعراء رباعيات الخيام" بعض هؤلاءِ الشُّعراءُ المتأثرين كإِيليا أبوماضي، وعلي محمود طه، والخيام المصري أحمد خميس، وأَنا أعترفُ بَتأثُّري المُباشر بالرباعيات في نصوصِ هذا الكتاب ووثّقْتُ الرباعيَّةَ التي تَنتمي إليها من ناحية ووضعتُ بعضَ الأمثلةِ من الترَّجماتَ لغايةٍ مهمةٍ وهي تَحفيزُ المُتَلَقي في تحليلِ النُّصوص والمُقارنةِ بينها واكْتشافِ آفاقِ التَّأويلاتِ التي توصّلتُ إليها وآفاقَ جديدةٍ سيصلُ إليها المُتَلقي كُلٌّ حسبَ تَأَثُّرِه، وهذا التأثيرُ هو التَّفاعُلُ الذي أبحثُ عنهُ كي تَخرجَ الرُّباعيَّة من مَحدودِيَّتِها اللَّفظيةِ ودِلالاتِها إلى آفاقَ فكريَّةٍ ومعنويَّةٍ مُسْتَجِدَّةٍ تُناسِبُ العَصْر الذي نَعيشُهُ اليومَ، وهذا حسب تقديري ما فعله إدوارد فتيزجيرالد وهو أشهر مترجمي الخيّام على الإطلاق، وكُلّي أمل في أنْ يَحظى جُهديَ المُتواضِعَ هذا على القَبولِ حينما تَتَصَفَّح أعينُ القُراءِ هذهِ التَّجرُبَةَ المُتواضِعَةَ، وأنْ تكونَ إضافةً جيدةً إلى الأدبِ الخَيّامي".

 

محمد الحمامصي

 
محمد الحمامصي
 
أرشيف الكاتب
تفاصيل المشروع الصهيوني لاختراق مصر من 1917 حتى 2017
2017-11-21
سلامة كيلة يؤكد عودة شبح الشيوعية مع الصراع الطبقي وتأزم الرأسمالية
2017-11-20
بدايات الصحافة الفلسطينية في معرض يضم صورا وصحفا وأفلاما وتسجيلات
2017-11-18
محمد بنطلحة: ليس هناك حرب أهلية بين الشعر والرواية
2017-11-17
معاوية إبراهيم يستعرض التاريخ المشترك للأردن وفلسطين
2017-11-16
تشانغ وي: الفوضى والانقسام مصير الصين إذا طبقت النموذج الغربي
2017-11-15
سميح مسعود: جذوري نادتني فكانت ثلاثية 'حيفا بُرقة... البحث عن الجذور'
2017-11-12
عبدالمالك أشبهون يرصد ظاهرة التطرف الديني في الرواية العربية
2017-11-11
باحثون عرب: الخروج بالبحث العلمي الأساسي والتطبيقي العربي من أزمته يحتاج إلى قرار سياسي
2017-11-09
مؤسسة عبدالحميد شومان تطلق جوائزها للابتكار العلمي بقيمة مليون دينار أردني
2017-11-08
المزيد

 
>>