First Published: 2017-05-10

سيرة حياة وموقع 'الفضول' في التجربة الشعرية اليمنية

 

الشاعر اايمني حاول كسر الرتابة من خلال التنويع والتقطيع وإحداث التدفق النغمي بنفس طويل كما نلاحظ في كثير من قصائده الغنائية الوطنية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد الحمامصي

يا خيبة الدنيا فديت ملامحها ** دعج العيون وشوصها والعورُ

يعد الشاعر عبدالله عبدالوهاب نعمان "الفضول" واحدا من أهم أعلام وأدباء الحركة الوطنية اليمنية الذين اختاروا طريق التحديث والتجديد، وهذه الدراسة للناقد عبدالرحمن مراد تحاول إضاءة نص الفضول من خلال دراسة خصائصه وإماطة اللثام عن انحرافاته الأسلوبية عن طريق رفد الجسد (المفردة) بالروح (الجملة) حسب مذهب بيير جيرو حتى تكتمل الصورة وتأخذ أبعادها الفنية..

وترى أن أول ما يلفت النظر في نص الفضول على المستوى الأفقي هو توظيفه للبنية الاستفهامية في قصائده الفصحى التي تتطلع إلى استشراف الغد من خلال معاناة اللحظة والماضي ولذلك نجد ذلك الدافع – أي دافع التطلع إلى الغد – هو محور وديدن البنية الاستفهامية عند الفضول.

يقول عبدالرحمن مراد في دراسته الصادرة أخيرا عن مؤسسة أروقة للدراسات والترجمة والنشر إن المتأمل في شعر الفضول يجد اهتماماً كبيراً بالبنية الإيقاعية في إطار كتلتها الصغرى "التفعيلة" أو الوحدة الوزنية الكبرى الناشئة عن تركيب عدد من الكتل الوزنية الصغرى كالشطر والبيت فهو في الغالب ينصاع لدفقته الشعورية محدثاً نسيجاً من التوقعات والإشباعات والمفاجآت، فهو يشتغل على التنوع من خلال الوحدة الوزنية الكبرى، فالبناء الإيقاعي للنص لا يعتمد كثيراً على البنى التقليدية، ولكنه يكاد يكون بناءً تجريدياً يتتبع اللحظة الانفعالية فيجسِّدها جرساً أو نغماً موسيقياً من خلال القيم الصوتية للأحرف الصائتة أو الأحرف الصامتة أو ذات الجرس القوي.

وما يمكن أن يقال إن الفضول حاول كسر الرتابة من خلال التنويع والتقطيع وإحداث التدفق النغمي بنفس طويل كما نلاحظ في كثير من قصائده الغنائية الوطنية التي تفرّد فى صوغها ونسجها بطريقة منبثقة من التقليدي المتعارف عليه ولكنها تكسر رتابته السيمترية من خلال التقسيم والتقطيع والتنويع، كما سنبين ذلك لاحقاً من خلال تحليل بعض النصوص.

ويؤكد أن الفضول لم يجنح إلى قصيدة التفعيلية أو قصيدة النثر وظل محافظاً على الشكل البيتي للقصيدة. وقد دلَّ الرسم على الورق ومساحة البياض على وجود نزعة تجنح إلى التجديد كنزعة ذاتية ترغب في المغايرة والإضافة، وقد تحقق لها قدر من ذلك في النصوص التي تهيأت لتكون غناءً صادحاً يلامس شغاف القلوب ويعمل على إدارة روح التوازن في المجتمع، وإيقاع تلك النصوص الغنائية كانت امتدادا متطوراً ومتجدّداً للإيقاع الشعبي، مما أحدث انتقالاً نوعياً في سماء الأغنية الوطنية والعاطفية، بل شكَّلت حياة مركزة وملاذاً للأمل والتطلع وغرس قيم جديدة قائمة على الحب والعطاء والخير والعدل والتسامح والنماء، فالإيقاع عند الفضول حركة متنامية يمتلكها التشكيل الوزني.

ويضيف عبدالرحمن مراد حول سيرة الشاعر "تتحدث سيرة الشاعر عبدالله عبدالوهاب نعمان (الفضول) أنه ينحدر من أسرة ذات مكانه اجتماعية مرموقة، وقد تعززت تلك المكانة في زمن الأتراك بتعيين والده الشيخ عبدالوهاب بيك نعمان قائم مقام منطقة الحجرية بمرسوم من الباب العالي في الأستانه.

ومع خروج الأتراك من اليمن عام 1918 وتسلم الإمام يحيى حميد الدين زمام الحكم في اليمن (1918-1948) تفقد الأسرة مكانتها السياسية، وتبعاً لها مكانتها الاجتماعية، فتحاز بكل ثقلها إلى خيار المعارضة دفاعاً عن وجودها ومكانتها وتشبثاً بالوجود والبقاء، فكانت مشاركة والده في ثورة 1948 إيذاناً للشاعر في مواجهة واقع جديد وحياة جديدة، بعد أن فقد والده حين طالته يد الانتقام التي سلَّها الإمام الجديد أحمد يحيى حميد الدين (1948- 1962) وعلى إثر موت والده الشيخ عبدالوهاب بيك نعمان طوى الفضول مرحلة من الجاه والنعيم، لتبدأ على إثرها مرحلة الشقاء والتشرّْد.

ويوضح أن الفضول لم يكترث لما آل إليه الحال بل واجه واقعه الجديد بالسخرية الجائزة منه ليتجاوز من خلال تلك السخرية ألمه المرير وفقده، ويتجاوز وحدته وغربته فكانت صحيفة "الفضول" الساخرة هي القنبلة التي تنفجر في صلف الواقع وجبروته لتصوغه عالماً كاريكاتورياً غير متوازن وقد عززها بنصوص شعرية كانت أكثر تعبيراً عن كوميديا اللحظة الحياتية وتراجيديتها، ذلك لأنه تجاوز من خلال سرده للحياتي واليومي في تلك النصوص سلطة الهو (الماضي) ليحدث تعديلاً مناسباً يتفاعل مع واقعه الجديد الذي بالضرورة أصبح متغايراً عن الواقع الاجتماعي الذي كان يعيشه كابن قائم مقام الحجرية وشيخ اجتماعي له قيمته ومكانته التي لا يمكن لأحد أن يطالبه لذلك كان تكيفه مع حالة (فتوة الحارات) في عدن كما في نص (طيطو) ليس أكثر من حفاظٍ على الذات في واقع طاغ وقاهر ومتغير:

يا غارة الله ما للآثمين بناء

من غاية ما يرى فينا الزماليطُ

وقد كان لتداعيات النص أثر نتج عنه توتر زائد حمل إحساساً بالألم، كما أوحت ردود الفضول على معارضيه، وقد تحول الإحساس بالألم إلى إحساس باللذة معبراً عنها بالسخرية التي أنتهجها لمواجهته اللحظة الحياتية المؤلمة والقاسية:

يا خيبة الدنيا فديت ملامحها

دعج العيون وشوصها والعورُ

فلقد عرفتك مرة وكأنما

بحثوا بوجهك منكرٌ ونكيرُ

هل فيك داء (الجوع) إن دواءه

كدر تحمَّضَ شمَّهُ وفطيرُ

والجوع (بودر) بين (سكر) حلبة

ولقام فول فالبطون تفورُ.

وقد خلص عبدالرحمن مراد استناداً إلى مضمون القراءة التحليلية التي تضمنتها هذه الدراسة أن الفضول من خلال المظهر الأسلوبي والشكل الفني والمسار اللغوي الخاص به قد أضاف جديداً انتقلت بواسطته اللغة من موقعها القديم إلى مواقع أكثر تقدماً قياساً على مسار اللغة التاريخي والاجتماعي والفني.

وقد قسم مراحل تجربة الفضول إلى عدة مراحل أولها أن حياة الفضول (1920-1982) من مولده 1920 إلى ثورة 1948 وفي هذه المرحلة لم يؤثر عنه أي شيء ذي بال وكانت الفترة (1920-1948) مرحلة تكوين معرفي وعملي فقد تلقى تعليماً تقليدياً لم يتجاوز السائد في عصره، ثم انخرط ضمن قافلة الشباب المستنيرين ليتشكل وعيه المعرفي المنفتح على قيم العصر ومفرداته، وقد توجت هذه المرحلة بنزوحه إلى عدن وتفاعله مع المكون الثقافي والسياسي من خلال انضمامه إلى الكيان المعارض هناك بقيادة محمد محمد الزبيري وأحمد محمد نعمان، وعمل خلال هذه الفترة في التدريس وفي الإعلام.

والمرحلة الثانية من (1948 - 1953) وهي المرحلة الثانية من حياته بدأ خلالها في إصدار صحيفة "الفضول" بأسلوب ساخر مقاوم لعوامل الفناء وعرفه الناس خلال هذه الفترة شاعراً ساخراً إلى أن رفضت سلطات الاحتلال البريطاني بعدن تجديد ترخيص الصحيفة.

المرحلة الثالثة وتبدأ من (1954 - 1964) وفي هذه المرحلة هجر الشعر ليؤمِّن لأفراد أسرته لقمة العيش كما تنص سيرته وخلال هذه الفترة كان ينتقل بين صنعاء وعدن ويمارس بعض الأنشطة الإعلامية والسياسية وبدأ بكتابة نصوص غنائية نسبها إلى أبنائه.

المرحلة الثالثة (1964 - 1982) وهي مرحلة الخصب الإبداعي والنشاط العملي فقد تولى عدداً من المناصب في حكومات صنعاء، وعاد إلى الشعر ليفجر كوامن الإبداع في ذاته، وليؤسس مع أيوب مدرسة فنية تمتد من الماضي وتتغاير عنه، وهي مدرسة ما زال الجدل يدور حول خصوصيتها وامتدادها وحول امتلاكها لمفردات التفرد والتغاير بين كثير من النقاد المعاصرين.

وفي الإطار الزمني للمرحلة الثالثة (1964-1982) تمحورت مقاصد هذه الدراسة باعتبارها وفقا للناقد "تمثل ذروة التشكل الإبداعي وذروة الخصب والنماء إذ من خلالها يرسم ملامح ذاته ويتفرد ويتغاير، إذ شكلت المرحلة الثانية مرحلة مراجعة ونقد لتؤسس لها برؤية أكثر ثباتاً وتمثيلاً للذات نستطيع أن نلمسها من خلال أثرْ الإبداعي في هذه المرحلة، امتلك الفضول في المرحلة (1964-1982) نفسه الإبداعي الخاص واتخذ من الطبيعة ومظاهرها العامة معجمه المتفرد واستطاع من خلاله الاقتراب من القيم الأسلوبية ليصيغ من خلالها شعوره الإنساني في أبعاده الإنسانية والقيمية وأن يتجاوز حدود الانغلاق إلى آفاق رحبه من التحديث والتجديد وتفجير كوامنها اللغة وطاقاتها اللامحدودة، كما نلاحظ ذلك من خلال التحليل للمستويات اللغوية والدلالية الرأسية والأفقية للأثر الإبداعي الذي أنتجه، وبياننا لأثر الاستبدال (الانتقاء) في تشظي اللغة وانزياحاتها تبعاً للموقف الشعري من القضايا الموضوعية للنص.

ويرى عبدالرحمن مراد أن الفضول تجاوز النمطية التقليدية في التصوير ليبدع عالماً أكثر تفاعلاً مع تقنية العصر ومظاهره، فالصورة النمطية التقليدية خرجت من أطرها التقليدية البسيطة إلى التوليد، والمشهد وإلى التراكم، ولم تكن صورته في أنماطها وأساليبها المتعددة فضاءً من الصيغ المتميزة والمتفرد فقط بل كانت عدولاً واعياً من الصيغ الإحالية من القول إلى الصيغ الإيحائية ومقصدها تأكيد المعنى من جوانب مختلفة. ويمكننا الجزم بالقول بأن الفضول امتدَّ من البنية القديمة للإيقاع وأضاف إليه فقد تجاوز الشكلية البيتية في قصائده الوطنية المغنَّاه وحاول مدَّ التفاعيل أو جزرها تبعاً لطبيعة الموضوع وقد خلق من خلال ذلك نمطاً دالاً عليه وخاصاً به ولعل طبيعة اللحن والغناء قد فرضت عليه ذلك التجديد والتحديث الممتد من التقليدي والمتغاير عنه إذا تجاوز شكل الموشح والمبيت ليبدع نفسهُ الإيقاعي الخاص القائم على التقطيع والتقسيم والمدّ لاستنفاذ كل الطاقة في المقام الصوتي أو العكس.

 

محمد الحمامصي

 
محمد الحمامصي
 
أرشيف الكاتب
النجيحي وحمدان: الوساطة أضحت قبلة منشودة في أميركا وأوروبا
2017-09-21
غيث البطيخي يتساءل: كيف يدّعون الإيمان ويَقتلون؟
2017-09-20
محمد الطوالبة يؤكد أن أركون وقع أسـير الاستخدام الأيديولوجي
2017-09-19
تعزيز صناعة الكتاب في الإمارات على طاولة الوطني للإعلام وجمعية الناشرين
2017-09-18
'في غرفة العنكبوت' محاولة لكتابة قصة حب بين ذكرين
2017-09-17
سمير غطاس يؤكد أن هناك علاقات وطيدة بين الجماعات الموجودة في غزة وسيناء
2017-09-15
'الخلاص بالفن' يدعو الإنسان إلى التمسك بالحلم والتذرع بالأمل
2017-09-15
'الشارقة الدولي للكتاب' يستعد لدورته الجديدة
2017-09-14
مكتبة الاسكندرية تفتتح مؤتمر 'مستقبل القوى الناعمة المصرية'
2017-09-13
دسيدريوس إيراسموس ومارتن لوثر .. وجها لوجه
2017-09-12
المزيد

 
>>