آزاد كريم ينفتح على العالم الخارجي بخطوات احتجاجية

التشكيلي الكردي العراقي آزاد كمال كريم اختار مبكراً سلاحه الإبداعي في مواجهة نقائض الحياة المقترنة بالتعصب والتطرف والإستبداد.


آزاد كريم يستثمر بعض الحالات التي تتطلب جهداً زائداً في خلق ما هو جديد


الفنان يتحرك ضمن موجة في جو عاصف

من أربيل في كردستان العراق حيث ولد وعاش، إلى بغداد حيث درس في معهدها للفنون الجميلة، إلى جمهورية سلوفينيا ليكمل تحصيله الدراسي الفني العالي فيها حاصلاً على الماجستير، مختصاً في فن الغرافيك، وله أكثر من أربعين معرضاً شخصياً، مع الكثير من المعارض الجماعية المشتركة، تتوزع على الخريطة في أكثر الإتجاهات وفي أكثر البلدان الغربية منها والشرقية. 
نحن نتحدث هنا عن التشكيلي الكردي العراقي آزاد كمال كريم الذي اختار مبكراً سلاحه الإبداعي في مواجهة نقائض الحياة المقترنة بالتعصب والتطرف والإستبداد، كارهاً الحرب وأدواته القاتلة المدمرة، حتى حين تم إستدعاؤه للخدمة العسكرية للمشاركة في الحرب العراقية الإيرانية التي كانت دائرة بينهما، حينها لم يلب الطلب، بل غاب عن البلاد شاهراً سلاحه الإبداعي بمعادلاتها الكثيرة والمتنوعة كإحتجاج على كل شروط الضرورة التي تحيط بالإنسان وتجره لأتون الحرب، فيذهب إلى البحث عن مقولات تشكل مؤشرات لأفقه الآخر، الأفق الذي إليه تفضي كل آماله بتحولاتها التوافقية مع التشديد على ارتباط طموحاته بمحاور أبحاثه وانعكاساتها على القيم الجمالية والمعرفية التي ينخرط في إنتاجها على نحو ما بالتطلع إلى الإقتراب من القيم الإنسانية ومضامينها المختلفة بصياغات تغدو مفجرات إبداعية في غير قليل من الحالات. 

بحماس ملحوظ يرفع الفنان من الأثر الرومانتيكي لنظرته القائمة على الإمتاع والحضور الموازي للمعادل الإبداعي بتعبير به يرتقي بملامح تجربته وتحيزاتها، بصدق انفعالاته، وتقارب مشاعره من الكشف عن دلالات تمثيلها، ولذلك ينفتح على العالم الخارجي بخطوات إحتجاجية وعلامات مضيئة وبإستهلال زمني ينطوي على معالجة سمات الفعل الجمالي بالإحياء والبعث، وما يختزلانه من مدلولات حاملة لكل خصائص المغايرة والمباينة، ومن جهة أخرى يستثمر آزاد كريم بعض الحالات التي تتطلب جهداً زائداً في خلق ما هو جديد به يتجاوز سابقه، فيقتبس من الشعر محاكاته، ومن السينما مشهديته، ومن الطفل رهافاته الجمالية اللافتة، وبسعادة عاشق يعلن عن تلاوة ألوانه بوصفها أشكال وإشكالات محتملة تقارب اقتباساته تلك، تقاربها بولادة قيم جمالية وتعبيرية بحساسيات جديدة تكون لها طاقاتها في نقل مصادر المخيلة من حقل المتلقي / القارىء إلى حقل العمل عبر بنيتها الفنية التي تأخذ أبعاداً مغايرة للمألوف، وتمضي بها وكأنه يمضي إلى ما يشبه حلم.
إذا حاولنا أن نكون أكثر وضوحاً وفي ذلك مكسب حقيقي للعمل الفني فإن الحقل الجمالي الذي يشتغل عليه / فيه آزاد كريم حقل فيه تتعدد وجوه عطاءاته، وبالتالي تتعدد أنماط الرؤية وتفاعلاتها عبر حوار المفردات مع بعضها من جهة ومع قارئها / متلقيها من جهة ثانية، وهذا ما يجعلها تحظى بموقعها، وفي هذا مكسب حقيقي لنصه، ولشيوع تداوله، وما لا يجب إغفاله ذلك الإخصاب في الرؤية الإبداعية، مع إتساع في قاعدة قراءتها والإقبال عليها، وهذا ما يقتضي منه القيام بمبادرات تسمح له في تقديم صورة دقيقة عن عالمه وطموحاته وعواطفه التي ستحرك فعله الإبداعي بغناه وتنوعه، ستحرك فعله ليكون مشروعه الأصعب والأعقد، مشروعه الذي به يواجه هذا الطوفان الذي يجرف البدايات والحكايات والرؤى، بل ويجرف الخيالات أيضاً.

أسئلة كثيرة تراودنا ونحن نقف أمام عمل آزاد كريم، أسئلة ترتبط جميعها ببعضها إرتباطاً مفترضاً، مبرزة مسافة مفترضة بين تتابع مفرداتها وما تتمتع بها من دقة وعمق ورصانة، أسئلة ترتبط جميعها ببعضها البعض بحبل سري الذي يرتبط بدوره بمشيمة لا تحتاج إلى فصلها، بل إلى فك رموزها، وقراءة هذه الرموز وما تحمله من دلالات، وبما يملأ الروح والعين معاً، بما يملأهما من غنائية دافئة تنبثق من لآلىء المكان وما تسكنه من تفاصيل الهواجس في إطارها العام. فإذا كان آزاد كريم ينتقل كثيراً إلى محاورة منجزه بوصفه عملية استعراف تشي بكسر الحدود في جانبه الحكائي مع ترك الإشارات في أحيان كثيرة لإحياء عمليات الإضاءة في جانبها القيمي وكمصدر إليه تحال أصداء مشهده الإبداعي وحركيّة ازدهاره.
ثمة مقاييس يراعيها آزاد كريم وهو يذهب بمنجزه إلى مسعاه التغييري، وكأنه يتحرك ضمن موجة في جو عاصف، يقوّمه تبعاً لإستجابته لمقتضيات ولادته المرتبطة بشروط وأحوال علاقتها، نعم ثمة مقاييس (داخلية - خارجية) بها يعيد كريم أسس مناخه الذي يتقبل قيما جديدة عبر مسالك معقدة نوعاً ما، وعبر معمار يكون الشكل فيه جزء من الكل، وهذا ما يحمل إلى منجزه عناصر إضافية تزيل كل الحواجز المصطنعة من طريقه، وتدفعه إلى إستيحاء أشكال جديدة يوظفها تبعاً لتلك المقاسات، متفاعلاً مع مقتضيات التخيّيل والرؤية، ساعياً إلى بلورتها إنطلاقاً من أسئلته الحاضرة، ووصولاً إلى إخضاعها لتشكيل جديد.