آفاق تجديد وتوحيد الحركة النقابية والجماهيرية في دول الجنوب العالمي، العراق نموذجاً

القوة الحقيقية لليسار لا تكمن فقط في أطروحاته الفكرية وإنما في قدرته على بناء مؤسسات تقدمية مستقلة متجذرة في حياة الناس اليومية.

تشترك معظم بلدان الشرق الأوسط والجنوب العالمي ذات الأنظمة الاستبدادية في أزمة بنيوية واحدة، قوامها تشتت وضعف حاد ومزمن يصيب المنظمات الجماهيرية والنقابية والنسوية والطلابية، ويمتد ليطال التنسيق بين قوى اليسار ذاتها. وهذه ليست إشكالية عراقية خالصة، وإنما ظاهرة متكررة في سياقات متشابهة، تجد في التجربة العراقية أكثرها وضوحاً.

أفرزت الأنظمة الاستبدادية ظروفاً ضاغطة دفعت قوى اليسار إلى تبني أشكال تنظيمية مركزية محكمة تحت وطأة القمع والملاحقة، بما أنتج نهجاً يقوم على بناء نقابات ومنظمات جماهيرية سرية وأحياناً شبه علنية مرتبطة بالتنظيمات السياسية ارتباطاً وثيقاً، على حساب استقلاليتها وقدرتها على احتضان قطاعات اجتماعية أوسع.

والإنصاف يقتضي الاعتراف بأن هذا النهج لم يكن خاطئاً في مطلق الأحوال، إذ أدى في مراحل تاريخية بعينها دوراً محورياً لا يمكن إنكاره، حين كانت المركزية التنظيمية ضرورة فرضها الواقع القمعي. غير أن الزمن تغير تغيراً جوهرياً في ظل الثورة الرقمية، فالجماهير اليوم، وخاصة الأجيال الجديدة التي نشأت على ثقافة الوصول الفوري إلى المعلومات والتنظيم الأفقي والمشاركة المباشرة في صنع القرار، لم تعد تقبل بأن تكون مادة للتعبئة في خدمة أجندة حزبية محددة. لذلك تسعى هذه الورقة إلى إثارة نقاش جاد حول مراجعة نموذج "النقابة التابعة والمنظمة الجماهيرية الموالية"، والبحث في نموذج مغاير.

من الارتباط العضوي إلى الاستقلالية

بعد عام 2003 حرصت معظم التنظيمات اليسارية على إدامة وإنشاء نقاباتها واتحاداتها ومنظماتها الخاصة، مما أفرز مشهداً جماهيرياً يتسم بتشتت الطاقات وتعدد التسميات وتضاؤل الفاعلية الفعلية. فالنقابة المرتبطة بتنظيم بعينه تجد صعوبة حقيقية في احتضان شغيلات وشغيلة اليد والفكر بكل تنوعهم الفكري والقومي والديني، والمنظمة النسوية المرتبطة بحزب معين تجد صعوبة في استقطاب النساء من خلفيات سياسية مختلفة، والاتحاد الطلابي يتحول تدريجياً إلى ساحة للتجاذبات الحزبية.

وتكشف تجربة شخصية عشتها في صيف عام 1992 عمق هذه الإشكالية، حين اجتمعنا مع رفاق اليسار والعاطلين لبناء اتحاد للعاطلين في إقليم كردستان. اقترح بعض الرفاق بياناً مشبعاً بالعبارات الأيديولوجية، فاختلفت معهم، ورأيت أن ما نسعى إليه هو بناء اتحاد للعاطلين جميعاً من كافة الأفكار والتوجهات. ذلك السؤال الجوهري الذي طرح في صيف 1992 لا يزال في صميم الإشكالية التي نناقشها اليوم.

ضعف التنسيق وانعكاساته

ثمة مفارقة مؤلمة جديرة بالتأمل، إذ يرفع اليسار شعار وحدة الجماهير الكادحة، في حين أن هذا النهج التنظيمي أفضى من غير قصد إلى تشتت الجهود وإضعاف الحركة النقابية والجماهيرية على أرض الواقع. فالتشتت الجماهيري الذي نراه في المشهد النقابي يعكس في جانب منه تشتتاً سياسياً سابقاً، تجلى في تعدد التنظيمات اليسارية وتباين مواقفها، وهو تباين طبيعي ومشروع في حد ذاته، إذ إن الوضع العراقي والإقليمي والعالمي المعقد يتقبل اجتهادات يسارية مختلفة. غير أن هذا التباين حين يتحول إلى صراع واحتقان يضعف العمل المشترك، فإنه يلقي بظلاله الثقيلة على الفضاء الجماهيري برمته، ويحول طاقات اليسار من بناء القوة الجماهيرية إلى استنزافها في معارك داخلية لا تخدم سوى خصوم التغيير.

كذلك أفرز غياب التنسيق نمطاً يقوم على التنافس داخل الدائرة الجماهيرية ذاتها عوضاً عن التوسع نحو قطاعات اجتماعية جديدة. وظلت الخريطة الجماهيرية محدودة المساحة رغم تعدد التنظيمات، لأن هذا التعدد لم يفضِ دائماً إلى توزيع العمل ومخاطبة شرائح مختلفة، وإنما أفضى إلى التداخل والتكرار في الرقعة ذاتها.

دروس من تجارب نقابية فاعلة

تكشف التجارب التاريخية أن النقابات التقدمية المستقلة الفاعلة كانت عاملاً محورياً في التغيير الاجتماعي والسياسي، وأن قوتها نبعت من تجذرها في قواعدها العمالية لا من ارتباطها بهذا الحزب أو ذاك. ففي تونس أدى الاتحاد العام التونسي للشغل دوراً محورياً في إسقاط الدكتاتورية عام 2011، وفي جنوب أفريقيا أثبت الكونغرس الجنوب أفريقي لنقابات العمال أن النقابة المستقلة القوية تستطيع أن تكون جبهةً للدفاع عن الحقوق العمالية دون أن تذوب في أي حزب. وفي البرازيل تطورت حركة نقابية مستقلة لتفرز حزب العمال الذي وصل إلى السلطة، وفي الدنمارك تعمل الأحزاب اليسارية داخل النقابات المستقلة القائمة مكتسبةً نفوذاً اجتماعياً أعمق.

التحديات الهيكلية

تضاف إلى ما سبق تحديات هيكلية أعمق، أبرزها الطبيعة الريعية للاقتصاد العراقي، إذ يشكل النفط نحو 90 في المئة من إيرادات الموازنة العامة مما يجعل غالبية العمال موظفين حكوميين تربطهم بالدولة علاقة تبعية مباشرة تقيد هامش تنظيمهم المستقل. وقد تجلى ذلك بوضوح في احتجاجات تشرين 2019، حين عجزت النقابات عن تحويل زخم الشارع إلى إضرابات منظمة. يُضاف إلى ذلك دور بعض الجهات الدولية المانحة في تعزيز نماذج من "المجتمع المدني" تهمش النقابات ذات التوجه التقدمي، وتعزيز ظاهرة الشخصنة التي تجعل استمرارية المنظمة رهينة بأفراد بعينهم.

نحو يسار جماهيري متجدد

غياب النقابات والمنظمات القوية والمستقلة أضعف اليسار بصورة تتجاوز ما هو مرئي، إذ وجد نفسه في فراغ تنظيمي مؤلم حين جاءت لحظات الاحتجاجات الحاسمة. والثورة الرقمية أعادت رسم خريطة القوة والتأثير، وكشفت حركات الاحتجاج أن التنظيم الأفقي المرن قادر على توليد طاقة تعبوية هائلة تعجز عنها الهياكل ذات المركزية المفرطة.

الطريق إلى الوحدة الحقيقية يمر عبر مسارين متكاملين: أولهما المشاركة الجماعية في بناء نقابات ومنظمات جماهيرية تقدمية مستقلة وقوية تجمع الجميع بصرف النظر عن انتماءاتهم الفكرية والقومية والدينية والحزبية. وثانيهما التنسيق والعمل المشترك على الصعيد السياسي عبر أطر تحالفية متنوعة كخطوات تدريجية نحو بناء إطار يساري تقدمي واسع وموحد.

فالقوة الحقيقية لليسار لا تكمن فقط في أطروحاته الفكرية، وإنما في قدرته على بناء مؤسسات تقدمية مستقلة متجذرة في حياة الناس اليومية، وتحويل طاقاتهم الاجتماعية إلى قوة تغيير حقيقية تفتح الطريق نحو البديل الاشتراكي الديمقراطي.