آليات تمويل التنمية المستدامة في البلدان العربية

المنطقة العربية تحتاج إلى أكثر من 230 بليون دولار سنوياً لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، والخسائر الاقتصادية بسبب الحروب والصراعات تعيق تنفيذها لتداخلها مع متطلبات إعادة الإعمار.


دعوة الى إصلاح السياسات المالية ومنح حوافز لتشجيع الاستثمار


الالتزام باتفاقية باريس المناخية يتطلب استثمارات ضخمة


أول إصدار لسندات خضراء في المنطقة العربية من بنك أبوظبي


التدفقات المالية غير المشروعة تؤرق العديد من الدول العربية


دور محوري للقطاع الخاص في النهوض بمشاريع التنمية المستدامة

تناول المنتدى العربي السنوي للمنتدى العربي للبيئة والتنمية (أفد) مند تأسيسه كمنظمة غير حكومية قرابة 10 تقارير قطاعية تشكل المحاور الكبرى لقضايا البيئة في الوطن العربي، وأصبحت ملاذ للعديد من الأطراف والهيئات الساعية الى مكافحة المعضلات البيئية الحادة والحريصة على وضع الاستراتيجيات التنموية .
وقد أثرت التقارير بشكل ملموس في التركيبة النظرية والبحثية للمشهد البيئي العربي، ومختلف قطاعاته الدقيقة كما ونوعا،كما تحولت الى مراجع موثوقة ومستقلة مرفوقة بتوصيات تستوجب التطبيق من قبل أصحاب القرار السياسي وواضعي السياسات العامة.
وتتطلب هذه التقارير في المقابل تحديد الاحتياجات التمويلية والثغرات والخيارات والآليات، مع التركيز على المصادر ودور كل منها .
وحرص المنتدى العربي للبيئة والتنمية في سنة 2018 على تخصيص تقريره السنوي لموضوع "تمويل التنمية المستدامة في البلدان العربية"، ومعالجة متطلبات التمويل للانتقال إلى النمو المستدام وتنفيذ أهداف التنمية المستدامة في سياق خطة العام 2030.
ويتطلع المنتدى إلى عرض وتحليل البيانات من مختلف القطاعات حول تمويل التنمية المستدامة في البلدان العربية، وتحديد والعراقيل والصعوبات في هذا المجال ثم دعم الإجراءات والتدابير اللازمة لسد الفجوات في السياسات الحكومية الحالية ورفع مستوى الوعي العام وإثارة النقاش حول حسابات البيئة كخطوة استراتيجية نحو التحول إلى الاقتصاد الأخضر.
وأظهر التقرير أن المنطقة العربية تحتاج إلى أكثر من 230 بليون دولار سنوياً مخصصة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة. أما الفجوة التمويلية السنوية فقُدِّرت بأكثر من 100 بليون دولار. كما بيّن أن الخسائر في النشاط الاقتصادي بسبب الحروب والصراعات في المنطقة العربية منذ العام 2011 بلغت نحو 900 بليون دولار، وهو ما يعيق تنفيذ أهداف التنمية لتداخلها مع متطلبات إعادة الإعمار.
 كما بيّن التقرير الدولي أن الفساد تسبب بخسارة توازي المبالغ المطلوبة لسد فجوة الاستثمار في التنمية، والمقدرة بمئة بليون دولار سنوياً.
وأشار التقرير إلى انحسار مصادر التمويل العامة والخاصة في المنطقة العربية. ففي مقابل كل دولار يدخل من خلال تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، يتم إعادة استثمار نحو 1.8 دولار فعلياً في الخارج، إما بواسطة تدفقات الاستثمار المباشر إلى الخارج، أو من خلال تحويل الأرباح التي يحققها المستثمرون الأجانب.
وفي الوقت نفسه تظل المنطقة مقرضة للبنوك الأجنبية، حيث كانت ودائع العملاء العرب لدى البنوك الدولية الرئيسية أعلى باستمرار من القروض المقابلة للعملاء العرب من هذه البنوك.
 ودعا إلى العمل على عكس اتجاه الاستثمارات إلى المنطقة العربية، ما يستدعي إصلاح السياسات المالية والنظام الضريبي ومكافحة الفساد وإعطاء حوافز وتسهيلات لتشجيع الاستثمار واستخدام الموارد بكفاءة.
وذكر تقرير"تمويل التنمية المستدامة في البلدان العربية" أن متطلبات الالتزام باتفاقية باريس المناخية وتحقيق أهداف التنمية المستدامة تستدعي استثمارات ضخمة. 
وتحتاج المنطقة العربية إلى أكثر من 230 بليون دولار أميركي سنوياً مخصصة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة. أما الفجوة التمويلية في الدول العربية التي تعاني العجز فقُدِّرت بأكثر من 100 بليون دولار سنوياً، أي 1.5 تريليون دولار حتى عام 2030.
وبلغ إجمالي المساعدات الثنائية المقدمة من الدول العربية سنة 2016 نحو 13 بليون دولار، ذهب ثلثها إلى دول عربية أخرى. وقدمت صناديق التنمية العربية ما مجموعه 204 بلايين دولار حتى نهاية 2017، ذهب 54 في المائة منها إلى الدول العربية. أما إجمالي المساعدات الإنمائية الرسمية المقدمة إلى البلدان العربية من مصادر خارجها فبلغ 22 بليون دولار عام 2016. ومع أن هذا يمثل زيادة كبيرة عن السنوات السابقة، لكنه يخفي حقيقة أن ما يصل إلى 15 في المائة كان مخصصاً لمساعدة اللاجئين والمعونات الإنسانية، التي هي في الواقع ليست جزءاً من برامج التنمية.
وانخفضت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى المنطقة العربية إلى 32 بليون دولار سنة 2016، من 88 بليون دولار عام 2008. ولا تزال هذه التدفقات متقلبة ومرتبطة بتقلبات أسعار النفط وعدم الاستقرار السياسي. ويتطلب ذلك وجود إطار تنظيمي يولّد الثقة القادرة على جذب المستثمرين وتعبئة المدخرات الخاصة.
وحدثت زيادة سنوية بمقدار 14 ضعفاً في إصدار السندات الخضراء على الصعيد العالمي، من 11 بليون دولار سنة 2013 إلى أكثر من 155 بليون دولار سنة 2017. ولكن رغم نموها السريع، فإنها لا تزال بعيدة جداً عن سوق السندات العالمية المقدرة بحوالي 100 تريليون دولار.
 وفي سنة 2017، أطلق بنك أبوظبي الوطني أول إصدار لسندات خضراء في المنطقة العربية بقيمة 587 مليون دولار أميركي.
ويحمل استغلال إمكانات التمويل الإسلامي من خلال الصكوك (السندات المتوافقة مع الشريعة) فرصاً كبيرة لتمويل البنية التحتية، ومشاريع الطاقة النظيفة والمتجددة وتغير المناخ وتصميم المنتجات المالية التي تناسب المغتربين والتي يمكنها تسخير التحويلات في المزيد من الاستثمار الإنمائي.
 ولا يجوز للقوانين التي ينبغي تطبيقها بالتساوي على الجميع أن تقتصر على القيود والتدابير الرادعة فحسب، بل يجب أن توفر أيضاً حوافز لتشجيع الأنشطة والاستثمارات المستدامة.
وتعتبر التدفقات المالية غير المشروعة وغسيل الأموال وسرقة الأموال العامة وهدرها أحد التحديات التي تواجه العديد من الدول العربية. ومن المقدر أن تولّد عائدات مكافحة الفساد في الدول العربية ما يصل إلى 100 بليون دولار أميركي سنوياً، وهو ما يكفي لسد معظم الفجوة المالية في الاستثمارات اللازمة لتنفيذ أهداف التنمية المستدامة.
ودعا تقرير"أفد" الهيئات التنظيمية والرقابية الى العمل مع المصارف لاعتماد أفضل الممارسات في إدارة المسائل المرتبطة بالبيئة. ويمكن معالجة بعض العوائق باعتماد تدابير تنظيمية وسياسات موجّهة نحو إعطاء تسهيلات وحوافز للتمويل الطويل الأجل للمشاريع التي تقع في خانة تحقيق أهداف التنمية المستدامة.
وأوصى التقرير بإعطاء حوافز على شكل تسهيلات ضريبية وشروط تمويل مدعومة، جنباً إلى جنب مع الإلغاء التدريجي لتدابير الدعم المالي غير الملائمة لتحقيق التنمية القابلة للاستمرار. كما اعتبر أن السياسات النقدية الملائمة ضرورية لتشجيع التمويل الأخضرمثل قبول بعض الأصول الخضراء كضمانات للقروض.
 وناشد التقرير الدول النفطية إلى تنويع الاقتصاد نحو قطاعات منتجة غير بترولية وإعادة النظر في أنظمة دعم الأسعار، لمواجهة آثار تقلبات الأسعار على الدخل وتحقيق نمو طويل الأمد. أما الدول ذات الدخل المتوسط، فلا بد لها من تعديل الأنظمة الضريبية بحيث ترتفع نسبة الدخل من الضرائب مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي، مع تأمين العدالة وفق شرائح الدخل والثروة. 
وهناك حاجة ملحّة إلى إصلاحات مالية لتشجيع الاستثمارات ذات البعد الاجتماعي، إلى جانب التدابير المالية القادرة على دعم تنويع الاقتصاد وإدارة الديون والاستقرار البعيد الأمد في النمو وتحصيل الإيرادات. والمطلوب أن تكون الإدارة الضريبية مبسطة وشفّافة لتجنّب التهرّب الضريبي التي يتسبب فيها عدم الوضوح.
ويستوجب استقطاب التمويل من القطاع الخاص في مشاريع التنمية المستدامة، بما فيه تشجيع استثمار المدخّرات، خصوصاً عن طريق أدوات مالية تستطيع اجتذاب التحويلات، وتطوير الأسواق المالية، واستقطاب الاستثمارات الخارجية المباشرة عن طريق سياسات وحوافز تمنح الثقة للمستثمرين. 
وعلى الدول تطوير آليات تشجع التمويل المختلط، مثل الشراكات بين القطاعين الخاص والعام، واستخدام القروض من المؤسسات المانحة وصناديق التنمية كضمانات للحصول على قروض إضافية من القطاع الخاص.
ودعا التقرير إلى التركيز على كفاءة استخدام الموارد المالية المتوافرة، من القطاعين العام والخاص، وتغيير وجهتها، فضلا عن تأمين مصادر جديدة للتمويل، حيث يلزم الأمر، وفق جدول أولويات، لدعم المشاريع والبرامج الكفيلة بتحقيق أهداف التنمية المستدامة. كما لا بد من القضاء على الفساد والهدر ووضع سياسات متكاملة صديقة للاستثمار. وضرورة الاستثمار في تنمية محورها الناس، تعزز دمج حقوق الانسان بما في ذلك الحق في التنمية ومبادئ المشاركة الشعبية الحقيقية والمساءلة والشفافية وعدم التمييز في أجندة التنمية.
وقال نجيب صعب أمين عام المنتدى العربي للبيئة والتنمية أن تحقيق المحتوى البيئي لأهداف التنمية المستدامة في البلدان العربية يتطلب 230 بليون دولار سنوياً.
 وقد وجد تقرير "أفد" أن الفجوة التمويلية في الدول العربية التي تعاني عجزاً تصل إلى 100 بليون دولار، مع مجموع تراكمي يتجاوز 1.5 تريليون دولار حتى سنة 2030. فمن أين يأتي التمويل؟ ليس كل التمويل المطلوب مبالغ إضافية جديدة. فقسم كبير منه يأتي من وضع حد للهدر وتحويل جزء من الالتزامات المالية التقليدية في الموازانات الحالية إلى مشاريع تدعم أهداف التنمية المستدامة. لكن هذا لا يكفي، إذ تبقى الحاجة ملحّة إلى مبالغ كبيرة جديدة.
ولا تستطيع الحكومات لوحدها تأمين آلاف البلايين المطلوبة لتمويل التنمية المستدامة. لذا فمن الضروري استقطاب مساهمات صناديق تمويل التنمية العربية والدولية والقطاع الخاص. وهذا يحتاج إلى سياسات وتدابير تنظيمية ومالية تقوم على الشفافية والاستقرار التشريعي، ما يخلق الأرضية الملائمة لجذب الاستثمارات.
 كما أن تشجيع القطاع المصرفي على تمويل مشاريع التنمية المستدامة، التي قد تحمل مخاطر أعلى ويتطلب سداد ديونها فترات أطول، يتطلب حوافز من الحكومات والبنوك المركزية والمؤسسات الدولية المعنية بالتمويل والتنمية. وهذا يكون عن طريق المشاركة في المخاطر ومنح تسهيلات للمصارف التجارية، خاصة في مجالات تمويل برامج المياه وإنتاج الغذاء والطاقة المستدامة. ذلك أن خلق بيئة ملائمة للاستثمار وتوفير الثقة في خطط التنمية الوطنية وآلياتها، تحت راية القانون والعدالة والاستقرار السياسي، شرطان ضروريان لتحقيق أهداف التنمية المستدامة كما نصت عليها أجندة 2030.