أبي سعيد الديوه جي يصدر المجموعات التراثية الكاملة لأبيه

أهمية هذه المجموعة تكمن في أنها دونت من لدن مؤرخ جليل وشاهد عيان على تلاوين التراث الشعبي الموصلي.


مظاهر الذهاب إلى الحمامات العامة في السوق


رسم صورة واضحة المعالم عن الأجواء العامة لكيفية تلقي الصبية دروسهم على يد الملا

صدر مؤخرا الإصدار الجديد للمؤرخ العراقي الراحل سعيد الديوه جي؛ موسوعته التراثية والتي أطلق عليها "المجموعة الكاملة للمؤرخ سعيد الديوه جي - التراث الشعبي الموصلي" إعداد الدكتور أبي سعيد الديوه جي - الموصل 2020، وتقع  في 491 صفحة .
وعن إصدار هذه المجموعة أشار ابن الراحل الديوه جي الدكتور أبي الديوه جي في مقدمته إلى أن والده كتب الصفحات هذه في أوقات مختلفه في حياته، والتي تختلف عما كتبه الآخرون، ذلك ـن الوالد عاصر هذه الأحداث طوال حياته، ولم يعتمد على السماع، ونشر بعضها على شكل مقالات وأخرى على شكل كتب، وبقيت مجموعات مكتوبة ولم تنشر، ويلاحظ القارئ ورود ذكر العديد من الأماكن والمسميات عن مدينة الموصل وعلى نحو لم تعد قائمة في الوقت الحاضر، ككلامه عن الأسعار والعملات أو لواء الموصل أو الاسواق والخانات وغيرها. 
وتكمن أهمية هذه المجموعة التي بين يدينا، أنها دونت من لدن مؤرخ جليل وشاهد عيان على تلاوين التراث الشعبي الموصلي واصفا بدقة حيثيات وجزئيات المشاهد التراثية المتعلقة بالحياة والممارسات اليومية لأفراد المجتمع، فيصف مثلا مظاهر العيد بكل دقة والتحضيرات له داخل بيوت والمحلات وأفراح الأطفال وألعابهم وما يتغنى به الأطفال والصبيان ومنها:
ياالعايدة يالعايدة ** باب الكبير باب الكبير 
عمودكم فضة ** ودايركم حرير

المشهد العام للمدينة عند سماع خبر الوفاة، وما يرافقها من عمليات متسارعة الخطى كتجمهر الناس والتغسيل والتكفين ومن ثم إقامة مجالس العزاء وتوزيع الصدقات

ويسهب مؤرخنا الديوه جي في تعداد أنواع المهن في الموصل ذاكرا تفصيلاتها وأعمالها وأدواتها، ومن أبرزها: البغضعجي: السراجون، الملاحون، السوفاجية، التنكجية، الحصيرجية، العباجية، الشكرجية، الكبابجية، وغيرها من المهن والحرف كما يتناول الديوه جي تفصيلات كل منها، فعن حديثه عن الحلاق والذي يسمى أيضا "البربر" يتناول أدوات الحلاقة وكيفية حلاقة الرأس على أشكاله، وكيفية حلاقة الشباب واختلافها عن  حلاقة كبار السن أو الأطفال، وتفصيلات تشذيب اللحى والشوارب، وكذلك كيفية حلاقة الأفندية أصحاب الفيس وإيضاح اختلاف حلاقة اليهود عن المسلمين، حيث يتخذ اليهودي "زلفين" فوق أعلى طرفي الخد.
كما يتحدث عن مظاهر الذهاب إلى الحمامات العامة في السوق، ويتناول العاملون فيها، مثل الحمامجي، الدلاك، أبو الدواشم، عطاي الماي، الوقاد، الزبال، السقى وغيرهم، كما يتناول كذلك حمام النساء والعاملين فيها مثل القيمي والغسالي ونحوها.
ومن جهة أخرى يسلط الضوء على أبرز المهن والصناعات النسائية، فيورد تفاصيل كل واحدة ومنها: الملاية، الاستادي، الخياطة، النقاشي، الحلاجي، الغزالي، الدقاقة، الحكيمي، القابلة، الداية، الحاضنة، الرقاقة، الجلاية، مقطعة الرشتة، وغيرهن العديد.
وتحدث أيضا عن تفاضيل البيت الموصلي ومشتملاته والاختلافات بين بيوت الفقراء ومتوسطي الدخل والأغنياء، من حيث حجم البيت وطريقة بنائه وأثاثه وعدد غرفه ومشتملاته، كما أوضح أهمية أدوات البيت الموصلي الواجب توفرها للاستخدامات الحياتية مثل: الغربال بأنواعه، البرنية والبرمة، الكوارة، الصافوي، منقل الطين السلال، سلة الخيوط، الصندوق، الصندلية، التنور وغيرها.       
كما يتناول مؤرخنا الجوانب التعليمية في الموصل، فلحظ تأكيده على النشء الجديد (مؤكداً على الجوانب التراثية المرافقة لعملية التعليم وما ينشده الصبية خلال توجههم للملا أو الملاية). 
وعن علاقة الأم بابنتها الصغيرة ينقلنا بالوصف الدقيق والرصد المتمعن لما تنشده الأم لابنتها الصغيرة، وهي تتأملها تكبر كالبرعم متفيئة بالحنان والعطف ومتباهية بها عند ذهابها وإيابها للتعليم.
ولم يتوقف الراحل الديوه جي عند ذاك بل حرص على تدوين ما تُلقّنـه الأم لابنتها في دروس التربية وغرس الأخلاق الفاضلة، فضلاً عن التدبير المنزلي وتهيئتها لإدارة البيت من النواحي المتعددة.
وينتقل مؤرخنا إلى رسم صورة واضحة المعالم عن الأجواء العامة لكيفية تلقي الصبية دروسهم على يد الملا (المعلم)، واصفاً مستلزمات العملية التعليمية وطقوسها المتعارف عليها مع أهم المفردات التي يؤكد عليها المعلم في التدريس. وبخاصةً بعد ظهور التعليم المدني في الموصل أُخريات العهد العثماني وما رافقه من تطورات في مجال التعليم.
وينقلنا الديوه جي في مشهد غاية في الوصف والدقة في إطار أرخنة الجوانب التراثية للحياة العامة في الموصل، فيختار تسليط مزيداً من الضوء على موضوع آخر قلّما كُتبَ عنه وأعني به "مجلس العزاء"، و"كل نفسٍ ذائقة الموت" فيصور لنا المشهد العام للمدينة عند سماع خبر الوفاة، وما يرافقها من عمليات متسارعة الخطى كتجمهر الناس والتغسيل والتكفين ومن ثم إقامة مجالس العزاء وتوزيع الصدقات.
ومجالس العزاء متنوعة منها الخاص بالنساء والآخر للرجال، وهناك مجالس لسراة البلد ووجوهها وغيرها للناس الفقراء. وتضم جميعاً صوراً ربما غاب جزء منها في الوقت الحاضر.

التراث العراقي
تدوين ما تُلقّنـه الأم لابنتها

ولا بد من الإشاره إلى أن الإصدار الجديد الذي بين يدينا يبدأ بكلمه شكر للدكتور أبي سعيد الديوه جي ثم مقدمه للدكتور ذنون الطائي، وتليها سيره المؤرخ سعيد الديوه جي العلمية، وموضوعات الإصدار، وهي 44 عنواناً، وكما يأتي "رمضان في الموصل، العيد في الموصل، أغاني العيد في الموصل، أصحاب المهن في الموصل، الحلاق، الحمام، حمام النساء، الكلاكون ومهن أخرى، البناء وعمال البناء، تقاليد الزواج في الموصل، من أغاني الزواج، المصطلحات الشعبيه، أشعار الترقيص في الموصل، إضافة لأشعار الترقيص، صناعات النساء في المجتمع الموصلي، موسم الموني (البرغل)، البيت الموصلي، أدوات البيت الموصلي، صيدليه الدار، تأثير العوامل الطبيعية في توزيع الأعمال في البلد، المطاعم، المقهى (القهوه جي) الخبز ومؤونه الدار، النار، مجلس العزاء، الإضاءة، وسائل النقل، التبغ، أنواع الموازين، الشاي، المروحه، الأمثال الشعبية في توعية الشعب، ونقد الحكام الدخلاء، ما كان يقصونه على الأطفال، ثياب المرأه الموصلية، التمائم وما يتفاءلون به، حسن باشا، مطر الربيع، خضر إلياس، أنواع السلال، التوقيت اليومي، حمام علي، وأماكن سياحيه أخرى، الطعام وآدابه، العنتريه، الإسكندر الأعمي". 
كل ذلك في "المجموعة الكاملة للمؤرخ سعيد الديوه جي" التي انكب على جمعها وتنسيقها وإضافة العديد من الموضوعات المخطوطة لها، مع تدعيمها بالصور الفوتوغرافية من قبل ابنه البار الدكتور أبي سعيد الديوه جي، الذي لم يألُ جهداً منذ سنوات على نشر تراث والده بإعادة طبع مؤلفاته في بيروت أو نشر الموضوعات المخطوطة، أو العمل على تنقيح العديد من المؤلفات بإضافات أصلية مما خطه يراع والده.
وبذلك يقدم فائدة قصوى للباحثين والدارسين في تاريخ الموصل المحلي بأوجهه المختلفة. أتمنى مخلصاً أن يحذو حذوه كل من لديه إرث علمي مخطوط بسرعة إظهاره للنور لتتم به الفائدة العلمية وخدمة للذائقة الثقافية.