موفق الطائي يلقي الضوء على الحركة التشكيلية في نينوى

كتاب الطائي يعد مرجعاً ببليوغرافياً وسيرياً لجُل الفنانين التشكيليين في الموصل خلال ما يزيد على القرن من الزمان موشحاً بنماذج من لوحاتهم الإبداعية.


الموصل كانت تتلمس تأسيس مدرسة خاصة بالفن التشكيلي عبر روادها وتلاميذهم الذين جدّوا بالإنتاج الفني والإبداعي


السير الذاتية غاب عنها بعض الأسماء

تعد مدينة الموصل أحد أبرز الحواضر العربية عطاءً علمياً وحضارياً عبر تاريخها الطويل المضمخ بصفحات الإبداع، والتواصل عبر أجياله المتعاقبة، فكانت الموصل بؤرة التفاعل الحضاري للعديد من الملل والنحل، ويشير إليها الرحّال والكتّاب عن كثرة روادها من طالبي العلم والرزق في العصور الإسلامية والحديثة، لكثرة مدارسها وعلمائها وشيوخها الكبار، ولمتانة اقتصادياتها المتنوعة، ففي العصر الحديث تطورت أساليبها الفنية في الكتابة لاسيما الخط العربي فظهر مبدعون أجادوا تلاوين الخطوط العربية. 
وفي منتصف القرن العشرين شهدت الموصل نهضة فنية كبرى في الرسم والنحت ولاسيما الفن التشكيلي، بفعل خريجي معهد الفنون الجميلة في بغداد وبرزت قامات أمثال: نجيب يونس وضرار القدو وراكان دبدوب وحازم الاطرقجي وفوزي إسماعيل وغيرهم ممن أثروا الساحة الفنية الموصلية والعراقية وحتى العربية بفيض تشكيلاتهم ولوحاتهم، التي ازدانت بها المعارض الفنية حتى خارج العراق، وبدا واضحاً ان الموصل كانت تتلمس تأسيس مدرسة خاصة بالفن التشكيلي عبر روادها وتلاميذهم الذين جدّوا بالإنتاج الفني والإبداعي، مستلهمين تراث الأمة وحضارة العراق والمعطيات التاريخية والتراثية الخاصة لمدينة الموصل بمورفولوجيتها الجميلة، فجاءت أعمالهم الفنية معبرة بأصدق التعابير عن نبض الحياة وما تجيش به النفس وترتسمه المخيلات وتعتمر به الذاكرة وحقيقة الأشياء عبر مسارات الألوان الجميلة. فأروقة الموصل كانت ولا تزال تشهد بين الفينة والأخرى معرضاً هنا وآخر هناك، يحكي قصة وفلسفة رائد من رواد الفن أو ينبئ عن ولادة مبدع جديد.
ولا ريب أن المدرسة التشكيلية في الموصل ولدت من رحم معاناة أهلها في أحلك الظروف العصيبة التي مرت بها، وعبرت أنامل فنانيها عن الأمل والحزن والفرح والترقب ورؤى الإنسان والطبيعة الخلاّبة، وعن مكونات أطيافها وأهلها والتراكيب الاجتماعية وأحداث الموصل بكل التفاصيل، وتشبث الإنسان بنسغ الحياة، وقد ارتكز الفنان الموصلي إلى عمقه الحضاري ومفردات تراثه الموصلي في توظيفاته الإبداعية. 

Fine Arts
مزيد من الإبداع في مكمن الجمال 

وتأسيساً على ذلك فقد صدر للفنان التشكيلي والمسرحي موفق الطائي كتاب "أضواء على الحركة التشكيلية في نينوى" عن دار الأديب في عمّان 2019، ويقع الكتاب بـ 358 صفحة، يضم مقدمة المؤلف ثم الفصل الأول الذي تناول فيه بواكير الحركة التشكيلية في العراق ثم تطور الحركة التشكيلية في نينوى متحدثاً عن جيل الرواد فيها، وجانب من أنشطتهم الإبداعية، وأفرد حيّزاً لدور المؤسسات التربوية والفنية في تطور الحركة التشكيلية في الموصل، من خلال  مديرية النشاط المدرسي ومعهد الفنون الجميلة للبنين والبنات وكلية الفنون الجميلة، ثم عرّج على نقابة الفنانين العراقيين في نينوى وجمعية التشكيليين العراقيين فيها، كذلك دور جامعة الموصل في تنشيط الحركة الفنية واحتضانها للمعارض الفنية، مروراً بدور مركز الأشغال اليدوية في النتاجات الفنية، وأثر التقنيات العلمية الحديثة في عموم النتاجات الفنية. 
وجاء الفصل الثاني ليوثق السير الفنية لفناني الحركة التشكيلية في الموصل خلال المدة (1920-2012).
وعن أبرز المعوقات التي جابهت المؤلف قال: "ولا بد لنا أن نشير إلى أن السير الذاتية القادمة قد غاب عنها بعض الأسماء، لأن غيابهم هذا جاء نتيجة عدم تجاوبهم مع دعواتنا لهم". وقد اعتمد في إيراد السير الفنية على سنة الميلاد والتي تضمنت 138 سيرة فنية للتشكيليين والتشكيليات من النساء، روّاداً وشباباً مازال عطاؤهم متدفقاً يثري الحياة بفيض نتاجاتهم التشكيلية، وهؤلاء منهم المتخصص بالتشكيل وآخر هاوي وهو طبيب أم مهندس أم تربوي.
ولا ريب أن هذا الكتاب يعد مرجعاً ببليوغرافياً وسيرياً لجُل الفنانين التشكيليين في الموصل خلال ما يزيد على القرن من الزمان موشحاً بنماذج من لوحاتهم الإبداعية. بما يبرهن على جدية وثراء هذا الفن الجميل، وسعي الفنان الموصلي لإيصال رسالته وهمومه وآماله عبر هذا الفن الجميل الراقي بالألوان الزيتية أم المائية معبراً عن الاتجاهات المختلفة، الواقعي والكلاسيكي والانطباعي والأسلوب التجريدي عبر التجانس اللوني والتكويني. 
وإلى مزيد من الإبداع في مكمن الجمال (مدينة الموصل). متمنياً للمؤلف كل التوفيق خدمة للحركة الفنية والتشكيلية العراقية.