أزمة المقاتلين الأوزبك تكشف هشاشة اندماج الأجانب في الجيش السوري
دمشق - عاد ملف المقاتلين الأجانب في سوريا إلى دائرة الجدل مجدداً بعد صدور بيان من مجموعة من المقاتلين الأوزبك رفضوا فيه الاندماج ضمن صفوف الجيش السوري، مؤكدين أن عدداً ممن انضموا سابقاً إلى المؤسسة العسكرية باتوا يفكرون بالانسحاب. ويعكس هذا الموقف تصاعد حالة التوتر داخل بعض التشكيلات الأجنبية التي وجدت نفسها أمام خيارات معقدة بين الانخراط في الهياكل العسكرية الرسمية أو مواجهة مخاطر العزلة والملاحقة القانونية.
وتضيف هذه الأزمة تحديات إضافية على السلطات السورية التي تسعى إلى إعادة هيكلة المشهد العسكري والأمني من خلال دمج الفصائل المسلحة المختلفة ضمن مؤسسات الدولة، في إطار مساعٍ لتعزيز السيطرة المركزية وحصر السلاح بيد الدولة. إلا أن ملف المقاتلين الأجانب ظل من أكثر الملفات حساسية وتعقيداً بسبب ارتباطه بأبعاد قانونية وأمنية وسياسية تتجاوز الحدود السورية.
وتشير مواقف المقاتلين الرافضين للاندماج إلى وجود فجوة في الثقة بين بعض العناصر الأجنبية والجهات المشرفة على عملية الدمج. فالاتهامات المتداولة بشأن ممارسة ضغوط أو التلويح بإجراءات مثل الاعتقال أو الترحيل من أجل دفع المقاتلين إلى الانضمام للجيش قد تؤدي إلى نتائج عكسية، إذ يمكن أن تعزز مشاعر التهميش وتدفع بعض المجموعات إلى رفض الانخراط الكامل في المنظومة الجديدة.
كما أن الأزمة الحالية قد تؤثر على مجمل مشروع دمج المقاتلين الأجانب، إذ تراقب مجموعات أخرى من جنسيات مختلفة مسار التعامل مع المقاتلين الأوزبك باعتباره مؤشراً على مستقبلها داخل سوريا. وفي حال تصاعد الخلافات أو شهدت عمليات الدمج انسحابات جماعية، فإن ذلك قد يضعف فرص نجاح خطط إعادة الهيكلة العسكرية ويثير تساؤلات حول قدرة السلطات على استيعاب هذه الفئات ضمن أطر مؤسساتية مستقرة.
ويأتي هذا التصعيد في سياق توتر أمني متكرر في محافظة إدلب، على خلفية عمليات اعتقال طالت مقاتلين أجانب خلال الفترة الأخيرة، وما رافقها من إجراءات أمنية مشددة وتحركات عسكرية في عدد من المناطق.
ومن الصعب تحديد عدد الأجانب الذين قاتلوا إلى جانب "هيئة تحرير الشام" قبل سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024.
وسعت الحكومة السورية إلى إضفاء الطابع الرسمي على وضع عدد من المقاتلين الأجانب ودمج الآلاف منهم في الجيش السوري الجديد. وتولى بعضهم مناصب رفيعة في الدولة، مثل الأردني الذي يقود الحرس الجمهوري المكلف بحماية الرئيس، و"أبو مريم الأسترالي" الذي وردت أنباء عن ترأسه الصندوق السيادي حديث الإنشاء.
وهذه هي ثاني مواجهة في الشهور القليلة الماضية بين قوات من الحكومة السورية ومسلحين أجانب في إدلب، بعد التوترات التي ارتبطت بمخيم يقوده المقاتل الفرنسي عمر ديابي، المعروف باسم عمر أومسين، بالقرب من الحدود التركية في أكتوبر/تشرين الأول.
وفي السادس من مايو / أيار الماضي قامت قوى الأمن الداخلي بشن حملة أمنية واسعة في محيط مدينة إدلب طالت مطلوبين من جنسيات أجنبية وانتهت إلى اعتقال عدد منهم ووضعهم في مراكز أمنية حيث جرى التحقيق معهم وسط حالة استنفار واسعة بالتزامن مع انتشار أمني مكثف في بلدات كفريا والفوعة وكفر جالس وفرض حظر تجول مؤقت .
ونقلت وكالة رويترز عن مسؤولين أمنيين سوريين خبر إلقاء القوات الحكومية القبض على مقاتلين أوزبك في إدلب ونشر تعزيزات هناك.
وقال مسؤولان أمنيان سوريان إن قوات سورية ألقت القبض على مقاتلين أوزبك خلال عملية تمشيط أمني في شمال غرب البلاد بعدما تصاعد نزاع شارك فيه أحدهم وتحول إلى احتجاجات خارج منشأة أمنية حكومية. وذكر المسؤولان وسكان في المنطقة أن التوترات بدأت بعدما سعت السلطات إلى اعتقال مقاتل أوزبكي متهم بإطلاق النار في مدينة إدلب، مما أدى إلى قيام مقاتلين أوزبك مسلحين بتنظيم احتجاجات للمطالبة بالإفراج عنه.
وتكرر المشهد ذاته في ريف إدلب الشمالي الذي شهد توتراً أمنياً وعسكرياً ملحوظاً، حيث أرسل الجيش مجموعة كبيرة من الأرتال العسكرية باتجاه مدينة إدلب ومحيطها وأعقب ذلك اندلاع اشتباكات متقطعة قرب بلدة الفوعة بالتزامن مع وصول تعزيزات إضافية لتحصين الطوق الأمني.
ويشكل المقاتلون الأوزبك إحدى أبرز المجموعات الأجنبية التي شاركت في الصراع السوري خلال السنوات الماضية، حيث انخرط العديد منهم في فصائل إسلامية مختلفة، وتركز وجودهم في مناطق شمال غربي البلاد. ومع بدء مشاريع إعادة التنظيم العسكري، برزت تحديات تتعلق بمصير هؤلاء المقاتلين، خاصة أن جزءاً منهم لا يمتلك وضعاً قانونياً مستقراً داخل سوريا، فيما يواجه آخرون مخاوف من الترحيل أو الملاحقة في بلدانهم الأصلية.
وقال مصدر أمني سوري العام الماضي إن هناك حوالي 1500 مقاتل أوزبكي في سوريا، وبعضهم برفقة عائلاتهم.
وتشهد المنطقة بين فترة وأخرى عمليات استهداف لقادة جهاديين في ظروف مماثلة نتيجة صراعات بينية أو عمليات لمصلحة أجهزة استخبارات أجنبية تلاحق القادة الجهاديين الذين يهددون أمن بلادها القومي كما حصل مطلع العام الحالي حين تم إغتيال عنصر أجنبي تابع لوزارة الدفاع في الحكومة السورية يدعى "أبو الأشبال" وهو تونسي الجنسية من قبل مجهولين استهدفوه بالرصاص على طريق كفرتخاريم – أرمناز في ريف إدلب الغربي.
وأفادت مصادر أهلية في إدلب بمقتل أحد القياديين السابقين في العصائب الحمراء التابعة لهيئة تحرير الشام وهو من أصل شيشاني ويعمل في صفوف وزارة الدفاع السورية إثر إطلاق النار عليه.
ويخشى مراقبون من أن يؤدي فشل عمليات الدمج إلى بقاء مجموعات مسلحة خارج سيطرة الدولة أو إلى ظهور شبكات منفصلة تحتفظ بولاءات خاصة بها، وهو ما قد يعرقل جهود توحيد القرار العسكري والأمني. كما أن استمرار حالة الغموض بشأن أوضاع المقاتلين الأجانب قد يخلق بيئة خصبة للتوترات والانقسامات داخل المناطق التي تنتشر فيها هذه المجموعات.
وتضع أزمة المقاتلين الأوزبك السلطات السورية أمام اختبار دقيق بين متطلبات الأمن الوطني والالتزامات المرتبطة بإدارة ملف المقاتلين الأجانب بطريقة تضمن الاستقرار وتمنع اندلاع أزمات جديدة. حيث لا تبدو القضية مجرد خلاف محدود حول آليات الاندماج العسكري، بل تمثل مؤشراً على التحديات العميقة التي تواجه ملف المقاتلين الأجانب في سوريا. ومن المرجح أن يكون مسار التعامل مع هذه الأزمة عاملاً حاسماً في تحديد مستقبل جهود دمج آلاف المقاتلين الأجانب وإعادة تشكيل المشهد العسكري السوري خلال المرحلة المقبلة.