أزمة تركيا الاقتصادية تحاصر طموحات اردوغان التوسعية في إفريقيا

أنقرة لم تعد في وضع يتيح لها تقديم المساعدة التي تحتاجها بلدان جنوب الصحراء الكبرى بسبب محنة اقتصادية أضعفت قبضة الرئيس التركي في غرب إفريقيا وهي منطقة تشهد تصاعد المنافسة الفرنسية التركية.


كورونا كشف محدودية نفوذ تركيا بعد توقف دعمها لدول جنوب الصحراء


بروز الإمارات كمركز إقليمي للقاحات كورونا يمنحها نفوذا على حساب تركيا

أنقرة - على الرغم من توسع نفوذ تركيا في القارة الإفريقية في السنوات الأخيرة، بددت أزمة اقتصادية تعيشها تركيا خلال السنوات القليلة الماضية تفاقمت أكثر مع أزمة انتشار فيروس كورونا طموحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في تمديد نفوذ بلاده داخل القارة الإفريقية وتعزيز طموحاته  التوسعية في محاولة مضنية لاستعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية عبر التوغل أكثر في المنطقة.

لا يمكن لشخص مثل أردوغان أن يتجنب الأضواء، ناهيك عن استغلال فرصة للظهور القوي على المسرح العالمي. ومع ذلك فقد تخلى الرئيس التركي عن الاحتفالات المهيبة عندما زاره اثنان من رؤساء دول غرب أفريقيا في اسطنبول في 30 يناير/كانون الثاني الماضي. فقد عقد أردوغان لقاءاته مع الرئيس السنغالي ماكي سال ورئيس غينيا بيساو أمارو سيسكو إمبالو خلف أبواب مغلقة، دون استعراضات كبيرة كما اعتاد الرئيس التركي.

ويفسر المحلل السياسي والكاتب الصحفي الهندي بوبي جوش أنه ربما كان غياب الأبهة عن الاستقبالات الرئاسية في تركيا مؤخرا مقصودا، ولم يكن ذلك لأن علاقات تركيا مع دول جنوب الصحراء الإفريقية والتي كان يتم الترويج لها كدليل على تمدد النفوذ التركي، قد وصلت إلى مرحلة النضوح بحيث لم تعد زيارات رؤساء الدول الأفريقية لتركيا تتطلب أي ضجة، وإنما لأن أردوغان لم يعد لديه الكثير الذي يمكن أن يقدمه لزواره من الرؤساء.

ويرى جوش عضو مجلس تحرير وكالة بلومبرغ للأنباء أنه في ظل المحنة التي يمر بها الاقتصاد التركي، لم تعد أنقرة في وضع يتيح لها تقديم المساعدة التي تحتاجها بلدان جنوب الصحراء الكبرى في الوقت الحالي. وأضعف ذلك قبضة أردوغان في غرب إفريقيا التي تشهد تصاعد المنافسة الفرنسية التركية على خلفية الصراع بين أردوغان ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون.

وقبل تفشي جائحة كورونا كانت علاقات أردوغان مع دول جنوب الصحراء الأفريقية أكبر نجاح للسياسة الخارجية للرئيس التركي. فمنذ وصوله إلى السلطة في 2003، فتحت تركيا 30 سفارة جديدة في القارة. كما زار أردوغان نفسه 28 دولة. و قد تكون التجارة التركية مع إفريقيا جنوب الصحراء ضعيفة بالنسبة لتعاملات دول القارة مع الصين والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والهند، لكنها نمت إلى أكثر من سبعة أمثالها في أقل من عقدين، لتصل إلى 10 مليارات دولار.

ويؤكد بوبي جوش في تقرير نشرته وكالة بلومبرغ للأنباء أن هذه الأرقام لا تعكس بشكل كافٍ اتساع وعمق الوجود التركي في المنطقة، والذي لا يشمل المصالح التجارية والأمنية فحسب، بل يشمل أيضًا القوة الناعمة التركية الكبيرة.

وقد أصبحت أنقرة موردًا مهمًا للأسلحة للقارة. كما أنها تحتفظ بقواعد عسكرية في الصومال والسودان وتوفر التمويل لقوات مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل الأفريقي. بينما تقوم شركات البناء التركية بمد خطوط السكك الحديدية والمطارات. وتسير الخطوط الجوية التركية رحلات إلى وجهات في جنوب الصحراء الأفريقية أكثر من أي شركة طيران غير أفريقية.

كما تساهم المساعدات التركية والمؤسسات الخيرية الدينية في بناء المدارس والمستشفيات والمساجد في تعزيز التوغل التركي الناعم، في حين تصل المسلسلات التركية إلى جمهور إفريقي أكبر من أي وقت مضى.

وأظهرت جائحة كورونا محدودية نفوذ تركيا. فقد اكتشفت دول جنوب الصحراء أن أنقرة ليس لديها الكثير الذي يمكن أن تقدمه لها في مواجهة التداعيات الاقتصادية.

وعلى عكس الصين والهند وروسيا، لا تستطيع تركيا توفير لقاحات مضادة للفيروس؛ كما أنها لا تمتلك أموالا ضخمة كتلك التي يمتلكها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والصين لمساعدة هذه البلدان المثقلة بالديون الهائلة.

وفي ظل اضطرار حكومات الدول الأفريقية إلى تقليل الاقتراض وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق للتعامل مع التداعيات المستمرة للجائحة، بما في ذلك احتمالات عودة عشرات الملايين من الأفارقة إلى دائرة الفقر من جديد، من المحتمل أن تقلص تلك الدول أو تؤجل العمل في العديد من مشروعات البنية التحتية العملاقة التي تعمل فيها شركات المقاولات التركية.

في المقابل، فإن دول الخليج العربية، التي تنافس تركيا على النفوذ في القارة، وخاصة في القرن الأفريقي، لديها بالضبط ما تحتاجه الدول الأفريقية المتعثرة وهو المال. كما أن بروز الإمارات العربية المتحدة أيضًا كمركز إقليمي للقاحات، يمنحها نفوذًا إضافيًا على حساب تركيا.

ولكن هذا لا يعني أن تركيا ليس لديها أوراق تلعب بها. فلديها حضور عميق. ففي الصومال التي تحمل حكومتها مشاعر الامتنان لأنقرة التي تدرب الكثير من العسكريين الصوماليين في القاعدة العسكرية التركية بمقديشو. كما أن دولا أفريقية عديدة مازالت تحتاج إلى الخبرة العسكرية والأسلحة التركية لتعزيز قدراتها الأمنية. وفي مقدمة هذه الدول تأتي إثيوبيا التي تحرص على تعميق علاقاتها مع تركيا في ظل فتور علاقاتها بالدول الغربية على خلفية أحداث الحرب الأهلية في إقليم تيغراي.