أسلوب مورو لا يبدد مخاوف التونسيين من تولي إسلامي للرئاسة

مورو يروج خطابا معتدلا ومنمقا وذلك بغاية استمالة اعداد من الناخبين العلمانيين لكن مراقبين يرون ذلك جزء من الخطاب المزدوج للإسلاميين والذي يخفي فكرا متشددا.

تونس - تأمل حركة النهضة الإسلامية في تونس أن يكسر عبد الفتاح مورو المولع بموسيقى بيتهوفن، والذي رشحته للانتخابات الرئاسية التي ستجري الشهر القادم الاعتقاد السائد في تونس بان الرئاسة لا يمكن ان تكون بيد الاسلاميين.

ومورو (71 عاما) هو محام نأى بنفسه عن بعض المواقف المحافظة لحزب النهضة مباشرة عقب ثورة 2011. وهو معروف بروحه المرحة ونكاته وعلاقاته الودية حتى مع أشد خصومه السياسيين.

 يقول مورو إن هدفه هو توحيد التونسيين عبر الانتخابات المقرر إجراؤها في 15 سبتمبر/أيلول المقبل والتي سيواجه فيها 25 مرشحاً، بمن فيهم علمانيون بارزون مثل رئيس الوزراء يوسف الشاهد ووزير الدفاع عبد الكريم الزبيدي ورجل الأعمال نبيل القروي مالك تلفزيون نسمة الخاص.

وعقب تقديم طلب ترشحه قال مورو إنه يسعى أن يكون رئيسا لكل التونسيين وليس رئيسا لأنصار حزبه فقط.

ومورو، الذي عاني لسنوات طيلة حكم الرئيس السابق زين العابدين بن علي من التضييقات البوليسية اثار انتقادات واسعة بسبب خطابه المزدوج.

ولكن ليس واضحا تماما من سيفوز بمنصب رئيس البلاد في الدورة الثانية لانتخابات الرئاسة في ظل المنافسة المحتدمة في بلد لا توجد فيه استطلاعات رأي ذات مصداقية عالية. ولا يخفي بعض التونسيين شعورهم بالريبة والتوجس ويتذكرون باستمرار كيف استقبل مورو في 2013 رجل الدين المتشدد وجدي غنيم الذي طردته لندن في 2009 متهمة إياه "بالسعي لإثارة وتمجيد العنف الإرهابي".

وكان مورو قد اعتذر عن استقباله لغنيم وقال "اعتذرت على جهلي بالرجل واعتذر لأني لم أكن أعرف قذارة أفكاره".

وتقول منى بن سالم وهي طالبة في العاصمة تونس "مورو يتلون مثل الحرباء ... مواقفه تتغير كل يوم مثله مثل بقية الإسلاميين".

مورو يتلون مثل الحرباء مواقفه تتغير كل يوم مثله مثل بقية الإسلاميين

وترى أحزاب الاسلام السياسي في العالم العربي أنها الاجدر بشغل كراسي الزعماء المستبدين الذين طردوا من تونس ومصر في ثورات الربيع العربي 2011 التي بدأت في تونس وأدت إلى حروب أهلية مستمرة في ليبيا وسوريا واليمن.

لكن الإسلاميين اثبتوا فشلهم في قيادة عدد من الحكومات والدول بعد الثورة ما ادى الى احتجاجات وثورات شعبية في مصري أطاحت بالرئيس الاخواني محمد مرسي سنة 2013.

وفاز حزب النهضة في أول انتخابات حرة في تونس وانتُخب الإخوان المسلمين في مصر أيضا، لكن كلاهما واجها بعد ذلك احتجاجات شعبية ممن شعروا بأن الإسلاميين أصبحوا يهددون بقوة نمط حياتهم العصري والمتحرر.

وفي تونس، مهد انتفاضات الربيع العربي، وافقت حركة النهضة الإسلامية على تسليم السلطة لحكومة غير حزبية ثم تقاسمت بعد ذلك الحكم مع العلمانيين عقب انتخابات 2014 واختارت النهضة عدم المشاركة في الاستحقاق الانتخابي الرئاسي بل صوت فريق من أنصارها لخصمهم العلماني الباجي قائد السبسي بعد توافق تاريخي بين السبسي وزعيم النهضة راشد الغنوشي في محاولة لتفادي مصير الاسلاميين في مصر..

وبعد خمس سنوات من انتخابات 2014 ومن الاستقرار السياسي النسبي ، أصبحت قيادات النهضة ترى أنه يحق لها التنافس في الانتخابات البرلمانية والرئاسية ولها ثقة في أن الديمقراطية الناشئة في تونس يمكنها أن تتحمل ذلك.

نشيد الفرح

وتونس من أكثر البلدان في المنطقة تحررا وهي إحدى القلاع العلمانية في المنطقة العربية، حيث تتلقى نخبها تعليمها في أوروبا وتكتسب المرأة فيها حقوق وحريات أكثر من غيرها من دول المنطقة ولا تزال تطالب بالمزيد.

وزعمت النهضة اخذ مسافة واضحة من بقية الحركات الإسلامية كما زعمت فصل العمل الدعوي عن العمل السياسي وتبرات من علاقتها بالاخوان المسلمين لكن كل تلك الدعوات تبخرت بعد تصريحات قيادات النهضة الداعمة للاسلاميين في مصر وانتقاد السلطات المصرية اثر وفاة مرسي حيث كشفت تلك التصريحات ازدواجية خطاب النهضة.

وفي تسعينيات القرن الماضي غادر مورو النهضة التي أسسها مع رفيق دربه راشد الغنوشي، عقب هجوم إسلاميين على مقر حزب الرئيس السابق زين العابدين بن علي.

وعقب الثورة شارك في انتخابات برلمانية كمستقل لكنه فشل في الوصول للبرلمان قبل أن يعود للحزب في 2012 ويساعد في التفاوض مع العلمانيين.

ويرى مراقبون ان مورو تمكن بأسلوبه المرح ولباسه التقليدي التونسي الذي يرتديه دوما، الجبة والشاشية التونسية، أن يكون الأقرب من أبناء حزبه إلى نمط التونسيين المشترك وأسلوب عيشهم لكن ذلك لا يخفي فكرا متشددا لمورو يحاول تجميله ببعض السلوكات.

ويظهر مورو في فيديو على الإنترنت عام 2011 وهو يترنم بالسمفونية التاسعة لبيتهوفن نشيد الفرح بالالمانية في محاولة لاظهار النهضة بمظهر غربي وعصري.

وفي جنازة الرئيس العلماني الراحل الباجي قائد السبسي، الذي أدى موته إلى انتخابات مبكرة، مشى مورو مسافة 15 كيلومتراً خلف الموكب من قصر قرطاج إلى مقبرة الجلاز. ولما سئل عن سبب ذلك أجاب بأنها كانت وصية السبسي في إشارة لعلاقتهما الجيدة.

ولترويج صورته المعتدلة كان مورو يشارك في احتفالات اليهود السنوية بمعبد الغريبة في جربة حيث يلقي خطابات عن التعايش بين كل الديانات ولكن ذلك لا يخفي المبادئ المتشددة التي يقوم عليها فكر مورو.

ويقول شاران جروال المحلل بمركز الشرق الاوسط للسياسة في مؤسسة بروكينجز "بالتأكيد مورو هو أكثر شخص مقبول يمكن أن تقدمه النهضة لمنافسة العلمانيين".

لكن عددا من التونسيين مثل الطالبة منى بن سالم لا يخفون مخاوفهم من أن يكون رئيسهم إسلاميا.

وتقول الطالبة بن سالم "لا يمكني أن أنسى صوره مع الشيوخ المتشددين الذي جاءوا لتونس لنشر أفكارهم السامة في نفوس أبنائنا.. أنا أصلا لا يمكن أن أتخيل أن يكون إسلامي قائدا أعلى للقوات المسلحة ورئيسا للبلاد".

أنا أصلا لا يمكن أن أتخيل أن يكون إسلامي قائدا أعلى للقوات المسلحة ورئيسا للبلاد

لا أحد منهم غاضب

وتونس البلد الوحيد في منطقة الربيع العربي المضطربة الذي نجح في الوصول إلى ديمقراطية كاملة بدلاً من القمع أو السقوط في أتون العنف او الحرب الأهلية لكن الانتقال السلس لم يرافقه انتقال اقتصادي.

وأدت الاحتجاجات على تدابير التشقف والمطالبة بالشغل والتنمية إلى انهيار الائتلافات الهشة لتسع حكومات بعد الثورة.

وعلى الرغم من تجنب المناصب العليا منذ عام 2014، فلا يزال حزب النهضة هو أكبر حزب في البلاد، ويحتفظ بقاعدة شعبية ممتدة حتى في المدن والقرى الصغيرة في جنوب البلاد وشمالها على عكس الأحزاب العلمانية التي شهدت انشقاقات وصراعات عصفت بكيان العديد منها.

وعلى سبيل المثال، شهد حزب نداء تونس الفائز بانتخابات 2014 انشقاقات كبيرة هزت صفوفه وغادره عديد من القياديين من بينهم رئيس الحكومة يوسف الشاهد الذي كون حزبه "تحيا تونس" وأصبح ثاني قوة في البرلمان بعد النهضة.

وسعيا لتهدئة المخاوف والنأي عن الاسلاميين المتشددين يقدم قياديو النهضة الحزب على أنه حزب المسلمين الديمقراطيين، أسوة بحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل على ما يبدو.

ومع ذلك تواجه النهضة ومرشحها مورو انتقادات مستمرة من خصومها بأن مواقفها متناقضة بخصوص دور الإسلام في المجتمع.

ويقول زياد لخضر القيادي بالجبهة الشعبية، وهو أحد الوجوه البارزة التي قادت احتجاجات 2013 ضد النهضة، "النهضة تحاول اليوم إخفاء الوجه المتشدد وتسعى للترويج لواجهة تدعي الحداثة".

ورفض حزب النهضة في العام الماضي خطة تضمن للمرأة المساواة في الميراث سعى الرئيس الراحل السبسي لإصدارها في قانون ولكن الاقتراح بقي في أدراج البرلمان.

وأبقى مورو الغموض على موقفه من مبادرة السبسي حين قال لراديو موزاييك افم المحلي قبل عام "قسمت إرثي لأبنائي في حياتي واتفقوا فيما بينهم بالتراضي ولا أحد منهم غاضب".

ولن تكون للرئيس المقبل لتونس صلاحيات واسعة حيث يملك رئيس الجمهورية ملفي الدفاع والخارجية بينما يسيطر رئيس الحكومة على أغلب الوزارات ويسير الشؤون اليومية للبلاد.

نحو صراع ايديولوجي جديد؟

رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي ونائبه عبدالفتاح مورو
النهضة اجبرت على ترشيح مورو كي لا تشتت قاعدتها الانتخابية في الاستحقاق البرلماني

ويقول محللون إن النهضة كانت مجبرة على خوض الانتخابات الرئاسية التي تجري قبل ثلاثة أسابيع فقط من الانتخابات البرلمانية كي لا تشتت قاعدتها الانتخابية الواسعة في الاستحقاق البرلماني الذي تعول عليه كثيرا.

وقال عبد الكريم الهاروني القيادي بالنهضة إن حزبه لا يشارك من أجل المشاركة بل يسعى للفوز في انتخابات البرلمان والرئاسة.

لكن قيادات الحركة تصر مع ذلك على أنها تنوي مواصلة نهج الحكم التشاركي مع بقية الأطراف.

وقال عماد الخميري المتحدث باسم النهضة إن الحركة تسعى لمواصلة النهج التشاركي والتوافقي مع بقية الأطراف السياسية بعد الانتخابات المقبلة.

لكن يحذر البعض من أن دفع النهضة بمرشحها للرئاسية قد يعيد مناخ الاستقطاب السياسي والايديولوجي الذي عاشته تونس في 2013 والذي تريد النهضة أن تتفاداه.

ويقول الكاتب الصحفي بجريدة المغرب زياد كريشان في افتتاحية تحت عنوان "النهضة بوجه مكشوف في الانتخابات الرئاسية": "لو نزلت القواعد الإسلامية إلى الشارع للقيام بالحملة الانتخابية لمرشحها فقد تستعيد البلاد جزءا من مناخات 2012 و2013 وتتحول كل المنافسة إلى ضرورة هزم ممثل الإسلام السياسي ومشروعه المجتمعي، وهذه وضعية لا تريد حركة النهضة أن تعيشها".

وتأمل النهضة أن يعزز الأداء الجيد لمرشحها في انتخابات الرئاسة، حظوظها للفوز في الانتخابات البرلمانية التي ستجري في السادس من اكتوبر تشرين الأول المقبل.

ويقول ماكس غاليان المتخص في السياسة والاقتصاد بشمال افريقيا إن "إجراء انتخابات رئاسية قبل الانتخابات البرلمانية قد يجعل من الصعب على النهضة تشكيل التحالفات اللازمة لتشكيل حكومة مستقرة."

ومعالجة الاقتصاد المتعثر ستكون من أولويات الناخب التونسي الذي يشعر بقلق جراء تدني الخدمات في المرافق العامة وتفاقم البطالة إضافة إلى المستويات العالية من التضخم.