أسمهان الشعبوني: وجدتُ نفسي صدفة في عالم القصة
فن القصة يتطلبُ إلى جانب الكثافة اللغوية والاقتصاد التعبيري الكفاءة في صياغة الحبكة المقنعة والتنوع في بناء الخطاب لأنَّ القارىء لا يغفرُ لنص يتعثرُ في تكوينه اللغوي وتقنياته الزمنية والمكانية لذلك فإنَّ الخطأ في الرمية الأولى تعني نسف التواصل بين المادة الإبداعية والمتلقي. وهذا ما حدا بالكاتبة التونسية أسمهان الشعبوني أن تختبر ورشات كتابة القصة وتتابع قراءتها للقصص من الثقافات المختلفة قبل أن تنشر مجموعتها القصصية الأولى "الجانب الآخر من الطريق" وكان لنا حوار مع الشعبوني حول اختيارها لفن القصة.
1 - بخلاف الاتجاه السائد في الوسط الأدبي اخترت الاشتغال في مجال القصة بدلاً من الرواية هل لأنَّ فن القصة يناسبُ أكثر للتعبير عن رؤيتك؟
قبل أن أشرع في كتابة مجموعتي القصصيّة، كنت قد نشرت بعض القصص في مجلّات أو صحف أو مواقع إلكترونيّة. وتلك القصص كانت بالأساس ثمرة مشاركتي في ورشات أدبيّة، من بينها ورشة الكاتب التونسيّ كمال الرياحيّ، وورشة كاتب القصّة التونسيّ، وليد سليمان. جنس القصّة يتناسب أكثر مع ورشات الكتابة لأنّ اختصار النصّ يوفّر فرصة للعمل على وحدة في المعنى والشكل، بطريقة شاملة. لذلك عندما قرّرت أن أكتب، كنت قد قرأت وتمرّنت كثيرا على كتابة القصّة. قرأت وأعدت قراءة العديد من المجموعات القصصيّة لنجيب محفوظ مثل "دنيا الله" أو "شهر العسل" أو "الحبّ فوق هضبة الهرم"، وقصص يوسف إدريس، ويوسف السباعي وزكريّا تامر وغيرهم. قرأت أيضا كثيرا من أدب أميركا اللاتينيّة في القصّة القصيرة، مثل أعمال بورخيس وكورتثار التّي اشتغلت ليس فقط بقراءتها بل أيضا بتحليلها وتحليل تقنياتها. تعلّمت كثيرا من كورتثار، ولقد ألهمتني قصّته "الآنسة كورا" طريقة كتابة قصّة "حصّة الكتابة الصباحيّة" من حيث التنقّل من صوت شخصيّة إلى صوت شخصيّة أخرى دون سابق إنذار. قرأت أيضا لميّاس، ولبولانيو (الذّي أفضّله كشاعر في الحقيقة). قرأت في أدب القصّة القصيرة الفرنسيّة لكتاب كلاسييكيين مثل موباسان وآخرين معاصرين مثل "فراد كسّاك" الذي أعجبت بفكاهته كما أعجبت أيضا بفكاهة الإيطاليّ "دينو بوزاتي". تأثّرت أيضا بالقصّة الأنجلوفونيّة أيّما تأثّر وذلك لأسباب مختلفة. وجدت في القصّة القصيرة الأنجلوفونيّة خيالا علميّا ممزوجا بالميتافيزيقا نال إعجابي وأظنّه استجاب إلى نزعة كانت موجودة بداخلي تنتظر أن يخرجها شيء ما من سباتها. فرغم أنّني كنت طوال حياتي معرضة عن أفلام وقصص الخيال العلميّ، إلّا أنّ مسحة البحث الميتافيزيقيّ والفلسفيّ الذي وجدته في قصص الأميركيّ، فيليب ك. ديك، أو الأستراليّ "جراج إيجان" أخرج المارد من القمقم! انبهرت أيضا كثيرا بقصص الأميركيّ ريموند كارفر، ولكن لسبب آخر. فهو يعتمد مذهب التقليليّة بطريقة تكاد تكون قصوى، ووجدت أنّ الرمزيّة والإيحاء النّاتج عن ذلك في قصصه مثل "الكنيسة" أو "لمَ لا ترقصان؟" يضفيان شاعريّة خاصّة على النصّ، وأظنّ أنني كتبت قصّتي "صانع الألعاب فوق الحائط" تحت تأثيره.
في الحقيقة، وجدت نفسي تقريبا بمحض الصدفة، في عالم جنس القصّة. وحتّى أنني نويت في البداية أن أكتب الرواية، لكن عملا بنصيحة راي برادبوري الشهيرة، فضّلت أن تكون بداياتي بالتمرّن على كتابة قصص عديدة تمنحني فرصا كثيرة للتحسّن والتطوّر من نصّ إلى آخر، على أن أراهن على نصّ واحد طويل، لا يرى النّور ولا يمكن اقتراحه على قرّاء أوليين إلّا بعد فترة طويلة من العمل، وقد أكتشف حينها أنّه بحاجة مجدّدا إلى الكثير من العمل.
2 - تتراوح محتويات "الجانب الآخر من الطريق" من حيث الأسلوب بين الواقعية والعجائبية والاستشراف العلمي مع ما يغلف أجواءها من الرمزية وذلك يظهر في قصة "اهل الصمت". ماذا أضاف إلى تجربتك اختبارُ التنوع في الإبداع القصصي؟
قال لي الكاتب والناقد التونسيّ، الأسعد بن حسين، مرّة بخصوص مجموعتي القصصيّة أنّ هذا التنوّع في الكتابة القصصيّة يدلّ على أنّني كاتبة مبتدئة بصدد اكتشاف نفسها وأنّني قد أختار نوعا إبداعيّا معيّنا في المستقبل. قد يكون رأيه صحيحا، ولا أدري ما قد يخبّئه المستقبل، لكنّني أعرف أنّني لم أختر التنوّع عن قصد. كلّ ما سعيت إليه لدى كتابة كلّ قصّة هو أن تنبع القصّة من أعماقي، وأن يكون لها صدى بداخلي، ولم أكتب إلّا قصصا تراءت لي مشاهدها أو سمعت في خيالي أصوات شخصيّاتها. ربّما يعبّر هذا التنوّع في الكتابة القصصيّة عن التنوّع الذي تتّسم به شخصيّتي، رغما عنّي في بعض الأحيان. فأنا بدأت حياتي في المحاماة، لكنّني كنت مغرمة دوما بالكتابة والرّقص، ثمّ وجدت نفسي منجذبة إلى التّمثيل. قراءاتي متنوّعة جدّا ولديّ فضول كبير بصفة عامّة.
3 - تطوفُ في قصة "فرصة ضائعة" أفكار رواية "موسم هجرة إلى الشمال" و"عصفور من الشرق" حتى هناك تشابه في الأسماء بين بطل رواية توفيق الحكيم وبطل قصتك هذا إضافة إلى خيبة الإثنين بالغرب، وما يثير السؤال هو لماذا لم يتم تناول هذا الموضوع من منظور المرأة؟
لقد أعدت قراءة "موسم الهجرة إلى الشمال" في الأعوام الأخيرة لكن قبل كتابة المجموعة بفترة زمنيّة، كما أنّني تعرّفت على بعض القصص القصيرة الرّائعة للكاتب الطيب صالح، وهي تدور أيضا حول ثيمات "موسم الهجرة إلى الشّمال"، ومسيرة الرّجل الشرقيّ المهاجر في الغرب. ما جعلني أختار اسم "نجيب" لبطل قصّة "فرصة ضائعة" هو أنّه كان برأيي الاسم الأفضل لشخصيّة ذلك الفتى الذي اختزل كلّ حياته في نجابته بالمدرسة، وأعرض عن السبل الأخرى التي كانت متاحة له في الحياة.
لقد درست في سنّ الثامنة عشرة بالمدارس التحضيريّة الأدبيّة في باريس ولم تكن مناسبة لي وأخفقت فيها وعدت إلى تونس. ثمّ سافرت مجدّدا إلى باريس لمواصلة دراستي بالمرحلة الثالثة في الحقوق قبل أن أعمل وأستقرّ هنالك لفترة طويلة وقبل أن أعود إلى تونس منذ سنتين. لذلك، فإنّني عايشت شخصيّا ومن خلال صداقاتي، الكثير من تجارب الطلّاب المهاجرين في المدارس التحضيريّة للمهندسين وغيرها من الجامعات في فرنسا، وأنا أدرك مدى الضغط الذي يمارسه حبّ التميّز والتفوّق العلميّ والأكاديميّ عليهم. فهم يجدون أنفسهم مجبرين على النّجاح، وهذا هو عادة ما ينتظره الجميع من أيّ مهاجر في العالم، الجميع سواء في المجتمع الذي يهجره أو في المجتمع الذي يهاجر إليه. إنّه مطالب بالنّجاح حسب المقاييس الاجتماعيّة المتداولة. وأفق الانتظار هذا، قد يُكيّفُ شخصيّة المهاجر وحياته، فلا يرى سوى ما يسمح له بتحقيق آمال الجميع، وربّما يغفل عمّا تتوق إليه روحه. وقد يكون الضغط أكبر لدى المهاجر الرّجل منه لدى المهاجرة المرأة، لأنّ الرّجل تقليديّا هو من يقوم بوظيفة العائل. ربّما هذا ما يفسّر أنّ الشخصيّة الرئيسيّة في قصّة "فرصة ضائعة" هي شخصيّة رجل، رغم أنني كتبت هذه القصّة بعدما ألهمني أحدهم شخصيّة "نجيب".
4 - التشخيصُ هو ملمح بارز في قصصك وتكتسبُ السكاكينُ والأوراقُ صفات إنسانية. هل إسناد البطولة إلى الأشياء بدلاً من الكائنات الحية كان نتيجة التأثر بدعاة الرواية الجديدة في فرنسا؟
يجب أن أعترف بأنّني لست ممّن يستسيغون الرواية الجديدة في فرنسا. لا أحبّذ غياب الحبكة تماما من الرواية، وغالبا ما أجد نفسي محبّة للحكايات والقصص. لذلك فإنّ التشخيص الموجود في بعض قصصي إنّما هو من رواسب اهتمامي بالعجائبيّ والفانطازيا، وأنا أعتبر أنّ دخولي إلى عالم الأدب كان بالأساس من خلال رائعة الكاتب الإنكليزيّ، لويس كارول، "أليس في بلاد العجائب" والتي أشير إلى تتمّتها "عبر المرآة، وما وجدته أليس هناك" بطريقة غير مباشرة في قصّتي "هديّة بالمقلوب". لقد قرأت الكثير من الواقعيّة السحريّة في أدب أميركا اللاتينيّة ثمّ إنّ ثقافتي التونسيّة هي ثقافة تهتمّ في الأصل بالخرافات وبعالم السّحر والعجيب الذي نجده في الحكايات وفي المعتقدات والموروث الشعبيّ.
5 - القصة التي تحمل مجموعتك عنوانها تنفتحُ على عدة ثيمات منها الفقد والاختلاف الديني والرحلة لكن الأهم هو التقاطع المقلوب بين حياة سنية وتجربة المرأة الهندية. هل اردت بما قدمت عن وحدة المصير الإنساني؟
قصّة "الجانب الآخر من الطريق" التي أعطت للمجموعة عنوانها هي فعلا قصّة وحدة المصير الإنسانيّ، فهي قصّة تؤكّد وحدانيّة الذات الإلهيّة وأن الإنسان، الذي هو خليفة الله على الأرض، واحد رغم اختلاف الانتماءات الدينيّة، والبشر على اختلافهم يعيشون فوق كوكب واحد، يرتبط مصيرهم ببعضهم البعض. لقد صادقت البشريّة على الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان يوم 10 ديسمبر 1948، لكن ليس لهذا الإعلان من معنى إذا ما بقي حبرا على ورق، وهو كذلك في عديد الدّول، أي مجرّد حبر على ورق. إذ كيف نفسّر أن يكون الإعلان جزءا من المنظومة القانونيّة، في حين أنّ زواج شخصين من ديانتين مختلفتين قد يكون فضيحة في المجتمع. هذا يعني أنّ المجتمع يعرّف الشخص كعنصر مجنّد في سبيل ديانة معيّنة قبل أن يرى فيه إنسانا، وهو حريص على هويّته قبل أن يكون حريصا على إنسانيّته.
في قصّة "الجانب الآخر من الطريق"، تتزوّج البطلة المسلمة "سنية" من رجل كاثوليكيّ عن حبّ، وهذا ما يخلق إشكالا في كلتا العائلتين. ولتسليط الضوء أكثر على هذه الإشكاليّة، تدور أحداث القصّة في إطار حديقة ومبنى الجمعيّة الثيوصوفيّة بمدينة تشيناي في الهند، ومذهب الثيوصوفية هو مذهب حاول في أواخر القرن التاسع عشر أن يوفّق بين الأديان من خلال تمشٍّ روحانيّ، يعترف بجميع الأديان ولا يتطابق مع أحدها، ولكنّه يهدف إلى معرفة اللّه.
التقاطع المقلوب بين حياة سنية وتجربة المرأة الهندية، هو تقاطع يبحث في مفهوم الزّمن ويحثّ على التّساؤل عن وجود الزّمن بالفعل. هذا المفهوم الذي يحدّنا – كما يحدّنا مفهوم الهويّة، أو كما يحدّنا مفهوم المكان – إن كان لا وجود له حقيقة إلّا في عقولنا، فهذا يعني أنّنا نختار أن نحدّ أنفسنا بأوهام. سؤال الزمن وحقيقته هو سؤال متكرّر في مجموعتي القصصيّة.
6 - تتناولُ قصة "يوميات جينة" موضوعاً ميتافيزيقياً. برأيك كيف يمكنُ تمضير النص القصصي بأسئلة فلسفية وحضارية دون ان تخسر هويتها الأدبية؟
أظنّ أنّ تضمين أسئلة فلسفيّة أو حضاريّة أو ميتافيزيقيّة في النصّ القصصيّ يصير أسهل، إذا ما كان الكاتب متشبّعا بهذين الوجهين من القصّة: أي أنّه من جهة، نهل من المعرفة الفلسفيّة أو الميتافيزيقيّة الكثير، ومن جهة أخرى يستطيع أن يستحضر في مخيّلته كامل مراحل تطوّر قصّته وجميع عناصرها ويدرك إلى أين يريد أن يحملها. عندما يشعر الكاتب أنّه قد تشبّع من الناحيتين، القصصيّة والفلسفيّة/الميتافيزيقيّة/العلميّة، أظنّ أن خياله سينسج القصّة دون صعوبة كبرى أو افتعال، ودون أن تتحوّل القصّة إلى درس علميّ أو فلسفيّ.
عندما كتبت قصّة "يوميّات جينة"، كنت مهتمّة منذ فترة بعلم التخلّق – هذا علاوة على أنّ جزءا من عائلتي يشتغل في مجال علم الوراثة، أي أنّني محتكّة بطريقة غير مباشرة بهذا العلم منذ زمن طويل. لكنّني اقتنيت كتبا في علم الوراثة وقرأتها كي أفهم بنفسي. ما أثار اهتمامي في علم التخلّق هو إمكانيّة تغيّر السمات الجينيّة بمفعول تأثير العوامل الخارجيّة، وهذا يعتبر ثورة تخرجنا من الحتميّة الجينيّة التي بقي الإنسان حبيسا فيها خلال العقود الأخيرة. وهنا يأتي دور الكاتب المغرم بالكلمات والحكايات ليضيف إمكانيّة أخرى إلى جانب كلّ الإمكانيات التي فتح لها علم التخلّق بابا. وهذه الإمكانيّة تتمثّل في السؤال التالي: هل يمكن أن تعتبر الكلمات أو الحكايات عاملا خارجيّا قادرا هو أيضا على تغيير سمات جينات الإنسان؟ طبعا، هذا سؤال من باب الاستكشاف الخياليّ البحت، وأجد في مجرّد طرحه متعة كبيرة لأنّها متعة إعمال الخيال إلى حدود بعيدة.

