'أغنية القطب الشمالي': رحلة استكشافية في ثقافة وأساطير شعب 'الإنويت'
تشكل رواية "أغنية القطب الشمالي" للكاتبة الفرنسية بيرونجير كورنو رحلة بقاء مؤثرة تكشف عن قوة الروح البشرية في أقصى الظروف، رحلة ملحمة إنسانية وروحية مغمورة في صقيع القطب الشمالي، حيث تلتقي قسوة الطبيعة بجمال الأساطير. تدور أحداث الرواية حول "أوكسوراليك"، الفتاة التي تجد نفسها فجأة في مواجهة مصيرها وحيدة فوق الجليد، لتبدأ رحلة ليست للبقاء فحسب، بل للبحث عن الهوية والسكينة وسط عالم يسكنه الصيادون والأرواح.
تأخذنا الرواية الصادرة عن دار العربي بترجمة إيناس أنور صقر وتحرير هدى فضل إلى أعماق ثقافة شعب "الإنويت"، الصيادين الرحالة الذين استوطنوا القطب الشمالي منذ آلاف السنين. الرواية ليست مجرد قصة مغامرة في الثلج، بل هي لوحة أدبية تمزج بين الواقع القاسي والحلم الأسطوري، حيث تنطق الحيوانات وتتحول الجبال إلى كائنات هامسة. من خلال صوت بطلتها "أوكسوراليك"، تقدم الكاتبة تجربة وجدانية فريدة حول صراع الإنسان مع الطبيعة، وكيف يمكن للروح أن تتحول في النهاية إلى "إينوكشوك" (هيكل حجري) يضيء الطريق للتائهين.
تبدأ الرواية في ليلة قطبية دامسة، حين تشعر "أوكسوراليك" بألم مفاجئ في بطنها (علامة على نضوجها أو تغير جسدي)، فتخرج من الكوخ الثلجي لعائلتها لتفاجأ بكارثة طبيعية؛ إذ يتصدع الطوف الجليدي فجأة، ليفتحشق في البحيرة الجليدية يفصلها عن أسرتها وكلابها. في تلك اللحظة الحرجة، لم يملك والدها إلا أن يرمي لها بـ"تميمة سن الدب" ولفافة جلدية تحتوي على رمح وحربة، قبل أن يختفي الأهل خلف ضباب القطب الكثيف. تجد الفتاة نفسها وحيدة تماماً بصحبة خمسة كلاب فقط، أهمها الكلبة "إيكاسوك" التي تصبح رفيقتها الوفية وحاميتها.
وتستعرض الرواية تفاصيل دقيقة لنجاة "أوكسوراليك" في هذا العالم القفر. تتعلم كيف تبني مأواها الخاص من كتل الثلج باستخدام أدوات بسيطة، وتضطر لمواجهة شراسة الكلاب الجائعة. في لحظة صعبة تعكس غريزة البقاء، تضطر "أوكسوراليك" لقتل أحد الكلاب المهاجمة لتأكل من لحمه وتتدفأ بدمائه، مما يمنحها القوة لمواصلة الطريق. خلال هذه الفترة، تدخل الرواية في أبعاد أسطورية؛ حيث تهمس للبطلة أرواح الأرض، وتخوض حوارات مغناة مع "العملاق" الكامن تحت الحجر، مما يعكس الارتباط الروحي العميق بين شعب الإنويت وبيئتهم.
بعد أيام من التيه، تلتقي "أوكسوراليك" بمجموعة من العائلات، وتبدأ مرحلة جديدة من حياتها وسط المجتمع. تروي لهم قصص بطولتها مع والدها في صيد الدببة، لكنها تواجه أيضاً جوانب مظلمة من النفس البشرية، مثل تعرضها لاعتداء من رجل عجوز، فتدافع عن نفسها بطعنه بسكينها "الأولو" والفرار. تبرز في هذه المرحلة علاقتها بالشامان "ناجا" و"تولوكاراك"، حيث تتداخل حياتها مع طقوس الصيد والاحتفالات الشتوية الكبرى التي تمتلئ بالأغاني والرقصات التمثيلية التي تحاكي حركة الحيوانات.
تتطور شخصية "أوكسوراليك" لتصبح أماً لابنتها "هيلا"، وتستمر حياتها في دورة مستمرة من الرحيل والصيد والحداد. تعاني من فقدان المقربين، مثل "سونيك" التي كانت بمثابة أم لها، وتواجه تقلبات المناخ التي تغير مسارات الصيد وتفرض على القبيلة التنقل المستمر. الرواية تؤكد على قوة المرأة في هذه الثقافة، فهي الصيادة والمربية والحافظة للأساطير.
تنتهي الرواية بنوع من "الحلول" الروحي؛ حيث تتقدم "أوكسوراليك" في العمر وتتحول في النهاية إلى "إينوكشوك" أو "المرأة الحجر". تصف الخاتمة كيف تجمعت أشلاؤها بفعل الرياح الأربعة لتصبح معلماً حجرياً باقياً في التندرا، يراقب المارين ويحميهم، لتصبح هي نفسها جزءاً من الجغرافيا والذاكرة الأبدية للقطب الشمالي، حاملة دهاء الدب ورقة القاقم وقوة المرأة الجسور.
من جماليات الرواية تلك الأناشيد والقصائد التي تتخلل السرد، "أناشيد" خاصة لكل شخصية (أنشودة الأب المكلوم، أنشودة العملاق، أنشودة أوكسوراليك)، مما يضفي صبغة ملحمية وغنائية على النص.فمثلا أنشودة ابنة "سونيك" الكبرى:
"رحلتُ منذ زمن بعيد الأمدِ
لأبعد عن أمي ذات الودِ
وأسكن مع زوجي في غير بلدي
ومات أبو زوجي وأمه
ورُزِق مني بابنته وابنه
وقد عدنا إلى "إيتانارجوي"
لأجد أمي الكبيرة سنًا
فما زالت أمي عجوزًا
وما زالت أيضًا تُرزق أطفالًا
وتساءلت من أين لها بهؤلاء الأبناء؟
أيسعدني هذا الحال أم يدفعني للبكاء؟
فأمي عجوز هرمة
وحولها من الأبناء عزوة
لا قدرة لي على إنجاب عدد مثلها
فقد صرت عجوزًا تملأ التجاعيد وجهها
وها أنا ذا أشعر بالغيرة منها".
وأنشودة شقيق "بوكاجاك":
"عشتُ مواسم شتاء سيئة وأخرى جميلة
أحيانًا ما كانت الفقمات تأتيني مطيعة
وأحيانًا أخرى ما تهرب مني سريعة
وعشتُ مواسم صيف رائعة
طاردتني فيها قطعان الوعل
وعشت مواسم صيف غير جرداء
نهلتُ فيها من أسراب التاروت الحمراء
لم أعرف الجوع في حياتي إلا قليلًا
وتشاركت مع أهلي طعامًا كثيرًا
ولكني ما زلت أحلم حلمًا عزيزًا
أن أصطاد بمفردي سمكة بيلوجا
وأن أملأ بنفسي اللحوم في الأطباقِ
وأقدم لكل أهلي مأدبة "ماتاكِ".
ولأن تستخدم الرواية كلمات أصلية من لغة الإنويت (مثل "أولو"، "كاميك"، "توبيلاك")، مما يغمر القارئ في تفاصيل هذه الثقافة الفريد، فقد أوضحت الكاتبة في مقدمتها للرواية دلالات هذه الكلمات، تمهد لها قائلة "الإنويت هم شعب من أبناء الصيادين الرحالة الذين سكنوا القطب الشمالي منذ آلاف السنين. وحتى فترة قريبة، كان ضمان بقائهم بقيد الحياة مرهونًا بحيوانات الصيد والأحجار الموجودة في الجليد والنباتات والتوت البري التي تترعرع على ضوء الشمس الخافت دومًا في هذه المنطقة. يعيشون على أرض شاسعة يشاركهم فيها عدد من الحيوانات المهاجرة، وأيضًا الأرواح وكائنات أخرى. ويعتبر الماء في كل أشكاله هو أساس حياتهم، أما الرياح فتدخل في آذانهم وتخرج من حناجرهم وقد نبحت أصواتهم. ولكل مناسبة عندهم أنشودة خاصة أحيانًا ما يصحبها قرع طبول الشامانات".
ومن هذه المصطلحات:
سن الدب: تميمة تُعلّق في الرقبة يتديها بعض شعب الإنويت (الإسكيمو)
تورناسوك: هو إله الحيتان والفقمة في أساطير شعب الإنويت وهو أقوى كائن خترق للطبيعة ويتجسد في صورة دب أو إنسان ذو ذراع قوي.
أولو: هو سكين متعدد الاستخدامات له مقبض خشبي ونصل على شكل نصف دائرة تستخدمه نساء الإنويت والألسكا لتنظيف الحيوانات ولقص شعر الأطفال وتقطيع الطعام وأحيانًا قطع الثلج والجليد لبناء الأكواخ الثلجية.
إينوكشوك: هيكل مصنوع من حجارة مكدسة فوق بعضها البعض على شكل بشري ويستخدم كدليل للملاحة وسط الماء المتجمد، أو كعلامة إرشادية على مكان صيد بري أو بحري أو كمكان يختبئ خلفه القناصون أثناء عمليات الصيد.
الشامان: قائد ديني ومعالج روحاني وعرَّاف.
سيدنا: إلهة البحر في أساطير الإنويت ذات سيطرة على الأعماق ويُخشى من غضبها.
الطوف الجليدي: جليد يتشكل على الماء.
توبيلاك: تمثال منحوت من عاج الفظ وهو يجسد روح كائن شرير في أساطير الإنويت وقد يتخذ عدة أشكال.
مقتطف من الرواية
مشيتُ قرابة ثلاثة أيام في البرد والظلام الذي لا يضيئه سوى النجوم. فَقَدَت الكلاب كثيرًا من طاقتها، وكنت أمتنع دائمًا عن إطعامها إلا "إيكاسوك"، فقد أعطيتها قطعة من الدهن في اليوم الثاني.
كان ذلك الظلم كافيًا لإشعال الحرب بينها، وانتصرت كلبتي مرة أخرى وأثبتت جدارتها في قيادة القطيع. كان ذلك هو الهدف. شعرت الكلاب بالظلم ما دفعها للبحث عن الصيد بمفردها. لم أعرف إلى أين ذهبت، لكنها عادت وشفاهها ملطخة بالدم وفي أفواهها خصلات من شعر أبيض. ربما كانت الفريسة ثعلبًا أو أرنبًا قطبيًا تائهًا في الجليد. هذا يعني أننا لسنا ببعيدين عن البر.
اتبعتُ الكلاب ورأيت ما يمكن أن يكون جزيرة إن كنا في فصل الربيع أو الصيف. كانت تبدو من بعيد أهدى وأكثر رحابة من الجليد العائم. رأيت عليها أيضًا خيالًا لـ"الإينوكشوك" وهو هيكل من الحجارة على شكل إنسان لإرشاد الغريب. هذا يعني أن بعض الرجال كانوا يخيمون هناك.
وصلتُ إلى الجزيرة في عتمة الليل. خفت صوت الجليد تحت قدمي تدريجيًا فاطمأننت إلى أنني أخيرًا أقف على أرض صلبة. وضعتُ جلد الدب على جسدي وارتحت قليلًا. قلت لنفسي: "تلك هي فرصتي الأخيرة، فإما أن أجد مأوى لأرتاح فيه، وإما أن أموت من الصقيع في هذا المكان". ثلاثة أو أربعة أيام من السير المتواصل لم تجعلني أشعر سوى بالجوع والألم. استطعت أن أصل إلى هذه الجزيرة بعدما تعمدت عدم التفكير في أي شيء، ولكن الآن، بعدما وصلت أصبحت أفكر في وحدتي. إن بقائي بقيد الحياة لا يعني شيئًا مهمًا. فلم أكن قد اكتسبتُ بعدْ تلك الروح القوية القادرة على المقاومة بسبب صغر سني. كانت "إيكاسوك" التي تنام إلى جواري هي الوحيدة القادرة على حمايتي من الموت، وهي مجرد كلبة!