مصائر إسبانية على شاطئ الحرب العالمية الثانية في 'لا تقتل.. الإسكندرية'

رواية خوليا نبارو تقاطع مصائر لاجئين هاربين من الحرب الأهلية الإسبانية في إسكندرية الأربعينيات، حيث يغرق الشاعر 'مارفن' في ترف المدينة وعلاقة فكرية مع الفيلسوفة 'فريدة'، بينما يصارع رفاقه الفقر وأجواء الجاسوسية العالمية التي تغلف المدينة.

تتمدد رواية "لا تقتل.. الإسكندرية" للكاتبة الإسبانية خوليا نبارو في فضاءات مدينة الإسكندرية الكوزموبوليتية خلال شهر ديسمبر/كانون الاول من عام 1941، حيث ترسم بريشة سردية دقيقة تقاطعات المصائر البشرية التي قذفت بها الحرب الأهلية الإسبانية إلى شواطئ المتوسط.

تبدأ الرواية، الصادرة عن دار العربي والتي ترجمها عن الإسبانيَّة عبد الحليم جمال، برحلة "مارفن"، الشاعر الذي يحمل في حقيبته أوراق الناشر الفرنسي "روزينت" ووصاياه، ليصل إلى المدينة باحثاً عن "سارة"، ابنة روزينت، التي تعيش في حي "بولكلي" الراقي مع زوجها البريطاني "بنجامين ويلسون"؛ هناك حيث يديران مكتبة "ويلسون وويلسون"، التي تُعد صرحاً للثقافة والكتب النادرة وسط ضجيج الحرب العالمية الثانية. يجد "مارفن" في الإسكندرية أكثر من مجرد ملجأ، إذ تنشأ بينه وبين الفيلسوفة السكندرية "فريدة رحمن" علاقة فكرية وعاطفية عميقة تعيد صياغة مفهومه للحياة والجمال، بعيداً عن أشباح مدريد المحترقة.

وتنسج الرواية بالتوازي مع هذا العالم المخملي، خيوطاً أكثر خشونة لثلاثة رفاق انطلقوا من ميناء "لشبونة" على متن سفينة الشحن "إسبيرانثا ديل مار" (أمل البحر)، بقيادة القبطان البرتغالي العجوز "بيريرا". تضم هذه الرحلة "كاتالينا" التي وضعت طفلتها "أديلا" في ظروف بائسة في عرض البحر، و"إولوخيو" الذي يئن تحت وطأة إصاباته الجسدية والنفسية، و"فرناندو" الذي يطارده سر جريمة ثأرية ارتكبها في إسبانيا ويخفيها عن الجميع. وفور وصولهم إلى الميناء المصري، تصطدم أحلامهم بواقع الفقر والمرض، حيث تُصاب الرضيعة "أديلا" بالتهاب رئوي حاد يضع "كاتالينا" في مواجهة مباشرة مع قسوة الغربة، بينما يُظهر "مارفن" جانباً أنانياً برفضه الاعتراف بمسؤوليته تجاههم، مفضلاً الانغماس في عالمه مع "فريدة" والتخطيط للرحيل نحو نيويورك.

وتتعمق التفاصيل حين يضطر "فرناندو" للعمل في مكتبة "ويلسون" لتأمين لقمة العيش، وهناك يتقاطع طريقه مع "سارة" و"بنجامين"، ويجد نفسه متورطاً في مهام غامضة تتطلب منه الإنصات وتحليل إيماءات الغرباء، مثل "زهرة" وآخرين، بتوجيهات مبطنة تخدم أجواء التجسس التي كانت تغلف المدينة آنذاك، خاصة مع دوي الانفجارات التي استهدفت السفن البريطانية في الميناء.

وتتشابك هذه المصائر مع أجواء الحرب والجاسوسية في المدينة، حيث يظهر اسم العميل "بيدرو لوبيث" المرتبط بالمخابرات الإسبانية، وتبرز معالم سكندرية بدقة، مثل شارع "روزيت" وكاتدرائية "سانت كاترين" و"بوابة القمر"، وصولاً إلى فندق "سيسل" الذي كان مركزاً لتبادل المعلومات، كل ذلك وسط خلفية تاريخية حقيقية تمثلت في انفجارات ميناء الإسكندرية في 19 ديسمبر 1941، التي نفذتها الضفادع البشرية الإيطالية بقيادة الماركيز "لويجي دوراند دي لا بيني"، مما يجعل الرواية مزيجاً دقيقاً بين الشخصيات المتخيلة والأحداث والأسماء الواقعية التي شكّلت وجه المدينة في تلك الحقبة.

وتتداخل هذه الشخصيات في نسيج واحد يربط بين نخب المدينة المثقفة وبين اللاجئين المطاردين، حيث تبرز الإسكندرية كبطلة صامتة تشهد على انكسارات "إولوخيو"، وصمود "كاتالينا"، وتخبط "مارفن" الأخلاقي. إنها سردية ممتدة عن البحث عن الخلاص، حيث تحاول الشخصيات غسل آثام الماضي في مياه البحر، بينما تظل أسماء مثل "بيدرو لوبيث" وذكريات المعارك في إسبانيا تطاردهم كظلال لا تنفصل عن واقعهم السكندري الجديد، لتنتهي اللوحة بمزيج من مرارة الفقد وأمل البدايات المتعثرة، تحت سماء مدينة لا تزال تقاوم الموت بجمالها العريق.

مقتطف من الرواية

الإسكندرية، ديسمبر/كانون الاول 1941

فتح "مارفن" الشرفة سامحًا للضوء بأن يغمر الغرفة. في ذلك الوقت من الصباح، الجوُّ منعشٌ والشمس ليست حارقةً، يعدُّ ذلك الطقس في الأيام الأولى من شهر ديسمبر نعمةً. أغلق عينيه مستنشقًا هواء الصباحِ النقيِّ ولم يفتحهما حتى امتدت يدٌ إلى كتفه بمداعبةٍ خفيفة. استدار مبتسمًا. كان قد آمن أنه لن يشعر بالسعادة أبدًا. شعر بجسد "فريدة" ملاصقًا لجسده. لم يزعجه ذلك، بل منحه شعورًا بالسكينة. هكذا أصبح منذ لحظة لقائهما.

يدين بالكثير للسيد "روزينت"! ليس فقط لأنه آمن بأنه يصلح شاعرًا، لكن أيضًا لأنه بفضل ابنته "سارة" تعرَّف على "فريدة". ولو لم يجعله السيد "روزينت" وصيًّا على أعماله كي يسلمها إلى "سارة"، لما حضر إلى الإسكندريَّة قط ولما التقيا.

مكتبة "ويلسون وويسلون" تقع في وسط المدينة. هي مكتبةٌ صغيرة الحجم، ومن أسفل جدرانها إلى أعلاها تراصَّت الأرفف التي احتفظت بكنوزٍ حقيقية.

المالك "بنجامين ويلسون" هو زوج "سارة"، يسافر كثيرًا حولَ العالم بحثًا عن الكتب النادرة وخاصَّةً كتب الشعر، طبعات فريدة. كان يشتري ويبيع ويحرِّر أيضًا. وحين يسافر إلى باريس يداوم على زيارة السيد "روزينت" الذي اعتاد أن يفاجئه بإحدى الطبعات الفريدة.

لم يُبدِ السيد "ويلسون" ولا "سارة" أيَّ اهتمامٍ ببعضهما بعضًا، لكنَّه في الرحلة الأخيرة طلب منها الزواج فوافقت. حدث ذلك قبلَ أن يغزو الألمانُ باريس. لم تعد سارة صغيرةً، إنها مشارف الأربعين، ولم تُبدِ أيَّ رغبةٍ في الزواج قط. يكفيها أن تقرأ الشعر وتساعد والدها في إدارة دار النشر التي يمتلكها، حيث يجيء الشعراء المبتدؤون طلبًا لنصيحته وليحرِّر لهم أعمالهم الأولى. إضافةً إلى أن آل "روزينت" يبيعون كتبًا لكبار الشعراء في العالم.

ينحدر "بنجامين ويلسون" من أصلٍ إنجليزيٍّ، لكنه وُلِد في الإسكندرية. ورث جدُّه عملًا تجاريًّا لبيع الكتب القديمة في لندن، ولكن قبلَ توليه ذلك العمل، سافر إلى إفريقيا والشرق ليكتب مقالاتٍ فلكلوريَّة لصالح جرائد لندنيَّة، ويتعاون بشكلٍ متقطِّع مع وزارة الخارجيَّة. تزوَّج سيدةً من نبلاء الريف ورُزِق بابنٍ وحيد، وهو "روبرت"، الذي لم يتبع خُطى والده، بل فضَّل أن يجرب حظَّه في الجيش. وصل إلى الإسكندريَّة عام 1895 كضابط في الحامية الدائمة التي احتفظت بها بريطانيا في ذلك المكان إضافةً إلى مدن مصريَّة أخرى كجزءٍ من المعاهدة بين كلا البلدين. هناك تزوَّج مصريَّةً من عائلةٍ ذات أصول يونانيَّة أتت من مدينة "سالونيك". وأنجب منها ابنه "بنجامين". سمع "مارفن" أن والدة "بنجامين ويلسون" كانت يهوديَّة، لكن ربما هي مجرد شائعةٍ، ولم يجرؤ على سؤال سارة في هذا الشأن. يدعو الجميع "بنجامين" بـ"السيد ويلسون". ارتأى والده، "روبرت ويلسون"، أنه يجب أن يدرس في مدرسةٍ إنجليزيَّة، لذا على الرغم من اعتراض زوجته، أرسله للدراسة في لندن تحت وصاية جدِّه الذي انتهز الفرصةَ ليغرس فيه حبَّ الكتب، والشعر بصفةٍ خاصِّة. تعلَّم الشاب "ويلسون" كلَّ شيءٍ يمكن أن يعلمه إياه جدُّه، ولم يفكِّر قط في تكريس نفسه لشيءٍ غير تحرير الكتب وشرائها وبيعها. كان الجدُّ ويلسون رجلًا مميزًا يحب السفر للبحث عن تلك النسخ الفريدة التي منحته الكثير من التفرُّد والتميُّز. لم ينفصل الجدُّ وحفيده. عملًا بنصيحته، قرَّر "بنجامين" أن يخدم بلده في السلكِ الدبلوماسيِّ، لكنَّ العجوز أُصيب بالمرض ممَّا عطَّل خططه كلها.

حين مات جدُّه، قرر "بنجامين ويلسون" أن يعود إلى الإسكندريَّة بناءً على طلب والده، الذي في الوقت نفسه خاف على صحة زوجته المتردِّية. عندما عاد "بنجامين"، اتَّخذ قرارين: الإبقاء على فرع لندن، وافتتاح فرعٍ في مصر. وحين عاد إلى الإسكندريَّة مرةً أخرى، أدرك كم اشتاق إلى أجواء الإسكندريَّة، وأهلها، والطريقة التي اندمج بها قاطنوها من العديد من الأماكن المختلفة، ما أضفى عليها شخصيَّةً فريدة. كلُّ ذلك حكته "سارة روزينت" لـ"مارفن"، وهذا كلُّ ما احتاج أن يعرفه. تعاطف مع زوجها على الفور، ومنذ أن وصل إلى الإسكندريَّة بحثًا عن "سارة"، لم يمرّْ يومٌ واحد إلا وذهب إلى المكتبة، مكان لقاء الكتب وحيث التقى بـ"فريدة".

أعاده صوت "فريدة" الصافي إلى الواقع:

- فيمَ تفكر؟

استدار نحوها وابتسم:

- في اليوم الذي عرَّفتنا فيه "سارة" على بعضنا، وفي علاقة الزواج الغريبة التي تربطها مع السيد "ويلسون".

- غريبة؟ أعتقد أنهما يكملان بعضهما بعضًا على نحوٍ جيد، وهما سعيدان كذلك. أعرف "بنجامين ويلسون" منذ سنواتٍ عديدة، وأؤكد لكَ أنني لم أرَه يبتسم قط.

- أدين لهما بشيءٍ لن أستطيع أن أردَّه أبدًا.

- وما ذاك؟

- لقائي بكِ.

- هذا من حسن حظِّنا. لكن كما أخبرتك، عاجلًا أم آجلًا كان علينا أن نلتقي. ذلك مُقدَّر.

اعتاد "مارفن" أن يتفاجأ ببعض الأشياء التي تقولها "فريدة". لم يرد. اكتفى بعناقها، وبدورها بادلته العناق.

فكَّر "مارفن" أنه لو للسعادة وجود، فيمكن تلخيصها في تلك اللحظة، فقد أنقذه لقاءُ "فريدة" من نفسه. إنها تكبره، هي في الأربعين تقريبًا، طويلةٌ، داكنةُ البشرة، ذات بشرة زيتونيَّة، نحيفة، وتنضح بتلك الثقة المثيرة للإعجاب. بعد وقتٍ قصير من وصوله إلى الإسكندريَّة، دعته "سارة" إلى أمسية شعريَّة. في الواقع لم تكن الأمسية الشعريَّة إلا تجمُّعًا لبعض الشعراء الذين يحاولون إبهار بعضهم بعضًا. كذلك حضر كتابٌ أخرون، ولذا حضرت "فريدة".

فورَ أن انتهى الشعراء من إلقاء قصائده، أدارت "سارة" دفَّةً الحديث إلى قضايا أخرى شائكةٍ، كالخير والشرِّ والضمير والواجب. تشاركوا جميعًا الحديثَ، لكن عندما تحدَّثت "فريدة"، عمَّ الصمت.. أنصتوا إليها باحترامٍ وافتتان. همست "سارة" في أذنه:

- فريدة فيلسوفة.

عرف لاحقًا أنها قد كتبت خمسة كتبٍ في تخصُّصها، أحدها موسوعةٌ حقيقيَّة عن بعض الفلاسفة الذين عاشوا في الإسكندريَّة ومذاهبهم.

أوضحت "سارة":

- في هذه المدينة تقليدٌ طويل للنقاشِ حولَ كلِّ شيءٍ، وطرحِ أسئلةٍ دونَ إجاباتٍ. أرى أن الإسكندريَّة تحلُّ في المرتبة الثانية، بعد اليونان، كأكثر المدن التي تحتلُّ فيها الفلسفة مكانةً خاصَّة.

طلب منها "مارفن" أن تعرِّفه بـ"فريدة"، وارتبك حين اقترحت عليه أن يتمشَّيا.

خرجا من مكتبة "ويلسون وويسلون" إلى شوارع المدينة بلا وجهةٍ محدَّدة. يجهل "مارفن" كلَّ ما يخصُّ الإسكندريَّة، لكنَّها راحت ترشده: هناك شارعُ "روزيت"، كنيسةُ الأنبا أثناسيوس الرسولي، وهناك كاتدرائيَّةُ "سانت كاترين"، و"بوابةُ القمر".

سألته "فريدة" أين يقيم، فأجابها "مارفن" أنه محظوظٌ لأن "سارة" دعته للإقامة في منزلها. عاشت عائلة "ويلسون" في "بولكلي"، وهو حيٌّ سكنيٌّ أغلب قاطنيه من الأجانب ومعظمهم من البريطانيين.

منزل "سارة" و"بنجامين ويلسون" فسيحٌ بقدر ما هو جميل، ومن الشرفة يمكن رؤية البحر.

كانت منصتةً له وهو يتحدَّث، حتى أدرك أنه يتشارك مع تلك الغريبة الأشباحَ التي سكنته منذ الحرب في إسبانيا. حكى لها كلَّ شيءٍ: خوفه في المعركة، الجرح في جسده وروحه، كيف تجمدت أبيات الشعر داخله، اقتناعه أن المستقبل لن يحمل له شيئًا. قالت له:

- فلتأتِ معي.

وسمح لنفسه بالانتقال إلى منزلها في مبنى قديمٍ على الكورنيش تطلُّ شرفاته على البحر. فاجأهما الفجرُ أثناءَ الحديث، ولم يدرِ متى نام. عندما استيقظت "فريدة" داعب جبهتها، فأعادت ابتسامتها له الحياةَ. لم يفترقا منذ ذلك اليوم.

لم تسأله "سارة" عن شيءٍ حين قصد منزلها لأخذ أمتعته، كما لو أن ذهابه للعيش مع امرأةٍ التقى بها ظهرَ أمسٍ أمرٌ عاديٌّ. لم يخبرها بشيءٍ عن "فريدة" إلا أنها امرأة غنيَّة، تزوَّجت رجلًا ترك لها ثروةً عندما مات منذ خمس سنوات مضت، تكتب وتفكِّر وتذهب إلى أيِّ مكانٍ تستطيع فيه الدخول في مناقشةٍ جيدة حولَ أسرار طبيعة البشر.

تفاجأ "مارفن" عندما أدرك أنه حقًّا لا يعرف شيئًا عن "فريدة". لقد أفرغ روحه أمامها، لكنَّها لم تطلعه على روحها. حالما عاد إلى منزل "فريدة" طلب منها أن تخبره مَن هي، وماذا تريد، وبماذا تشعر... استمرَّا هكذا إلى أن فاجأهما الليلُ من جديدٍ ثم الفجرُ فالشروقُ، وكلٌّ منهما يحيط الآخرَ بذراعه. في ذلك الصباح شعر بالسعادة التي لطالما شعر بها منذ أن بات بجانبها.

تنهَّد "مارفن" وهو يمعن النظر في عينيْ "فريدة". سألها بترقُّب:

- ماذا سنفعل اليوم؟

- الكتابة. "بنجامين ويلسون" يصرُّ على أن أنشر كتابًا، وأنت ستفعل الشيءَ نفسه. راقبْ انعكاس الشمس على الأمواج، ودع الهواءَ ينفذ إلى رئتيك ويلاطف قلبك. ابتسمْ أو ابكِ، لكن اكتبْ.

فعلها، أطاعها كما لو كان طفلًا. طهَّرت "فريدة" ظلالَ روحه، وأعادت إليه متعةَ الشعور بالحياة.