أبو نواس بعين طه حسين: ثورة التراث وإعادة كتابة الشعر العربي
يجمع ويقدّم الناقد د. عدي الزعبي في كتابه "مع أبي نواس"، ولأوّل مرّة، أبحاث عميد الأدب العربي د. طه حسين عن أبي نواس في مجلّد واحد. ويتيح الكتاب، بطريقة مباشرة وسهلة وواضحة، فهم أبعاد عمل أبي نواس، وأبعاد رؤية العميد لموقع أبي نواس في الشعر العربي. وقد جاء الكتاب في ثلاثة أقسام: الأوّل ثورة أبي نواس، والثاني نقّاد أبي نواس، والثالث دروس أبي نواس.
يؤكّد الزعبي، في كتابه الصادر عن دار صفصافة للنشر بالقاهرة، أن كتابات طه حسين عن الشعر العربي تحتل الموقع الأكبر في اهتماماته، بل تكاد تكون محور تفكيره الذي من خلاله يقدّم أطروحاته الفلسفية والفكرية والسياسية والاجتماعية. وقد اشتهر طه حسين بأعماله النقدية التالية: حديث الأربعاء (ثلاثة أجزاء)، في الشعر الجاهلي، تجديد ذكرى أبي العلاء، مع المتنبي، مع أبي العلاء في سجنه، بالإضافة إلى عشرات المقالات التي تبحث في ذلك الشعر.
ويرى أن طه حسين، طيلة حياته الطويلة، أنه حافظ على رؤية واضحة وبسيطة: ثورة في التراث تقلب المفاهيم. فالصورة التقليدية التي يتداولها الشعراء والنقّاد تبدأ بالشعر الجاهلي، الذي يتربّع على عرشه امرؤ القيس، وتنتهي بقمّة الشعر العربي ومعبود النقّاد والشعراء والأدباء أبي الطيّب المتنبي. وبينهما نجد مكانة كبيرة للشعراء العرب الفطاحل: النابغة، وزهير بن أبي سلمى، وجرير، والفرزدق، وبشّار بن برد، وأبي نواس، وأبي تمام، والمعرّي. ولكن المكانة الأسمى لمعنى الشعر وبنيته وتركيبه وتصاويره تعود دومًا إلى امرئ القيس والجاهليين، وتُقدَّس أعمال أبي الطيّب.
ويلفت الزعبي إلى رفض طه حسين هذه الصورة المتوارثة كليًّا؛ فقد شكّ في معظم الشعر الجاهلي واعتبره منحولًا، والأهم أنّه قلّل من قيمة هذا الشعر على المستوى الأدبي. وكذلك الحال مع المتنبي، الذي يضعه في مصاف شعراء الدرجة الثانية مقارنة بأبي تمام والمعرّي وأبي نواس. وقد جعل طه حسين حكيم المعرّة يتربّع على قمّة الشعر العربي، وحده بلا منازع، باعتباره المفكّر والشاعر والناثر الأهم في تاريخ اللغة العربية.
ويقول الزعبي إن دراسات طه حسين شكّلت ثورةً في التراث، وداخل هذه الثورة يتمتّع أبو نواس بمكانة خاصّة واستثنائية. ففي العصر العباسي الأوّل تغيّر لفظ الشعر العربي ومعناه تغيّرًا عميقًا، وبحسب العميد انقسم الشعراء المجدّدون ما بين مدرستين: ركّزت إحداهما على اللفظ، والأخرى على المعنى: "اختلافٌ في اللفظ نشأت عنه مدرسة مسلم بن الوليد التي أخرجت أبا تمام والمتنبي وأمثالهما من أصحاب البديع، واختلافٌ في المعنى نشأت عنه مدرسة أبي نواس التي أخرجت البحتري وغيره من أولئك الشعراء الذين آثروا اللفظ القديم والمعنى الجديد، ولم يتكلّفوا بديعًا ولا استعارة ولا جناسًا".
وكان شاعرنا أبو نواس حامل لواء التغيير والثورة في المدرسة الثانية. لم يكن وحده، ولكنّه كان الأصدق والأشجع والأعلى موهبة. وهذا ما جعل طه حسين يعود إليه مرارًا ويكتب عنه باستمرار.
ويتابع الزعبي موضّحًا "أكثر من ثلثَي الكتاب نستقيه من حديث الأربعاء – الجزء الثاني، من الفصل الأوّل إلى الفصل السابع عشر. خصّص طه حسين بعض الفصول لأبي نواس، وبعضها للسياق العام في العصر العباسي. حُذفت بعض الفصول التي لا تتعلّق بموضوعنا، وبعض الفقرات التي تخصّ شعراء آخرين. هكذا أصبح لدينا بحث يخصّ أبا نواس وحده، ويشكّل مشروعًا شبه مكتمل لتناول شعره. يُشكّل ذلك الفصل الأوّل من كتابنا: ثورة أبي نواس. وننتقل بعد ذلك إلى مقالات من خصام ونقد، كُتبت بعد خمسة وعشرين عامًا من حديث الأربعاء، ضمّت ثلاث مقالات عن أبي نواس. كما أخذنا مقتطفات من مقال يوناني فلا يقرأ عن الشاعر. وهذا هو الفصل الثاني من كتابنا: نقّاد أبي نواس. وفي النهاية مقتطفات قصيرة من كتب حافظ وشوقي، وتقليد وتجديد، ومرآة الإسلام. وهنا الفصل الثالث في كتابنا: دروس أبي نواس. أمّا الخاتمة فمع نهاية الجزء الثالث من الأيام، التي يستشهد فيها طه حسين ببيت شعر لأبي نواس. وقد حذف طه حسين الألفاظ التي يراها بذيئة من أشعار أبي نواس، وأبقيتُ على الحذف كما أراده العميد".
كتابات طه حسين عن الشعر العربي تحتل الموقع الأكبر في اهتماماته، بل تكاد تكون محور تفكيره
ويشير الزعبي: "أسماء فصول الكتاب الثلاثة: ثورة أبي نواس، ونقّاد أبي نواس، ودروس أبي نواس، وضعتها أنا لا طه حسين. أمّا تواريخ نشر الكتب (وقد نُشرت معظم المقالات التي يجمعها العميد في كتبه قبل صدورها بسنوات قليلة) فهي:
ـ حديث الأربعاء ـ الجزء الثاني: 1926.
ـ خصام ونقد: 1955.
ـ حافظ وشوقي: 1933.
ـ تقليد وتجديد: 1978.
ـ مرآة الإسلام: 1959.
ـ الأيام – الجزء الثالث: 1967.
في الفصل الأوّل "ثورة أبي نواس" يتطرّق الزعبي إلى السياق العام الذي نشأ فيه أبو نواس (الفصول الأولى من حديث الأربعاء)، أي العصر العباسي الذي ساد فيه الفجور والقصف. فطبيعة الحياة في العراق، خصوصًا بغداد، وانتشار الثروة، والاختلاط مع الأمم، غيّرت بعمق من رؤية الشعراء للأدب. جعل أبو نواس من الخمر محور شعره، وهذا لا يتعلّق فقط بمجونه وإدمانه الخمر، بل هو ثورة سياسية وفكرية على القديم وعلى ما يمثّله القديم. ويخرج طه حسين في تفسيره لشعر أبي نواس من ضيق الأفق الذي يطبع بعض ما قيل عن الشاعر، ليحاول الوصول إلى روحه التي انعكست في شعره، وعكست طبيعة النظام الاجتماعي والسياسي الذي تخلخل في بغداد. وفي الغزل أيضًا يمثّل أبو نواس موقفًا جديدًا يعكس حياة المدينة مباشرة؛ فنجد القصائد التي تجسّد الاختلاط والحب على نحو مغاير تمامًا لما عهدناه في الشعر الجاهلي والأموي والعباسي المبكر. أمّا شعره في المدح والهجاء فقليل القيمة، بحسب العميد. ويختم طه حسين تأمّلاته في شعر أبي نواس بملاحظة ثاقبة عظيمة عن التشابه بين أبي نواس وأبي العلاء: "كلاهما كان يزدري الحياة، وكلاهما كان يمقتها مقتًا شديدًا، وكل ما بينهما من الفرق أن أبا نواس كان يكره الحياة فيزدريها، ويستعين عليها باللذّة واللهو، وأن أبا العلاء كان يكره الحياة فيستعين عليها بالزهد والحرمان، وفي الحق أن المتشائمين لا ينقسمون إلى هذين القسمين..".
ثم ينتقل الزعبي إلى الفصل الثاني "نقّاد أبي نواس" ليشير إلى أنّه بعد ربع قرن يعود طه حسين إلى أبي نواس أوّلًا، ويريد أن يردّ على استخدام أساليب علم النفس الحديث والتحليل النفسي (محمد النويهي، والعقّاد، وسلامة موسى) لفهم الشاعر. يتشكّك طه حسين في هذا المشروع وينقده بحدّة. وقد كانت مثل هذه المشاريع رائجة في عصر ثورة فرويد، لكنّ الزمن أثبت أنّ رؤية طه حسين كانت أعمق، وأنّ التسرّع في تطبيق التحليل النفسي على النقد الأدبي ليس مثمرًا كثيرًا. وأكثر من ذلك، يعود طه حسين باستمرار إلى السياق الاجتماعي ـ السياسي لفهم أبي نواس، ثمّ يتفكّر بعد ذلك في شخصيّته الخلّاقة، وليس العكس. وفي هذه المقالات أيضًا ينقض طه حسين الصور المتداولة لأبي نواس: صورة النرجسي التي قال بها النويهي والعقّاد، وصورة المستهتر التي قال بها النقّاد القدامى كأبي هفّان، ونراها في ألف ليلة وليلة.
وفي الفصل الأخير "دروس أبي نواس" توضّح المقتطفات القصيرة الأخيرة استخدام العميد لأبي نواس في معالجته موضوعات أدبية وفلسفية وتاريخية معاصرة. أوّلًا، يرى العميد أنّ أبا نواس كان واسع الثقافة، منخرطًا في هموم عصره ونقاشاته ومجادلاته الغنيّة، ويطالب الكتّاب المعاصرين بالشيء نفسه؛ أي إنّ الشعر الساحر المميّز الذي أنتجه أبو نواس يقتضي الاطلاع على الثقافتين المحلية والعالمية، بل ومعرفة تفاصيلهما الكثيرة. ويعتقد العميد أنّ أحمد شوقي وحافظ إبراهيم لا يضاهيان النؤاسي في دقّته الفلسفية وانخراطه في عصره. ويرى أنّ النهضة الأدبية لا تقوم إلّا بمثل هذا الاطلاع والهضم للثقافات المتعدّدة. وهكذا يصبح أبو نواس نموذجًا فكريًّا وشعريًّا وحضاريًّا، نموذجًا لنا اليوم في محاولتنا للنهوض بأنفسنا.
ويقول الزعبي "كما يعود طه حسين إلى أبي نواس في نقطة فلسفية خطيرة: الصراع ما بين المعتزلة والتيّار السنّي العام. يعتقد المعتزلة أنّ العقل باستطاعته الإجابة عن كلّ الأسئلة، بما فيها الأسئلة الماورائية واللاهوتية. أمّا الفقه السنّي فيتشكّك في قدرة العقل على الإجابة عن كلّ الأسئلة، بل يرفض الحنابلة حتّى طرح السؤال، في حين يميل الأشاعرة إلى تقديم إجابات محدودة ومتشكّكة تعترف بقصورنا البشري. وهنا نجد العميد يميل إلى التيّار السنّي العام، رافضًا ادّعاء المعتزلة بمقدرة العقل الكلّية، لكنّه يستشهد بأبي نواس لا بالأشاعرة أو الحنابلة. وليتذكّر المرء أنّ الأستاذ الإمام محمد عبده كان يميل إلى المعتزلة، وخالفه تلامذته الأكثر علمانية: طه حسين وأحمد أمين. ويطول الكلام عن هذه النقطة، ولمزيد من البحث حول طه حسين وحدود العقل يُراجع مقالي ميتافيزيقيا طه حسين في كتاب البحث عن طه حسين، وعن أبي نواس عمومًا مقالي عسكر الحب في موقع الجمهورية".
ويضيف الزعبي "أختلف مع طه حسين ـ قليلًا ـ في بعض النقاط حول المثلية الجنسية، وطبيعة مدارس المجدّدين، والسياق السياسي والفلسفي، ولكنني أتّفق معه في العرض الأوسع لمكانة أبي نواس وأهمّيته. تركت كتابات طه حسين من دون تعديل، ولم أضف أي هوامش توضيحية أو نقدية. وعلى العموم، كتاباته جليّة واضحة، وجميلة، ومسلّية جدًّا، لذا لا تحتاج إلى هوامش. وبما أنّ هذا الكتاب هو كتاب طه حسين عن أبي نواس، لم أجد حاجة إلى إضافة رأيي الشخصي فيما يقوله العميد".
ويبيّن الزعبي "تنطلق دراسات طه حسين النقدية من رؤية معاصرة إلى حياتنا اليوم. يفتتح نقاشه عن أبي نواس في حديث الأربعاء ببحث حول القديم والجديد، وهو بحث يتعلّق بسؤالنا اليوم حول التراث كما يتعلّق بسؤال أبي نواس عن تراثه هو. ثم يعود العميد إلى الشاعر في بحوثه عن طبيعة الشعر العربي الحديث ومستقبل الأدب العربي، ليتعلّم منه التعبير بصدق عن الزمن الذي نعيش فيه، والانخراط في النقاشات الفلسفية والسياسية، والاطلاع على منجزات الأسبقين ومنجزات الثقافات الأخرى. وهكذا يكون أبو نواس قدوةً ومنارة، وفي الحقيقة قدوةً اتّبعها، بخطوطها العريضة، طه حسين نفسه طيلة حياته الأدبية. ويختم طه حسين الأيام مع أبي نواس، مستشهدًا بأنفة وكبرياء الشاعر الذي لم يخضع يومًا إلّا لروحه الخفّاقة الوثّابة، رافضًا الانصياع للناس وللسلطات الدينية والاجتماعية والسياسية، في عالم يتغيّر باستمرار ويتبدّل بلا توقّف. صارع القصر والوفد والأزهر، ثمّ النظام الناصري بطريقة مختلفة ومسالمة، ولم يتراجع يومًا، كما لم يتراجع أبو نواس، الذي هتف في وجه الإمبراطورية المترامية الأطراف من الصين إلى الأندلس:
وما أنا بالمشغوفِ ضَربةَ لازبٍ
ولا كلُّ سلطانٍ عليَّ أميرُ!