صورة الليل عند شعراء الرومانسية في مصر.. فلسفة العتمة وتجليات الذات
يُمثل كتاب "صورة الليل عند شعراء الرومانسية في مصر" للدكتورة نادية لطفي ناصر أطروحة أكاديمية وبحثاً نقدياً متخصصاً؛ إذ يسبر أغوار فلسفة الليل ودلالاته العميقة في نتاج الشعر الرومانسي المصري، كاشفاً عن الكيفية التي استحال بها الليل من مجرد حيز زمني إلى كينونة حية وكيان وجداني يشاطر الشعراء زفرات آلامهم ورؤى أحلامهم. وفي استهلالها، تجلو المؤلفة النقاب عن حقيقة الليل بوصفه ملهماً أزيلياً، ناعتةً إياه بأنه "راحة الزمن وموطن الشجن"، ومبينةً كيف تملك الشعراء الرومانسيون في مصر ناصية أدوات الليل، فاتخذوه خديناً ورفيقاً وبثوا في رحابه أفراحهم وأتراحهم، حتى انصهر الليل بالرومانسية في وحدة عضوية وثيقة. وقد اتكأت الدراسة في مسارها على "المنهج التكاملي" الذي يزاوج ببراعة بين الأدوات الوصفية، والفنية، والتاريخية، والاستقرائية.
تبدأ الباحثة كتابها الصادر عن دار الأدهم بالقاهرة برصد لغوي مستفيض لمفردة الليل في المعجم العربي، مستجليةً دقة الملاحظة لدى العرب الأوائل في التمييز بين أطوار الظلمة وساعات الليل المتعاقبة، حيث وضعوا مسميات دقيقة لكل برهة زمنية انطلاقاً من الغسق ووصولاً إلى السحر. ولم تكن هذه الوفرة اللفظية مجرد إحصاء للمواقيت، بل كانت انعكاساً أصيلاً لارتباط الإنسان العربي ببيئته الصحراوية التي جعلت من الليل أنيساً لا يفارقه في ترحاله وتأملاته. ومن هذا الاتكاء اللغوي، تعرج الدراسة نحو التفسير الجغرافي الذي يؤطر الليل في سياقه الكوني كظاهرة فلكية متولدة عن دوران الأرض، بيد أن هذا التفسير العلمي سرعان ما يتشكل في وعي الشاعر كحالة شعورية تتخطى القوانين الفيزيائية؛ إذ يكف الليل عن كونه مجرد احتجاب للشمس ليمسي حضوراً طاغياً للذات. وهنا تربط المؤلفة بين هذه الظاهرة ومفهوم الزمان في الفلسفة اليونانية عند أفلاطون وأرسطو، كاشفةً عن رؤية الفلاسفة الأوائل للزمن كوعاء للمتغيرات ومقياس للحركة، مما ألبس الليل دثاراً من القدم والهيبة الوجودية التي تذكي في الإنسان شعوراً بالضآلة أمام ليل سرمدي.
ثم يمتد نطاق البحث ليتسع للفلسفة الإسلامية عبر تمثل فكر الكندي وابن سينا وابن رشد، وكيفية تطويع مفهوم الزمان ليتناغم مع الرؤية الكونية الإسلامية، وهو ما أسبغ على الليل في الوجدان العربي أبعاداً استغراقية عميقة؛ حيث اقترن انصرام الزمن والليل في النفس البشرية بهواجس الشقاء واللوعة، فكل ليلة تمضي هي خطوة وئيدة نحو المجهول، الأمر الذي يفسر ارتباط الليل في القريحة الشعرية بالهموم الكؤود التي لا يبددها سوى انبلاج الفجر. وحينما تشرع المؤلفة في تحليل مصطلح الرومانسية، فإنها لا تقصره على كونه مدرسة أدبية فحسب، بل تعرّفه كفعل ثوري اندلع في أوروبا انتفاضاً على رتابة الكلاسيكية وهيمنة العقل المادي الذي جفف منابع العاطفة؛ فكانت الرومانسية هي الصرخة الوجدانية التي أعادت الاعتبار للقلب والمنزع الخيالي، وكرست مبدأ "تقديس الأنا" والذاتية المطلقة، مما جعل الشاعر الرومانسي يتخذ من الليل مملكته الأثيرة، فهو الحيز المكاني والزماني الذي تذوب فيه الأغلال الاجتماعية والمادية، وتنعتق فيه الروح لتسجي أوجاعها بعيداً عن أعين الرقباء.
وتواصل الدراسة تبيان كيفية تلاقي هذه الرؤى الفلسفية مع كينونة الشعراء الرومانسيين في مصر، الذين تجرعوا مرارة الانكسارات السياسية والاجتماعية في ظل الاحتلال، مما ألجأهم إلى الانكفاء على ليلهم الخاص؛ فامتزجت أصالة ثقافتهم العربية الموروثة عن شعراء العصرين الأموي والعباسي بتأثرهم العميق بالتيارات الرومانسية الغربية، ليصوغوا صوراً فنية مبتكرة تضفي صفات التشخيص على الليل وتجعل منه كائناً حياً يصغي إليهم ويحاورهم. وتتبدى هذه الفنية العالية في طواعية اللغة والموسيقى الشعرية التي جنحت نحو البحور القصيرة والمجزوءة، والتي تحاكي في إيقاعها خفقات النفس المجهدة في سكون الليل، ليفضي الكتاب في ختامه إلى دراسة سيكولوجية وأدبية شاملة لا تكتفي بتشريح النص الشعري، بل تغوص في أعماق النفس الإنسانية في صراعها مع العتمة والزمن.
وعلى صعيد هيكلية البحث، تؤسس الدراسة في فصلها الأول مهاداً معرفياً عبر ضبط المصطلحات المحورية، فتبدأ بتعريف الليل لغوياً كظاهرة زمنية وجغرافية مع استعراض ثراء القاموس العربي في وصف غياهب الظلمة، ثم تربط ذلك بمفهوم الزمان فلسفياً، موضحةً تشكل الوعي الإنساني بالوقت كمرادف للعناء والفناء، وتختم الفصل بتتبع إرهاصات الرومانسية في أوروبا كفعل ثوري يحرر الذات، مفسرةً بذلك انحياز الشاعر لليل كونه الملاذ الأوحد من قسوة الواقع المادي. وفي الفصل الثاني، تنتقل الدراسة من حيز التجريد الفلسفي إلى ملامسة الواقع المصري، باحثةً في البواعث التي صاغت وجدان الشعراء آنذاك، مستعرضةً الهزات السياسية التي ولدت إحساساً بالاغتراب والضياع، مما دفعهم للعزلة والبحث عن وطن بديل في آفاق الخيال، مع توضيح كيفية انصهار الثقافة العربية القديمة بظلال الرومانسية الوافدة لإنتاج "رومانسية مصرية" فريدة اتخذت من الليل محراباً للتأمل والشكاة.
أما الفصل الثالث، فيغور في "آلية الليل" وتحوله إلى تيمة شعرية متكاملة، مستهلاً بتتبع حضور الليل في المرجعيات الكبرى كالقرآن الكريم والنثر العربي القديم، ثم يعرج على تحليل الليل ككيان تفاعلي، راصداً توظيف الشعراء لعناصر الطبيعة الليلية من قمر ونجوم وسحر، وتحويلها من ديكورات جامدة إلى رموز نابضة بخلجات النفس، حيث لم يعد السهر مجرد سهاد، بل استحال مناجاة روحية وتنقيباً عن الحقيقة في صلب الظلام. وأخيراً، يأتي الفصل الرابع ليتوج الدراسة بالتحليل الفني التطبيقي والموسيقي، مستنداً إلى المنهجين الإحصائي والوصفي في تشريح لغة الشعراء، ومصنفاً المعجم الليلي إلى أبعاد وجدانية وحركية وصوتية تجلي الحالة النفسية لكل شاعر. كما يعنى هذا الفصل بتحليل "الصورة الفنية" وآليات التشخيص وتراسل الحواس، مختتماً ببحث الإيقاع والموسيقى الذي كشف عن ميل الشعراء للبحور الصافية التي تتسق مع انكسارات النفس، ليؤكد الكتاب في منتهاه أن الليل كان لهؤلاء الشعراء هو "المحراب" الوجودي الذي صاغوا فيه هويتهم الفنية.
ويأتي الفصل الرابع ليتوج الدراسة بالتحليل الفني والموسيقي، حيث ترصد المؤلفة خصائص اللغة الرومانسية التي تمزج بين التراث والتجديد، وتكثر من الألفاظ المرتبطة بالجو الروحي والطبيعة. وتقسم الباحثة معجم الليل إلى خمسة أبعاد: (الحركة، الوجدان، الضوء، اللون، والصوت)، مع التركيز على "عضوية الصورة" الشعرية التي قسمت صور الليل إلى ثلاثة أقسام: صور الغروب الحزينة، وصور الظلام الرامزة للهموم، وصور الفجر الرامزة للانتصار والحياة. وتبرز في هذا الفصل السمات المشتركة للصور الليلية كالتشخيص، وتراسل الحواس، وتكثيف عنصر الزمان، واستلهام الأسطورة. وتختتم الدراسة ببحث في الموسيقى، حيث تحرر الشعراء من القافية الموحدة واتجهوا للشعر المرسل والحر ونظام الموشحات، مع غلبة واضحة للبحور القصيرة والسريعة (كبحر الكامل) التي تتلاءم مع المنهج التجديدي، ليتحول الكتاب في نهايته إلى دراسة شاملة لا تحلل النص الشعري فحسب، بل تحلل النفس البشرية في مواجهتها مع الظلام والزمن.