كتاب غزة.. حين تستحيل الكتابة فعلاً للمقاومة وشهادة ضد الفناء

بين دفتي هذا الكتاب، تنفتح جروح غائرة تتجاوز مجرد السرد لتتحول إلى شهادات حية على استباحة الوجود الإنساني.

يُعد كتاب "غزة يوميات ورسائل وقصائد من غزة" للشاعر يوسف القدرة وثيقةً إنسانية وأدبية بالغة العمق، تتجاوز كونها مجرد تسجيلٍ لوقائع حرب الإبادة التي شنتها الآلة الصهيونية على غزة لتصبح فعلاً وجودياً يقاوم التلاشي والفناء في بقعة جغرافية صغيرة محاصرة بآليات الموت من كل جانب.

في هذا الكتاب الصادر عن دار الأدهم بالقاهرة ينسج القدرة يومياته ورسائله وقصائده بخيوط من وجع وحنين، حيث لم تعد الكتابة هنا ترفاً فكرياً، بل استحالت صرخة في وجه الإجرام الذي يحاول ابتلاع المدينة وتاريخها، وسلاحاً خفياً يحمي اللحظات الهاربة من النسيان الذي يزحف خلف كل قذيفة. يتنقل القدرة في نصوصه بين الذاكرة والحاضر المحترق، معيداً بناء الأزقة المدمرة بالكلمات، وراسماً وجوه الشهداء الغائبين الذين استُلبوا من الحياة فجأة، ليخلق مدينة موازية على الورق ترفض الانحناء أو السقوط في العدم.

تتجلى قسوة الواقع في سرديات الفقد التي يرويها القدرة بمرارة، حيث يسرد قصة صديقه الشاعر الذي فقد مكتبته العامرة وآلاف الكتب التي جمعها عبر عقود، ليجد نفسه يقف أمام كومة من الرماد، وكأن تاريخه الثقافي والروحي قد صُهر في لحظة واحدة. كما يروي القدرة موقفاً مؤثراً عن "الجدة" التي رفضت مغادرة منزلها المهدد، متمسكةً بمفتاح صدئ وصور قديمة، معتبرةً أن الخروج من البيت هو الموت الحقيقي، وأن البقاء تحت القصف هو نوع من الوفاء لذاكرة الجدران. ويصور الكاتب ببراعة التحول القسري في الأدوار، حيث يجد نفسه "نازحاً من قصته إلى قصص الآخرين"، يرقب مأساة الطفل الذي يبحث عن حذائه الفردة وسط الركام ليمشي بها إلى المجهول، في مشهد يختزل ضياع الخطى والأحلام.

لا يغفل القدرة عن تفاصيل الحياة اليومية الممعنة في البدائية، واصفاً كيف استبدل الغزيون السيارات بعربات "الكارو"، والغاز بالحطب، والكهرباء بطوابير شحن البطاريات المضنية، في محاولات مستميتة للبقاء على قيد الحياة. وتبرز في النص معاني "الانتصارات الصغيرة" التي تحمل دلالات عظيمة، كالحصول على ربطة خبز كاملة أو علبة حليب لطفل، وهي إنجازات تعكس شعباً منحازاً ومحباً للحياة في أشد ظروف الموت وحشية. كما يحمل الكتاب نبرة فلسفية وشعرية حول الموت والوجود، حيث يرى الموت "ضيفاً عابراً يجمع أشياءه بهدوء ويترك طاولة خالية"، بينما يظل الشعر هو تلك المسافة بين الكلمة وصداها، والماء الذي يطفئ عطشاً يسكن في الروح. وفي رسائله إلى الأصدقاء، يؤكد القدرة على ضرورة حماية "الطفل الذي في الداخل" كفعل مقاومة أخير، لأن هذا الطفل هو الضمير الحي والأمل الذي يمنع الإنسان من الانكسار التام أمام وحشية الحرب، الأمر الذي يجعل من الكتاب في جوهره احتفاء بالقدرة البشرية على استنباط المعنى من الخراب، وشهادة حية على مدينة تصر على أن تتنفس خلف الأسوار، محولةً دماء ضحاياها وحنين مشرديها إلى نصوص عابرة للحدود ترفض الخرس والخزي والعار العالمي وتفرض حضورها على خريطة الذاكرة الإنسانية.

بين دفتي هذا الكتاب، تنفتح جروح غائرة تتجاوز مجرد السرد لتتحول إلى شهادات حية على استباحة الوجود الإنساني؛ فمأساة شقيقته "شيماء" وابنتها "مروى" تبرز كجرح شخصي وجماعي في آن واحد، إذ لم يمهل الموت شيماء، التي انتظرت سنوات لتجتمع بعائلتها، سوى لحظات خاطفة قبل أن يطبق الركام على أحلامها، ليصف الكاتب بمرارة كيف تحول بيت العائلة من ملاذ للسكينة إلى مقبرة تحتضن أجساداً غضة، وكيف صار البحث عن "أثر" أو "رائحة" في الثياب الممزقة هو كل ما تبقى من تاريخ طويل من الحنين. وفي زاوية أخرى من الوجع، يسرد القدرة قصة "أفنان"، تلك الطفلة التي تحدت قوانين الفيزياء والبيولوجيا وبقيت لست وثلاثين ساعة تحت أطنان الأسمنت، وهي قصة بقدر ما تحمل من معجزة النجاة، إلا أنها تعكس المأساة الكبرى في تلك اللحظات التي كان فيها المنقذون يحفرون بأظافرهم وهم يسمعون أنين العالقين دون أن يمتلكوا وسيلة لرفع الموت عن صدورهم، حيث يتحول الصمت الذي يلي توقف الأنين إلى أقسى أنواع الفقد.

يوسف القدرة
يقدم وثيقة أدبية بالغة العمق

تتمدد المأساة لتشمل الجيران والأصدقاء، كقصة "عائلة جودة" التي سُحقت تحت أنقاض منزلها، حيث يرسم الكاتب مشهداً تراجيدياً للأب الذي كان يجمع أشلاء أبنائه في أكياس بلاستيكية وهو في حالة من الذهول الوجودي، متسائلاً عن عدالة السماء في ظل صمت الأرض. ولا تقتصر القصص على الموت المباشر بالقذائف، بل تمتد إلى "الموت البطيء" المتمثل في طوابير الخبز والماء، حيث يروي الكاتب قصصاً عن رجال ونساء يقفون لساعات طوال تحت المطر والبرد، فقط من أجل تأمين لقمة تسد رمق أطفالهم، وكيف تتحول هذه الحاجات الفطرية إلى معارك يومية تستنزف الكرامة والجسد. ويتوقف القدرة عند مأساة "النزوح المتكرر"، واصفاً رحلة التيه من مكان إلى آخر، حيث يضطر الناس لترك ذكرياتهم وصورهم وأشيائهم الحميمة خلفهم، ليصبح "النازح" مجرد رقم في خيمة أو مدرسة، مجرداً من خصوصيته ومن "قصته" الشخصية التي تذوب في قصة الجماعة المنكوبة. إن هذه القصص المأساوية في الكتاب لا تُسرد كأرقام إحصائية، بل كأرواح لها أسماء وأحلام، مما يجعل من كل قصة صرخة احتجاج ضد نسيان العالم وضد وحشية الآلة التي تحاول تحويل البشر إلى مجرد ركام؛ فالمأساة هنا ليست في الموت وحده، بل في التفاصيل الصغيرة التي تسبقه، وفي الفراغ المهول الذي يخلفه الغائبون في قلوب من تبقى من الأحياء.

تمثل قصائد القدرة في نهاية الكتاب النبض الخفي والعمق الفلسفي الذي يربط بين اليوميات والرسائل، فهي ليست مجرد استراحات أدبية، بل هي تكثيف شعوري للحظة المواجهة مع الموت. تتسم هذه القصائد بلغة تقشفية تميل إلى الرمزية أحياناً وإلى الوضوح الجارح أحياناً أخرى، حيث تتحول المفردات البسيطة مثل "الحجر"، "الظل"، "الريح"، و"الغياب" إلى كائنات حية تشارك الغزيين مأساتهم. في قصائده، يبدو القدرة كمن يحاول "ترميم الوجود" بالكلمات؛ فالشعر عنده هو الأداة الوحيدة التي لم تستطع الحرب تحطيمها. نجد في نصوصه تساؤلات وجودية عميقة حول جدوى الكتابة في ظل الصمت العالمي، حيث يصف الصوت بأنه "لا يخرج من الحنجرة، ولا يدخل إلى الأذن، بل يعيش بين الكلمات مثل غبار بين أصابع الوقت". هذا التصوير يعكس حالة الاغتراب التي يعيشها الإنسان تحت القصف، حيث يصبح الزمان والمكان كيانات هلامية تفقد معناها المعتاد.

تتجلى في القصائد ثنائية "الضوء والظلمة" بشكل مستمر؛ فبينما يطبق ليل الحرب بسواده وقذائفه، يبحث الشاعر عن "الصباح الذي لا يوقظ الغياب قبل أن يمتلئ بالفراغ". القصائد هنا لا تمجد البطولات الزائفة، بل تحتفي بالإنسان العادي في ضعفه وقوته، وفي قدرته على "رصف خطواته كما يرصف الماء ضفته في مجرى النسيان". هناك مسحة من الحزن الشفيف الذي يلف النصوص، خاصة عندما يخاطب الشاعر "الحلم الذي ضل الطريق إلى سريره"، وهي استعارة بليغة لضياع السكينة والأمان. كما تبرز في شعره علاقة فريدة مع المكان؛ فغزة في قصائده ليست مجرد مدينة محطمة، بل هي "سماء بلا منفذ" تتعلم فيها الطيور الصمت والغيوم الانتظار. الشاعر ينسحب من ذاته المتضخمة ليصبح صوتاً للجماد أيضاً، فينطق بلسان الشجرة التي تسأل ظلها عن وجودها، وبلسان الحجر الذي يعلو صراخه على ذاكرة العابرين. هذا "التأنيس" للأشياء يعكس مدى تلاحم الإنسان ببيئته التي تُباد، وكأن الشاعر يحاول منح الخلود لكل ذرة تراب مهددة بالفناء.

يبقى إن قصائد القدرة في الكتاب هي "نصوص عبور"؛ فهي تعبر من ضفة الرعب إلى ضفة التأمل، ومن ضجيج الانفجارات إلى سكون القصيدة، محاولةً خلق توازن مستحيل بين بشاعة الواقع ورهافة الحلم، لتظل في النهاية شاهداً جمالياً يرفض أن تتحول المأساة إلى مجرد خبر عابر في نشرات الأنباء.