أقمار ماسك المحترقة، الوجه الخفي لإنترنت الفضاء

احتراق أقمار 'ستارلينك' في الغلاف الجوي بات ظاهرة بمعدل قمرين كل يوم ما يثير مخاوف علمية وبيئية متصاعدة بشأن تلوث الطبقات العليا من الغلاف الجوي وازدحام المدار الأرضي.

واشنطن - تسقط أقمار "ستارلينك" التابعة لإيلون ماسك مجددًا نحو الأرض، حيث يحترق ما يصل إلى أربعة منها يوميًا في الغلاف الجوي، وفقًا لمتابعي الفضاء.

واحتراق أقمار "ستارلينك" في الغلاف الجوي ليس حدثًا عرضيًا، بل جزء من دورة تشغيل منظمة تهدف إلى الحد من الحطام الفضائي. غير أن التوسع الكبير في هذه الشبكات يطرح تحديات علمية وبيئية وأخلاقية جديدة:

وقال عالم الفلك جوناثان ماكدويل، من مركز "هارفارد-سميثسونيان للفيزياء الفلكية"، لموقع إيرثسكاَي إنه سجّل "معدلًا يتراوح بين قمر إلى قمرين من أقمار ستارلينك يدخلان الغلاف الجوي يوميًا في عام 2025"، مضيفًا أن هذا العدد قد يرتفع إلى نحو خمسة يوميًا مع استمرار "سبيس إكس" في توسيع شبكتها العالمية.

تأسست شركة سبيس إكس سنة 2002، وأصبحت ركيزة أساسية في صناعة الفضاء العالمية، إذ تصمّم صواريخ قابلة لإعادة الاستخدام وتبني شبكة "ستارلينك" للأقمار الصناعية، التي تمثل اليوم الجزء الأكبر من عمليات العودة إلى الغلاف الجوي.

كما تمثل الشركة مصدرا رئيسيًا لثروة ماسك الشخصية، إذ يمتلك نحو 42% من أسهمها، بقيمة تقدَّر بحوالي 140 مليار دولار وفق تقييمات السوق الخاصة.

وقد انتشرت في الأسابيع الأخيرة مقاطع مصوّرة لأقمار ستارلينك وهي تحترق في الغلاف الجوي، ما أثار مخاوف لدى الجمهور بشأن احتمال تشكيلها خطرًا على الأشخاص على سطح الأرض.

يوجد حاليًا نحو 20 ألف جسم يتم تتبعه في المدار الأرضي المنخفض، من بينها 12 ألف قمر صناعي نشط، 8500 منها تابعة لستارلينك.
وتعيش أغلب هذه الأقمار نحو خمس سنوات فقط، وتُصمَّم لتتفكك تمامًا وتحترق قبل أن تصل إلى سطح الأرض.

احتراق لامع، لا خطر فيه
رغم أن مشهد الخطوط النارية في السماء قد يبدو مقلقًا، يؤكد العلماء أن عودة أقمار ستارلينك ليست تهديدًا حقيقيًا. الخطر الحقيقي، كما يقولون، يكمن في الأجسام الفضائية الأخرى التي تدخل الغلاف الجوي دون تحكم.

قال الدكتور ماكدويل: "كل بضعة أشهر نسمع عن قطعة من المعدات الفضائية دخلت الغلاف الجوي وانتهى بها الأمر على الأرض كحطام ضخم"، مضيفًا: "نقوم بعدة محاولات عشوائية سنويًا لإصابة الأرض، ولحسن الحظ لم نصب أحدًا بعد... لكن هذا الحظ لن يدوم".

وعلى عكس تصميم أقمار ستارلينك التي تحترق ذاتيًا بالكامل، قد تنجو بقايا الأقمار القديمة أو مراحل الصواريخ من الاحتراق وتصل إلى سطح الأرض.
ومع ازدياد عدد الأقمار الصناعية، خصوصًا ضمن "الكوكبات العملاقة"، يرتفع خطر الاصطدامات وسقوط الحطام.

تكاليف خفية في السماء
ورغم أن احتراق أقمار ستارلينك لا يشكّل خطرًا مباشرًا على البشر، يبحث العلماء في ما إذا كانت هذه العمليات قد تترك آثارًا أكثر دقة على الغلاف الجوي.

فالجسيمات الملوثة مثل أكسيد الألمنيوم الناتج عن الاحتراق قد تؤثر على كيمياء الغلاف الجوي العلوي وحرارته.
ورغم أن هذا المجال البحثي لا يزال في بداياته، تشير النماذج الأولية إلى أن تأثيراته طويلة المدى قد تكون أعمق مما كان يُعتقد.

وقال ماكدويل: "ليس واضحًا بعد، حتى في عصر الكوكبات العملاقة، ما إذا كانت هذه التأثيرات ستكون خطيرة فعلًا أم لا... لكن ليس واضحًا أيضًا أنها لن تكون كذلك".
وأضاف: "تُجرى الأبحاث حاليًا، وإذا تبيّن أننا نلحق ضررًا بالغلاف الجوي بهذه الطريقة، فسنحتاج إلى إعادة التفكير في استراتيجياتنا للتخلص من الأقمار الصناعية".

عند احتراق هيكل الأقمار المصنوع من الألمنيوم، تتكوّن جسيمات دقيقة من أكسيد الألمنيوم (Al₂O₃)، وهي مادة يمكنها امتصاص الأشعة فوق البنفسجية وتغيير توازن الطاقة في الطبقات العليا من الغلاف الجوي.
وتشير بعض الدراسات الأولية إلى أن تراكم هذه الجسيمات قد يؤثر على الحرارة العالمية وعلى التفاعلات الكيميائية للأوزون بطرق لم تُدرس كفاية بعد.

يحذر علماء مثل الدكتور جوناثان ماكدويل من أن "الآثار التراكمية لهذه الانبعاثات قد تكون أكبر مما نتخيل، خصوصًا إذا استمر نمو الكوكبات الصناعية بهذا الشكل المتسارع".

ازدحام المدار وخطر الحطام الفضائي

من جهة أخرى، يثير ازدياد عدد الأقمار الصناعية مخاوف من ظاهرة الازدحام المداري أو ما يُعرف بـ"متلازمة كيسلر" — وهي سيناريو افتراضي يُحذر من سلسلة اصطدامات بين الأقمار تؤدي إلى توليد حطام كثيف يجعل من الصعب أو المستحيل استخدام المدار الأرضي الآمن مستقبلًا.
فحتى مع أن أقمار "ستارلينك" مُبرمجة لتفادي الاصطدامات تلقائيًا عبر أنظمة ملاحية ذكية، إلا أن العدد الهائل منها يزيد من احتمال وقوع حوادث غير متوقعة.
وقد سجلت وكالات الفضاء الدولية بالفعل مئات الإنذارات اليومية بشأن اقتراب أقمار "ستارلينك" من أجسام فضائية أخرى على مسافة خطيرة.

وتعتبر شبكة "ستارلينك" مشروعًا محوريًا في طموح ماسك لتأسيس اقتصاد فضائي متكامل، إذ تدرّ على "سبيس إكس" إيرادات تُقدّر بمليارات الدولارات سنويًا، وتدعم تمويل خطط الشركة بعيدة المدى مثل استعمار المريخ عبر صواريخ "ستارشيب".
كما اكتسبت الشبكة بعدًا جيوسياسيًا، خاصة بعد استخدامها في أوكرانيا لتوفير الإنترنت خلال الحرب، ما أبرز دورها كأداة اتصالات استراتيجية ذات بُعد أمني عالمي.