أمل بورتر: المجتمعات العربية هي الشرارة الأولى لإلهامي الروائي

حوار يكشف الملامح الإبداعية لرواية 'مُزنة صيف' للدكتورة والفنانة التشكيلية، وكيف تحوّلت ذاكرتها البغدادية وتعددها الثقافي إلى مادة سردية تواجه أزمات النشر الحديث وعصر التواصل الرقمي.

"مزنة صيف"  ليست مجرد حكاية تُروى، بل عالم روائي ينبض بالشخصيات والتحولات والأسئلة التي تلامس وجدان الإنسان المعاصر حيث تتشكل الأحداث في نسيج فني يكشف عن قدرة الكاتبة على التقاط التفاصيل الدقيقة وصياغتها بلغة مشحونة بالدلالة والجمال.

في هذا الحوار نقترب من الدكتورة أمل بورتر لنكشف ملامح تجربتها الإبداعية في هذه الرواية ونتعرف إلى الدوافع التي قادتها إلى كتابتها ورؤيتها لشخصياتها وأحداثها، وما تطرحه الرواية من قضايا فكرية وإنسانية.

كيف ولدت فكرة رواية "مُزنة صيف"؟ وما الشرارة الأولى التي دفعتك إلى كتابتها؟ 

في رواياتي عادة المواضيع والأفكار التي أتصدر إليها وأكتبها هي مجموعة صور مخزونة في الذاكرة الواعية وعليّ صياغتها بشكل حروف وجمل، هذه الصور التقطها أحياناً عفواً نتيجة أحاديث سمعتها بالصدفة أو صور مرّت في طريقي. أحاول أن أقدم كل ذلك علناً للجميع والبعض منها قد تكون محض مخيلة قد نمت وتطورت لتأخذ شكل رواية أو لوحة رسم تشكيلية، وكلما اقتربت من المجتمعات العربية أجد كثرة الصور تتزاحم فيما بينها وتتكاثر بشكل أعمق وأوضح وهي شبه مختفية ولكنها موجودة بأقل إثارة في المحيط البريطاني الذي أعيشه بالنسبة لي المجتمعات العربية هي الشرارة الأولى والأهم التي انطلق منها فما زالت الصلة الاجتماعية أو العائلية لها زخمها وقوتها وهي مثيرة لي لأنني بعيدة عنها لذا ما أن أكون في بلد عربي حتى أجد الكثير من الإلهامات التي تدفعني للكتابة وصياغة حوادث وعلى الأغلب قد تكون غير متوفرة في المحيط الإنكليزي.

لماذا اخترتِ عنوان "مُزنة صيف"؟ وما الدلالات الرمزية التي يحملها؟ 

إنها أجواء بغداد المدينة التي ولدت وعشت أغلب سنوات عمري فيها والتي تتغلب عليها أجواء الجفاف فالأمطار فيها قليلة جداً وأهل بغداد عوضوا قلة المطر بتدفق العواطف ومزنة الصيف هي مناسبة لاستمرار الحياة وللتواصل رغم شحتها إلا أنها العصب أو الشريان الأساسي لتدفق الحياة.

شخصية إينانا محور أساسيّ في الرواية، فهل هي شخصية متخيلة أم تستند إلى نماذج واقعية؟ 

إينانا ألهة الحب والحياة وهي شخصية متخيلة نمت في فكري إذ تصورت لو الأن إينانا الربة والألهة نزلت إلى الأرض وأخذت سمة الإنسان ومرت بالتجارب الأرضية فكيف ستتعامل معها؟            

كيف رسمتِ شخصية وجدي حورس بكل ما تحمله من تناقضات إنسانية؟ 

من الحياة اليومية التي وجدتها في بيت العائلة، زوجة شابة جميلة وزوج يخونها باستمرار ويجد آلاف الأعذار ويكرر مئات وآلاف الاعتذارات.         

هل كنتِ حريصة على تقديم شخصيات تمثل نماذج ثقافية عربية مختلفة؟

لم يخطر ببالي نموذج عربي معين فالنماذج العربية شبه موحدة نتيجة المواصفات والتقاليد المتماثلة التي تعيشها.  

تناقش الرواية أزمة النشر العربي، لماذا رأيتِ أن هذه القضية تستحق أن تكون جزءًا من العمل الروائي؟ 

من أحلامي التي لم تتحقق أن امتلك مؤسسة للنشر وهدفي أن أقدم شبه مجانا الكتاب للقاريء، وطبعا فكرة وأمنية غير واقعية واعتبرها من العاطفية الخيالية التي يمتلكها فكري المتأثر بالرسم. فالمجتمعات كافة تقودها فكرة الأرباح فنحن نعيش في أجواء اقتصادية رأسمالية  ورغم أن الربح حق للجميع..


ما الرسالة التي أردتِ إيصالها بشأن معاناة الكُتّاب مع دور النشر؟

نعم هذا ما أردت، أن أوصل رسالة لدور النشر عن المعاناة. فأنا كنموذج لا أعرف كم طبع الناشر من كتبي وكم باع منها بأي سعر وكم كانت كلفة الإصدار وكم نسخة استحقها.. كل هذه الأسئلة لا أجوبة لها.

تنتقل الرواية بين مدن وثقافات متعددة فكيف انعكس ذلك على رؤيتك للسرد؟

هنا  أرجو أن أكون قد وفقت في ذلك، فحياتي ملخص لثقافات متعددة مختلفة تماما. جدي حلبي عربي من سوريا وجدتي عربية من جنوب البصرة قبل أن يتم تقليصها من قبل الاحتلال البريطاني في الحرب العالمية الأولى. وجدّ إنغليزي وجدة إنغليزية ربع  دمها به  لمحة فرنسية لذا أشعر انني تمتعت بتعدد الثقافات بل أغنتني.

اعتمدتِ على لغة تجمع بين الفصحى والعامية واللهجات العربية المختلفة، ما فلسفتك في هذا الاختيار؟

أرجو ان أكون قد وفقت بسرد واقعي لتعدد اللهجات التي عشتها عمليا.
 

إلى أي مدى يمكن اعتبار الرواية ابنة عصر التواصل الاجتماعي؟ 

عصر التواصل الاجتماعي الألكتروني لا يريحني وكلما أحاول رفضه يزداد شراسة وقوة. ربما أردت أن أبين رفضي لهذا النوع من التواصل الاجتماعي ولم أوفق اذ ما في اليد حيلة.

هل واجهتِ صعوبة في تحويل لغة "الشات" ووسائل التواصل إلى مادة روائية؟

نعم ناضلت وحاولت بكل جهدي أن أفعل ذلك. لا أدري النتائج يا ترى هل نجحت؟

معلومات عن الكاتبة:

مؤرخة وكاتبة في تاريخ الفن وروائية باللغتين العربية والإنغليزية ورسامة وباحثة ومحاضرة جامعية ومساهمة في المؤتمرات الدولية. ناشطة في الدفاع عن الحقوق الثقافية والعدالة وحقوق المرأة.

صدرت لها رواية "دعبول البلام" ورواية "نوار ماتت".

ترجمت سيرة الأميرة البابلية ماري أسمر و"الأنثى في ديانة العراق القديم". 

كما أصدرت مجموعة رسائل والدها سيرل بورتر التي تؤرخ للفترة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية (1915-1945 ) وأثرها في العراق. 

نشرت الكثير من المقالات بشأن الفن في الصحف العربية والانغليزية. 

أقامت معارض تشكيلية عدة في بغداد وبيروت ولندن ومسقط ونيوكاسل.