رياض القاضي: الرواية وطني البديل

الكاتب العراقي يعتبر العمل الأدبي الملاذ الأخير لاستعادة هيبة الجذور وتوثيق انكسارات الإنسان والذاكرة العراقية وصراع الهوية بين الشرق والغرب، مؤكدا أن الغربة منحتنه المسافة لرؤية المشهد بوضوح.

يُعد الكاتب والصحفي العراقي رياض القاضي أحد الأصوات الأدبية التي نجحت في ترويض التحولات العاصفة التي مر بها العراق، وصياغتها بلغة إنسانية تجمع بين السرد الواقعي والتأمل الوجداني. من أزقة بغداد حيث وُلد، وصولاً إلى ضفاف التايمز في بريطانيا، حمل القاضي معه وجع الذاكرة العراقية المزدحمة، ليقدم أعمالاً ترشحت لجوائز كبرى مثل "البوكر" و"نجيب محفوظ". في هذا الحوار، نبحر في عوالمه الروائية، ونستكشف فلسفته حول الغربة، الهوية، وصراع السلطة والمقدس.

• لنبدأ من البدايات، متى وكيف تشكلت ملامح الكاتب في داخلك؟

بدأت رحلتي مع الحرف في سن مبكرة جداً، تحديداً في الثالثة عشرة من عمري وسط أزقة بغداد. كانت القراءة حينها هي النافذة التي أطل منها على العالم، وما بدأ كـ "خربشات" وخواطر في الدفاتر المدرسية، نضج مع الوقت ليصبح ضرورة وجودية ووسيلة لتوثيق الذاكرة العراقية المزدحمة بالأحداث التي لا يجوز نسيانها.

• تتوزع تجربتك بين الصحافة والشعر والرواية.. أين يجد رياض القاضي نفسه أكثر؟

الرواية هي "الوطن البديل" الذي يتسع لكل هواجسي؛ فهي تستوعب تفاصيل الصحافة، ووجدان الشعر، وعمق الفلسفة. وإذا كانت الصحافة هي "المرآة اليومية" العاكسة للواقع، فإن الرواية تظل الأقرب لقلبي لأنها تمنح الكاتب نوعاً من الخلود في ذاكرة القارئ.

• إقامتك في بريطانيا وحصولك على جنسيتها.. كيف انعكس هذا الاغتراب على نصوصك ورؤيتك للحياة؟

الغربة منحتني "المسافة" الضرورية لرؤية المشهد العراقي بوضوح أكبر؛ فالإقامة في بريطانيا علمتني التنظيم والحرية في الطرح. هذا التمازج بين أصالة الشرق وانضباط وفلسفة الغرب جعل نصوصي أكثر شمولية وتسامحاً، وأعطاني القدرة على رؤية الوجع الإنساني من زوايا متعددة.

• في حديثك دائماً ما يتردد اسم نجيب محفوظ، كيف تأثرت بمدرسته؟

نجيب محفوظ هو المعلم الأول في "محلية الأدب". تعلمت منه أن الطريق إلى العالمية يبدأ من الحارة والزقاق. هذا الانعكاس يظهر في اهتمامي بالتفاصيل الدقيقة للشخصية العراقية، ومحاولتي بناء "ملحمة إنسانية" تشبه في عمقها ما قدمه محفوظ للرواية العربية، ولكن بنكهة المعاناة العراقية.

• كتابك "المصير: مذكرات مواطن عراقي" كان من المفترض أن يتحول لفيلم سينمائي.. هل نعتبره توثيقاً شخصياً أم جماعياً؟

هو مزيج بين الاثنين. تجربة الفرد في العراق هي بالضرورة مرآة لمعاناة الجيل كاملاً. في "المصير" حاولت أن أجعل من صوتي الشخصي صدىً لآلاف العراقيين الذين اختبروا مرارة الحروب وقسوة المنفى. الوجع العراقي جماعي بامتياز، والكتاب كان توثيقاً لهذه الرحلة التي كادت أن تصل للشاشة الكبيرة لولا الظروف المأساوية التي مر بها الوطن وأجلت المشروع.

• في رواية "مولانا السيد"، يبرز تساؤل حول ماهية ''السيد''، هل هو شخص أم رمز للسلطة؟

"السيد" في الرواية ليس مجرد فرد، بل هو رمز للسلطة المطلقة حين تتلحف بالمقدس. هو يجسد حالة "الاستلاب" التي يسقط فيها الإنسان عندما يسلم إرادته لرمز معين، سواء كان دينياً أو سياسياً أو اجتماعياً.

• وما سر التمزق الذي تعيشه شخصياتك بين الدين والسلطة؟

هذا هو الصراع الأزلي في منطقتنا. التمزق ينبع من محاولة التوفيق بين القيم الروحية وبين براغماتية السلطة وفسادها. شخصياتي تعيش قلقاً وجودياً مستمراً بحثاً عن خلاص في واقع يفرض عليها التبعية المستمرة.

• ننتقل إلى رواية "بيت القاضي"، ما هي القضية الجوهرية التي أردت طرحها؟

الرواية انطلقت من الحنين إلى الجذور. "بيت القاضي" هي محاولة لاستعادة "الهيبة" والأصول التي بدأت تندثر بفعل التحولات الكبرى. هي باختصار بحث عن "العدالة المفقودة" وصراع الأجيال في الحفاظ على المبادئ في زمن العرابين.

• أعمالك نالت اهتماماً أكاديمياً لافتاً، كيف تنظر لدخول رواياتك أروقة الجامعات؟

هذا الاهتمام يشعرني بفخر ومسؤولية مضاعفة. دخول أعمالي في دراسات الماجستير والدكتوراه يعني أنها تجاوزت مرحلة القراءة العابرة لتصبح "أثراً باقياً". الدراسات الأكاديمية تسلط الضوء على طبقات عميقة في نصوصي قد لا يدركها القارئ العادي، وهذا يثري تجربتي ويدفعني للتجويد دائماً.

• روايتك "أحدب بغداد" رُشحت للبوكر عام 2015 وحققت صدىً في بريطانيا.. ماذا تعني لك الترجمة؟

الترجمة هي "جواز سفر" الأدب. عندما نالت "أحدب بغداد" تقديراً في بريطانيا، تأكدت أن الوجع الإنساني لغته واحدة لا تحتاج لوسطاء. الترجمة تخرجنا من إطار المحلية لتضعنا في حوار حقيقي مع الآخر، وهو هدف أسمى لكل كاتب يعيش في المهجر.

• ختاماً، ما هو مشروعك القادم الذي تعكف على كتابته الآن؟

أعمل حالياً على عمل روائي ضخم يتناول "تقاطع المصائر" بين الشرق والغرب. أحاول من خلاله استشراف مستقبل الإنسان في ظل التغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم. هي تجربة مختلفة، سواء من حيث التكنيك السردي أو الجرأة في طرح التساؤلات الفلسفية التي تشغل بال إنسان هذا العصر.

بطاقة تعريفية: رياض القاضي

الميلاد: بغداد، العراق.

المسيرة: بدأ الكتابة في سن الـ 13، عمل في الصحافة البريطانية منذ عام 2012.

الجوائز: ترشحت روايته "أحدب بغداد" لجائزة البوكر (2015)، ورواية "مولانا السيد" لجائزة نجيب محفوظ.

الإصدارات: له أكثر من 20 كتاباً (روايات، دواوين شعرية، خواطر) منها: "المصير"، "نسرين أبجدية العشق"، و"بيت القاضي".