أميركا تريد تسوية عاجلة في ليبيا لتفويت الفرصة على روسيا

لقاء بيرنز بكل من الدبيبة وحفتر له أبعاد أمنية تتمثل أساسا في كبح أنشطة فاغنر في ليبيا ومواجهة أية خطط روسية لقطع إمدادات النفط والغاز الليبي عن أوروبا.
تحركات ويليام بيرنز تاتي في خضم جهود اميركية لمواجهة النفوذ الروسي في افريقيا
واشنطن تخشى أن تستخدم روسيا فاغنر لقفل الحقول والموانئ النفطية الليبية

طرابلس - مثلت زيارة مدير المخابرات الأميركية وليامز بيرنز إلى ليبيا منتصف يناير/كانون ثاني الجاري، ولقائه رئيس حكومة الوحدة عبدالحميد الدبيبة، وقائد الجيش الوطني الليبي خليفة حفتر مؤشرا واضحا على ان الملف الليبي تحول من مسألة دبلوماسية وصراع داخلي ليبي إلى قضية أمنية بالنسبة لواشنطن في خضم تصاعد النفوذ الروسي في أفريقيا ومحاولات موسكو لتضييق الخناق على أوروبا عبر قطع إمدادات الطاقة.
و لم يسبق وأن زار مسؤول أميركي بهذا المستوى ليبيا منذ ديسمبر/كانون أول 2011، عندما التقى وزير الدفاع الأميركي السابق ليون بانيتا، رئيس الحكومة المؤقتة برئاسة الراحل عبدالرحيم الكيب، ووزير دفاعه حينها أسامة الجويلي (قائد كتائب الزنتان حاليا)، بعد نحو شهرين من مقتل معمر القذافي، وسقوط نظامه.
ويعرف بيرنز انه من الشخصيات الأميركية المخضرمة التي تعرف ليبيا جيدا، فهو عراب إنهاء المشروع النووي الليبي الذي تخلى عنه القذافي طواعية بعد الغزو الأميركي للعراق عام 2003.
وكان بيرنز أول مسؤول أميركي يزور ليبيا بعد عودة العلاقات في 2004، كما زارها في 2014، بصفته مساعدا لوزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط.
وهذه الزيارة الرسمية الثالثة له إلى ليبيا، لكن بصفته مديرا للاستخبارات الأميركية هذه المرة، التي تولاها في مارس/آذار 2021.
توقيت مدروس

عودة العنف في ليبيا يخدم المصالح الروسية
عودة العنف في ليبيا يخدم المصالح الروسية

ولكل تكل المعطيات تمثل زيارة بيرنز في حد ذاتها حدثا يستحق التوقف عنده، رغم أنه لم يرشح عنه الكثير، ولكنه جاء بعد أحداث مهمة تعكس عودة البلاد إلى دائرة الاهتمام الأميركي.
وأبرز هذه الأحداث القمة الأميركية الإفريقية التي عقدت قبل شهر من زيارة بيرنز إلى ليبيا، والتي أعلنت واشنطن خلالها تخصيص 55 مليار دولار لإفريقيا لتقويض النفوذ الروسي والصيني في القارة السمراء.
وسقوط مدينة سوليدار الأوكرانية القريبة من باخموت (شرق) في يد عناصر شركة فاغنر الروسية بعد أيام من القتال العنيف، يثير قلق واشنطن أكثر من الدور الذي يمكنه أن تلعبه هذه الشركة الأمنية في ليبيا، قرب الخاصرة الجنوبية لحلف شمال الأطلسي (الناتو).
كما أن الزيارة جاءت بعد شهر من تسليم حكومة الوحدة الليبية مواطنها أبو عجيلة المريمي، المتهم بتصنيع القنبلة التي استخدمت في تفجير الطائرة الأميركية فوق بلدة لوكربي الأسكتلندية عام 1988، وما أثير حول التسليم من انتقادات داخلية لحكومة الدبيبة.
ناهيك عن إعلان الولايات المتحدة وحلفائها عن ضرورة البحث عن "آليات بديلة" في حال فشل مجلسا النواب والدولة الليبيين في الاتفاق على قاعدة دستورية، وهو ما حدث فعلا، ما سيدفع واشنطن للتحرك نحو إيجاد خيارات بديلة.
القوى الفاعلة
وتجنب مدير المخابرات الأميركية لقاء كل من رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، ورئيس المجلس الأعلى للدولة (نيابي استشاري) خالد المشري، فيه إشارة إلى احتمال توجه واشنطن نحو تهميش الرجلين، وتحميلهما مسؤولية عدم الاتفاق على قاعدة دستورية تفضي إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة.
لذلك اقتصر لقاء بيرنز على شخصيتين رئيسيتين في المشهد الليبي الحالي، أولها الدبيبة، بصفته رئيس الحكومة التي تملك الاعتراف الدولي، والمدعومة من أبرز الكتائب الأمنية في المنطقة الغربية والمسيطر الفعلي على العاصمة طرابلس وعلى ميزانية الدولة ومؤسساتها السيادية، وبالأخص البنك المركزي ومؤسسة النفط.
أما الشخصية الثانية، فهو خليفة حفتر، الذي تسيطر قواته فعليا على المنطقتين الشرقية والغربية، وتمكن من إخضاع مختلف الكتائب والمليشيات والجماعات المناوئة له، والتخلص من القيادات المتمردة على سلطته.
وعلى عكس ظهوره الرسمي مع الدبيبة وعدد من المسؤولين الليبيين، إلا أن بيرنز تجنب أي إعلان أو ظهوره في صورة مشتركة مع حفتر.
ما أعطى انطباعا أن واشنطن لا تعترف بشرعية حفتر "كقائد عام للجيش الوطني الليبي"، لكنها تقر به كأمر واقع في المنطقتين الشرقية والغربية.
وسبقت زيارة بيرنز، توجه وفد من قادة كتائب المنطقة الغربية إلى الأردن بالتزامن مع توجه صدام حفتر، نجل قائد الجيش الوطني الليبي إلى البلد ذاته.
وكان هناك تسريبات عن لقائهم بممثلين عن وكالة الاستخبارات الأميركية لبحث أمرين، تأمين زيارة بيرنز إلى طرابلس وبنغازي، وبحث إمكانية الوصول إلى تفاهمات بين الطرفين، وفق وسائل إعلام محلية وأجنبية.
النفط وفاغنر والانتخابات

مخاوف اميركية من استخدام روسيا لفاغنر في ليبيا على غرار اوكرانيا
مخاوف اميركية من استخدام روسيا لفاغنر في ليبيا على غرار اوكرانيا

ولم يصدر عن الاستخبارات الأميركية أي بيان عن نتائج زيارة بيرنز إلى ليبيا، لكن وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش، تحدثت في تغريدة أن اللقاء في طرابلس شهد "تبادلا مثمرا في الآراء بشأن قضايا تتعلق بالأمن، وبتمهيد الطريق صوب الاستقرار وإجراء الانتخابات في ليبيا".
بينما أفاد بيان لحكومة الوحدة، أن بيرنز، أكد خلال اللقاء على "ضرورة تطوير التعاون الاقتصادي والأمني بين البلدين".
غير أن صحيفة "بوليتيكو" الأميركية، كانت أكثر وضوحا عندما كشفت أن بيرنز بحث مع الليبيين قضايا مكافحة الإرهاب، وإنتاج النفط والغاز، وكذلك العلاقات مع روسيا، وأنشطة فاغنر في ليبيا.
فمكافحة الجماعات الإرهابية ما زال أولوية أميركية، رغم تراجعه أمام التهديد الصيني والروسي.
لذلك تركز واشنطن على ليبيا ضمن رؤية أشمل في صراعها مع روسيا، خاصة في الحرب الأوكرانية وتداعيتها على أمن الطاقة العالمي.
وليبيا أصبحت قطعة أساسية ضمن لعبة الشطرنج التي طرفاها واشنطن وموسكو، نظرا لتواجد فاغنر بها، وامتلاكها لأحد أكبر احتياطيات النفط والغاز في إفريقيا.
ومصلحة واشنطن أن لا يؤدي انهيار العملية السياسية في ليبيا إلى اندلاع حرب جديدة تكون فاغنر طرفا فاعلا فيها، وأن يستمر تدفق النفط والغاز الليبيين حتى لا يعمق أزمة الطاقة في أوروبا، مع تراجع إمدادات الطاقة الروسية خاصة بعد قرار تسقيف أسعارها.
فالإنتاج الليبي من النفط تجاوز سقف 1.2 مليون برميل يوميا متفوقا على الجزائر، وأحيانا حتى على نيجيريا أكبر منتج للنفط في إفريقيا بعد تراجع إنتاجها لأسباب أمنية.
وتخشى واشنطن أن تستخدم روسيا فاغنر لقفل الحقول والموانئ النفطية الليبية لزيادة الضغط على أوروبا، وأيضا لتجنيد مقاتلين ليبيين في صفوفها للقتال في أوكرانيا.
فالضغط الأميركي لا يشمل ليبيا فقط بل أيضا دولا أخرى تنشط بها فاغنر في تجنيد المرتزقة على غرار صربيا، التي ندد رئيسها ألكسندر فوتشيتش، علنا بهذا النشاط.
وتأتي الانتخابات الليبية تاليا، إذ ليس من المستبعد أن يسعى بيرنز إلى تقريب وجهات النظر بين الدبيبة وحفتر لتشكيل حكومة مشتركة تشرف على الانتخابات، بعيدا عن أي دور للبرلمان بغرفتيه.
فهناك طبخة أميركية تحضر في سرية شديدة، تضمن استمرار وقف إطلاق النار وتدفق النفط والغاز، وإنهاء نشاط فاغنر وتشكيل سلطة تنفيذية تسيطر على كامل ليبيا وقادرة على إجراء الانتخابات وتأمينها.