أول عمل ماركسي حول وضع المرأة في روسيا

عالية الروسان تترجم كتاب "المرأة العاملة" لناديجدا كروبسكايا أحد مؤسسي نظام التعليم العام بالاتحاد السوفيتي سابقا.


كروبسكايا رغم سلامة سريرتها من لوثة الرغبة في الظهور، فإن اسمها كانت له مكانته البارزة 


الرأسمال لا دين له ويبتدع يوميا أدوات نهب واستغلال جديدة

تفتتح هذا الكتاب "المرأة العاملة" لناديجدا كروبسكايا أحد مؤسسي نظام التعليم العام بالاتحاد السوفيتي سابقا، أربع دراسات جاءت بمثابة مقدمات أولها للناشر، والثانية للمترجمة، والثالثة للباحثة رلي أبودحو، والرابعة للباحث عبدالمطلب العلمي. وقد تتبعت الحركة النسوية وأهمية الكتاب ودور كاتبه، باعتباره ـ الكتاب الذي كتب عام 1899 ـ وفقا لأبودحو المحاضرة في معهد دراسات المرأة في جامعة بيرزيت، يمنح "المعنى الحقيقي للنضال من أجل انتزاع الحقوق ويخلق وعيًا بأهمية الجماعة وتضامنها لتحقيق الانتصارات الطبقية وأيضا المجتمعية والوطنية".
الكتاب الصادر عن مؤسسة أروقة للدراسات والترجمة من ترجمة عالية الروسان بمطابقة مع الأصل الروسي لعبدالمطلب العلمي، يمثل أول كتيب لكروبسكايا في المنفى السيبيري حيث انخرطت في الحركة العمالية وارتبطت حياتها بشكَّل نهائي بالأوساط البروليتارية، فأصبحت تعطي دروسًا لمحو الأمية للعمال مساء الأحد في سان بطرسبرج، وعملت بكل نشاط وحيوية في نشر الأفكار الثورية وسط العمال بفضل النقاشات والأنشطة المدرسية، التي مكَّنتها من أن تتأقلم مع ظروف حياتهم وعملهم. هذا الاحتكاك بالعمال، وضعها وجها لوجه أمام حقيقة الحياة الصعبة لحياة عمالية انبثقت من تطور صناعي قوي عرفته روسيا في أواخر القرن الـ 19، فتشبثت بشدة بإدانة التناقضات الاجتماعية الحادة التي كانت تعرفها روسيا، والتزمت بدراسة الحياة التي تحيط بها، بتناقضاتها واضطراباتها الاجتماعية بحرص شديد، وبحثت عن أسباب الظلم المنتشر، وأيضا عن وسائل وضع حد لها، فقرأت بشراهة المؤلفات ذات الصدى الاجتماعي لكتَّاب روس وأجانب، ودرست مؤلفات الاشتراكية العلمية، مثل كارل ماركس وفردريك إنجلز.
ويلفت العلمي أنه في عام 1894 التقت كروبسكايا بالماركسي الشاب فلاديمير أوليانوف (لينين). وشاركت معه في تنظيم أنشطة "اتحاد النضال من أجل تحرير الطبقة العاملة". وفي عام 1896 ألقي القبض عليها وسجنت لمدة سبعة أشهر، ثم تم نفيها إلى مقاطعة أوفا، ومن هناك إلى سيبيريا، في قرية شوشينسكوي. حيث عقد قرانها في عام 1898 على لينين. وانضمت في ذات العام إلى الحزب الاشتراكي الديمقراطي لعموم روسيا. وقد برزت كشخصية ثورية وكاتبة في التصور الشعبي من قبل شخصية لينين. أهمية عملها ينبع من كونه أول عمل ماركسي حول وضع المرأة في روسيا. تحلل فيه بتعمق بعض أسباب افتقار النساء إلى الحقوق في ظل القيصرية. وهي تدعو النساء إلى الانضمام إلى صفوف المقاتلين من أجل حياة أفضل، على قدم المساواة وإلى جانب العمال الرجال.

الشيوعية
مثال ساطع لما تعنيه الزوجة الشيوعية الثورية

الكتاب ألحق به عدة مقالات كتبتها كروبسكايا في فترات لاحقة من حياتها، حيث رأت المترجمة عالية الروسان أنها تعكس التحوّلات التي طرأت على العمل الثوري، استجابةً لمتطلبات الواقع، وانعكاسا لمشاركة كروبسكايا الفعلية والمحورية في العمل النضالي الثوري السرّي والعلني، منذ بدايات الثورة الاشتراكيّة، إلى التثقيف النظري والعملي لاستكمال بناء الاشتراكيّة.
وتكشف الروسان أن هذا الكتاب جاء "نتاج تجربتي المتواضعة في ترجمة بعض النصوص الماركسية، التي بدأت بمشروع تثقيف ذاتي حول إرث الماركسية، حيث بدأت تجربتي البحثية من واقع وضعي الاجتماعي كامرأة يتنازعها العديد من التجاذبات الحادة والقاسية، بين سلاسل الماضي والرجعية الاجتماعية والدينية والنظرة الدونية للمرأة، ومعاملتها ككائن عاجز محدود حتى في كينونته الإنسانية، وبين صوت الحرية الليبرالية، فالزائف ينادي بانعتاق فردي تنسلخ المرأة فيه عن كيانها الاجتماعي والطبقي ويحوّلها من ركيزة ممكنة لتحرير مجتمعها إلى عدوّ له ولذاتها في نفس الوقت. الزيف الليبرالي الذي يخلق وهم عدوّ اسمه الرجل والذكورية، للتشويش على العدو الحقيقي والمسبب الأساسى لظلم الإنسان في كل مواقعه وهو الرأسمالية والاستعمار والاضطهاد الطبقي والقومي. إذ تروّج الليبراليّة للحريّة في إطار الفرد، أي أن يمتلك الفرد حريّة مطلقة، بشرط ألا يشكِّل أي تهديد لنظامى النهب والاستبداد، منغمساً في ذاته وأهوائه، في وجود فقد مده الاجتماعي وبالتالي أي أمل بخلق تغيير حقيقي وجذري. تنامت قناعتي يوماً بعد يوم بأنّ الشيوعية هي الفكر الوحيد الذي يحمل في طيّاته معنى التحرر الحقيقي للإنسان، الإنسان المتحقق بكل طاقاته الممكنة، وبأنّها ترعى بذور المجتمع الإنساني العادل الممكن، المتكافل والمتعاون الذي فيه يتحرر الإنسان من كل القيود التي تقصم الظهر والروح".
وتضيف أن ناديجدا كروبسكايا رغم سلامة سريرتها من لوثة الرغبة في الظهور، فإن اسمها كانت له مكانته البارزة ومساحته المهمة في تاريخ النضال الثوري للاشتراكية وتأسيس الشيوعية، وبفضلها تأسس منهج التثقيف الشيوعي للشغيِّلة من الرجال والنساء والرواد الثورية، وبشغلها نائب مفوّض التربية في جمهورية روسيا الاتحادية الاشتراكية السوفييتية، تمكنّت من رسم الخطوط الأساسية في عملية تحويل النظرية الى منهج بيداغوجي تعليمي وتثقيفي، ليصل إلى جميع أفراد المجتمع، مما يسهم في التنوير الإنساني وتوسيع آفاق الفرد وتطُلعاته، ليتعلّم وليتفكر الجميع في النظرية، فيغتني الإسهام الفردي في المجتمع على المستويين النظري والعملي، وتتحقق مشاعيّة العلم للجميع. 
إنّ بناء الشيوعية لا يعني فقط بناء المصانع الضخمة ومصانع للدقيق. ليس هذا أساسيًا، لكنه ليس كافيًا بمكان لبناء الشيوعية. ينبغي على البشر تنمية العقل والقلب. وبالبناء على هذه التنمية الفرديّة، سيتم على المدى البعيد تأسيس جماعة اشتراكية عظيمة من نوع جديد، حيث تندمج أنا" و"نحن" في وحدة لا تتجزأ. مثل هذه الجماعة لا يمكن أن تتطور إلّا على أساس التضامن الأيديولوجي العميق، والتقارب العاطفي الصادق والفهم المتبادل. 
قدمت كروبسكايا زوجة لينين مثالاً ساطعا لما تعنيه الزوجة الشيوعية الثورية، فلم تنضو في دور الزوجة التقليدية، المخلصة في توفير المناخ المناسب لزوجها المفكر المقاتل الثائر، ليعمل بأقصى درجة ممكنة من الراحة، بل كانت لفلاديمير إليتش لينين، رفيقة وشريكة صنوًّا في الفكر والروح والعمل، ولم يخل أي عمل نظري، أو نشاط ثوري أو تنظيمي للينين من مشاركتها وبصمتها الفكرية.
وتقول رلى أبودحو في مقدمتها "أكثر من قرن ونصف القرن مرت على البيان الشيوعي ومجمل الفكر الماركسي الذي أسس لرؤية نقدية لعلاقات العمل قائمة على فهمنا للطبيعة الاستغلالية لعلاقات الإنتاج الرأسمالية، فيما شكَّل كتاب رأس المال لماركس المفتاح الأهم لفهم تلك العلاقات. وإن كان البعض قد اعتقد مع زمن العولمة وانهيار المنظومة الاشتراكية، بأن الماركسية كنظرية وكأداة لفهم وتفسير العالم لم تعد مجدية، فإن الصراع الدائر اليوم على صعيد العلاقات الاقتصادية العالمية من جهة وعلى المستوى الرأسمالي المحلي من جهة ثانية. وحيث السياسة هي تعبير مكثف عن الاقتصاد، فإن الأزمات الاقتصادية العالمية خاصة تلك التي عصفت بالرأسمالية الأميركية في عام 2008 وتبعاتها على الاقتصاد العالمي، قد طرحت بقوة مرة أخرى ضرورة العودة للمنظور الماركسي لفهم مستجد العلاقات الرأسمالية وطبيعتها، وبالتالي انتزع رأس المال مرة أخرى من على الرفوف ليعاد استخدامه كمنهجية للتحليل الملموس للواقع الاقتصادي والسياسي المستجد. 
وتؤكد أن عملية الاستغلال الرأسمالي في جوهرها الأساسي ما زالت قائمة، وإن جرى عليها تطور في ميكانيزماتها وتمظهراتها، وكان منظِّرون ماركسيون عديدون أبرزهم ألتوسير وسمير أمين، تصدوا نظرياً لفهم هذه العلاقات مطورين سلسلة من مفاهيم ماركس وأبرزها، تقسيم العمل العالمي، دور الأيديولوجيا والثقافة، تصدير فائض القيمة، التراكم الرأسمالي العالمي، وغيرها من المفاهيم، علماً بأن طبيعة علاقات العمل على المستوى العالمي، كما على المستوى المحلي، ما زالت قائمة على علاقة الاستغلال بين المستَغِل والمستَغَل، الرأسمالي والعامل، عبر نهب فائض القيمة، إن كان على مستوى العالم عبر علاقة المركز والمحيط، استغلال الشمال للجنوب، أم على مستوى المنشأة الرأسمالية المحلية.

وتوضح أبودحو أنه من هنا تأتي أهمية إعادة الاعتبار وقراءة المنتج الفكري الماركسي، وهي إعادة إنتاج تنطلق من استخدام المخزون المفاهيمي الماركسي لفهم ملموس لواقع ملموس، بعيداً عن الجمود والوقوف عند لحظة تاريخية، بل بقدر ما هي جزء من التراكم المعرفي في اللحظة التاريخية بعلاقته بمجمل التطورات التاريخية ضمن فهمنا للربط التاريخي الجدلي المحكم. كل ذلك فيما تشكِّل النساء العاملات جزءًا مركزيًا من الأيدي العاملة والمتأثرة فعليا من عملية الاستغلال العالمي السالفة الذكر، بل وإنَّ الاستغلال الذي تخضع له النساء ووفق الفهم الماركسي هو مركَّب طبقي/ اجتماعي حيث التحالف والترابط التاريخي بين مصالح الرأسمال والأبوية. ولقد شكَّل جيش الطبقة العاملة من النساء أداة استغلال إضافي على حساب العمال أيضا كما ورد في كتيبنا هذا، وهي آليات استغلال ما زالت مفاعيلها قائمة لليوم. فيما النساء العاملات اليوم يعشن واقع استغلال بشعٍ ضمن الاقتصاد العالمي المتعدي والعابر للحدود والقوميات. إنها ظروف لا تبتعد كثيرا عن تلك المشخَّصة هنا في الكتيب خاصة من ساعات عمل طويلة، ظروف بيئية وصحية معدومة، بلا تأمينات صحية أو اجتماعية، أو بلا عقود عمل. وكأننا ما زلنا نعيش ظروف العمل مع نشوء الرأسمال الصناعي في أوروبا.
وترى أنه مع كل التحولات الاجتماعية والسياسية اليوم في الوطن العربي والتي حملتها السنوات الماضية، فإن قضية المرأة وحقوقها في المجمل، والمرأة العاملة بالخاص هي من المسائل المركزية المطروحة اليوم على أجندة العمل النقابي والسياسي والنسوي، وبجردٍ سريعٍ لأوضاع المرأة العربية نرى أنها ما زالت تعيش الإقصاء من الحيز العام الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، وهي مساهمة منخفضة في سوق العمل الرسمي وفجوة أجور عالية مقارنة بالرجل، حقوق قليلة تخص النساء الأمهات، لا تأمينات اجتماعية، النسبة الأكبر في سوق العمل غير المنظم أو غير المهيكل، وبرواتب أقل من الحد الأدنى للأجور في مجمل الدول العربية، فهي في العمل غير الرسمي/ غير المهيَّكل، وفي المنشأة العائلية حيث جهدها غير معترف به وغير مرئي، ولا يحسب ضمن الإحصاءات الرسمية. 
ورغم أن مساهمة النساء الاقتصادية في القطاعين الرسمي المهيَّكل/وغير الرسمي المهيَّكل، تعد جزءًا من اقتصاد الأسرة ومن أسباب بقائها خاصة لدى الطبقة المتوسطة والفقيرة، فأنها لا تعد معيلًا أساسيًا، ولا يعترف بها كمنتج في العائلة. ناهيكم عن القوانين المختلفة المجحفة في حقها التي تعتبرها مواطنة درجة ثانية وثالثة، ويتربع قانون الأحوال الشخصية على رأس تلك القوانين التي تسهم في تبعية النساء وقمعها، مما يجعلنا على قناعة تامة بأن النساء يعشن هذا الاضطهاد والاستغلال في سوق العمل وفي الأسر على حد سواء تسهم الدولة كنظام سياسي/ والرأسمال الاقتصادي/ والنظام الأبوي في قمع المرأة واستغلالها واضطهادها. قد تكون ظروف العمل ما بعد أكثر من قرن على هذا الكتيب قد تحسنت بمعنى منشآت أفضل صحيا! أو رواتب أفضل، ساعات عمل أفضل، ولكن بالمحصلة والجوهر ما زالت لا تبتعد كثيرا عن تلك القديمة إن لم تقترب منها في بعض قطاعات العمل في البلدان والدول الفقيرة، فالرأسمال لا دين له ويبتدع يوميا أدوات نهب واستغلال جديدة.