أيها الغرابُ البعيدُ متى موعدُ الحفرِ؟

الموهبة قد تموت وتنتهي بالتدريج إذا لم يستطيع الشاعر تطويرها واستثمارها أقصى إستثمار عن طريق الاطلاع على تجارب الآخرين.


نصّ الشاعرة حنان وليد يحلينا إلى حالة من الندم والألم والخيبة


أخي بالعراء تجمّدت أطرافُ بنانه، كيف أحفر؟

مما لا شكّ فيه أنّ الموهبة قد تموت وتنتهي بالتدريج إذا لم يستطيع الشاعر تطويرها واستثمارها أقصى إستثمار عن طريق الاطلاع على تجارب الآخرين والاستفادة منها والاتكاء على المخزون المعرفي لديه، وتسخير الخيال الخصب في إنتاج وكتابة كتابات متميّزة ومتفرّدة تحمل بصمته الخاصة التي عن طريقها يُعرف ويُستدلّ بها على إبداعه، وقد تموت أيضا إذا لم تجد التربة الصالحة والمناخ الملائم لإنضاجها، وقد تنتهي حينما لمْ تجد مَنْ يحنو على بذورها التي تبذرها ويعتني بها ويُسقيها من الينابيع الصافية والنقيّة، فلا بدّ من التواصل والتلاقح مع تجارب الآخرين الناجحة والعمل على صقل هذه الموهبة وتطويرها والاهتمام بها وتشجيعها والوقوف إلى جانبها قبل أن تُجهض. 
ولم تعد قوالب الشعر الجاهزة ترضي غرور شعراء السرد التعبيري لذا حاولوا ونجحوا في الانفلات من هذه القوالب ومن هيمنتها ولو بشكل محدود (في الوقت الحاضر)، وتجلى هذا من خلال طرق كتابة النصّ والموضوعات التي يتطرق إليها، وترسخت فكرة التجديد لديهم وخطّوا لهم طريقا مغايرا في كتاباتهم، وصاروا يواصلون الكتابة ويأخذون منحى آخر لهم بعيدا عما هو سائد الآن في كتابة قصيدة النثر. صارت القصيدة أكثر حرّية وانفتاحا على التجارب العالمية،  لقد منحت السرديّة التعبيريّة لكتّابها الحرية والواسعة والفضاء النقيّ الشاسع والانطلاق نحو المستقبل خاصة حينما يكون التعبير أكثر شبابا وصدقا عن المشاعر الحقيقية المنبعثة من القلب الصافي كالينبوع العذب، فلقد أحسّ الشاعر بمهمته الصعبة في الكتابة بهذا الشكل الجديد والمختلف والذي نؤمن به وبقوّة، فنحن نؤمن وعلى يقين بأنّ القصيدة السردية التعبيريّة هي قصيدة المستقبل لقدرتها على  الصمود والتطوّر المستمر نتيجة التجربة الطويلة والتراكم الإبداعي، بروعة ما تقدّمه وتطرحه على الساحة الشعرية.
وقد أضافت الشاعرة العربية إلى جمالية السرديّة التعبيريّة جمالا آخر وزخما حضورياً وبعثت روح التنافس وحرّكت عجلة الإبداع فكانت بحق آيقونة رائعة. 
القصائد التي كتبتها المرأة في السرد التعبيري كانت معبّرة بصدق عن اللواعج والالام والفرح والشقاء والحرمان والسعادة، بثّت فيها شجونها وخلجات ما انتاب فؤادها، ولقد أزاحت عن كاهلها ثقل الهموم وسطوة اللوعة، وجسّدت في قصائدها آلامها ومعاناتها في بناء جملي متدفق، منحت المتلقي دهشة عظيمة وروّت ذائقته وحرّكت الإحساس لديه. كانت وستظلّ زاخرة بالمشاعر والاحاسيس العذبة ومتوهّجة بفيض من الحنان، نتيجة الى طبيعتها الفسيولوجية والسايكولوجية كونها شديدة التأثر وتمتاز برقّة روحها فانعكس هذا على مفرداتها وعلى الجو العام لقصائدها، فصارت المفردة تمتلك شخصية ورقّة وعذوبة وممتلئة بالخيال وبجرسها الهامس وتأثيرها في نفس المتلقي، فكانت هذه القصائد تمتاز بالصفاء والعمق والرمزية المحببة والخيال الخصب والمجازات ومبتعدة جدا عن المباشرة والسطحية. 
كانت عبارة عن تشظّي وتفجير واستنهاض ما في اللغة من سطوة، كل هذا استخدمته بطريقة تدعو للوقوف عندها والتأمل وإعادة قراءتها لأكثر من مرّة لتعبر عن واقعها المأزوم وعن همومها وهموم النساء في كل مكان. فرغم مشاغلها الحياتية والتزاماتها الكثيرة استطاعت الشاعرة ان تخطّ لها طريقا واضحا وتتحدّى كل الصعاب وترسم لها هويّة واضحة الملامح، فلقد بذرت بذورها في أرض السرد التعبيري ونضجت هذه البذور حتى أصبحت شجرة مثمرة. 
لقد وجدنا في النصوص المنتخبة طغيان النَفَس الأنثوي واحتلاله مساحة واسعة فيها معطّرة برائحتها العبقة واللمسات الحانية والصدق والنشوة، فكانت ممتعة جدا وجعلت من المتلقي يقف عندها طويلا منتشيا، وحققت المصالحة ما بين الشاعرة والمتلقي وهذا ما تهدف إليه الكتابة الإبداعية.
البوح التعبيري:
هو وصف العالم وطلب الخلاص بطرح رؤية فردية عميقة للحياة والعالم وما هو واجب ومفترض، فتكون معاني الأشياء غير معانيها.
تبقى القصيدة السردية التعبيرية والمنبثقة عن قصيدة النثر متجددة لا تشبه أي قصيدة أخرى تبحث عن متلقي منتج يستطيع قراءتها بطريقة إبداعية ويشارك الشاعر في قصيدته، فمتى ما تحرّرت من القوالب الجاهزة استطاعت أن تتسيّد بتواضع وتمنحنا الكثير من الشعرية والجمالية والرسالية، ومتى ما تخلّصت من الرتابة والمباشرة والمألوف وسخّرت الخيال وكانت مهذّبة رشيقة بلا زوائد أو نفايات وتنفتح على الزمن الشاسع وتتجاوز المكان واستلهام التراث وتسخير الأسطورة لفكرتها، كانت حيّة يتجدد شبابها دائما وتنفتح على آفاق رحبة من القراءات المتعددة والتأويل وتحقيق حالة التلاقي ما بين الجمهور والشاعر وكانت مدعاة إلى قراءتها بطريقة إبداعية واستكشاف مواضع الجمال والإبداع فيها.

واقع مأزوم
جمالُ صوت المرأة في السرديّة التعبيريّة

إن التعبيرية في اللغة تعتمد على التوظيفات في ثلاثة مستويات كما يقول الدكتو: انور غني الموسوي وهي / مستوى النصّ كقول وتركيب لفظي معنوي / ومستوى التجربة كعالم من المعاني والحقول الفكرية المعنوية / والمستوى الوسيط ما بينهما الناتجة عن القراءة عند المتلقي. 
وكما تقول د. نادية هناوي في كتابها "أميرة الرهان" إنّ النقد فنّ قبل أن يكون علما وهو مكمل إبداعي لا وجود للإبداع دونه، وهو يتمم عمل الشاعر حين يقرّبه من أذهان المتلقين، مشاركا معه إبداعه لا واقفا حجر عثرة بين الشاعر ومتلقيه . فلا بدّ من الوقوف أمام الكتابة الإبداعية والإشادة بها وبعوالمها المعتمدة على / النصّ والكتابة / الفكرة واللغة / الخيال والإبداع / والشعور والمتعة. 
وبالعودة الى نصّ الشاعرة حنان وليد "ندم"، يحلينا هذا النصّ الى حالة من الندم والألم والخيبة، فنحن إذا امام زخم شعوري عنيف وحالة من النكوص والخيبة، فعبر هذا العنوان سنعيش ونتعرف على الجو النفسي وخلجات الروح للمرأة الشاعرة ومساحة عالمها الموحش ومعرفة هوية الذات الشاعرة. فمثلا نقرأ للشاعرة "على طريق الخطيئةِ تحتضرُ بقايا النفسِ العالقةِ بوجهِ عاصفةِ الألوانِ تُغطي ما عُريٓ من شفاهِ جسدٍ غوى التكوين الاول".
لغة الغواية والمراوغة بعيدا عن المدلول اللغوي الواقعي ومقدار الانزياح اللغوي الجميل لديها "تنفضُ ما تبقى من ذرات شكٍّ يساور الخلجاتِ، يهبطا مرتجفين بختمِ الأله كأوراقِ الخريفِ عند مخاصمةِ أعضانِ الشجرِ".
نجد هنا اختفاء صوت الشاعرة وتجلّي في تفجير طاقات اللغة وتناسقها الرشيق والعذوبة الشديدة وعالم مفعم بالجمال من الإيحاء والنغمّة بالرمزية المحببة "أرضٌ بالقرب من كهفِ الصنوبرِ ينبتُ من ثمرةِ البكارةِ عروقاً ودماً، شبّٓ التخاصمُ محاطاً بعينِ العقلِ التائهةِ بين بكري الخليقة، أمام مقام الأعالي كبراً وتمردا، مستقبلاً رفض قربانٍ بتصدع روحه التى كساها القبحُ، حاقداً، يمضى قدماً في غيّهِ مسخراً يدي البأس قابضةً لفناء البار".
هكذا تستدرجنا الشاعرة إلى عالمها الشعري باستخدامها النثر والشعرية العالية البوح لتهيئنا إلى تقبّل فكرتها وتكشف عن مقدرتها في صياغة اللغة عبر هذا الخيال الإبداعي: "أيها الغرابُ البعيدُ متى موعدُ الحفرِ؟".
هنا تقحمنا الشاعرة بهدوء في تناص قرآنيّ مستلهمة من قصة الأثم والجريمة هذه الإشارة لتفجر فينا صورة الشرّ وصراعه المستمر مع الخير: "أخي بالعراء تجمّدت أطرافُ بنانه، كيف أحفر؟؟؟".
إننا نرى ونسمع ونتلمس هذا العالم القبيح والمزيّف من خلال هذا البوح المدافع عن الإنسان والحق: "لأخفي سوءتي، أدفنُ مجدٓ من سارٓ إلى حتفهِ باقتدار في بطن الأَرْضِ الثكلى تقبّل دمٓ هابيلٓ".
إنها الخطيئة المتمثّلة بقصة "قابيل وهابيل" تلك الجريمة التي استمر تأثيرها ووجودها عبر كل الأزمنة وفي كل الأمكنة: "أتعلمُ أنا أولُ قاتٍلٍ سكنٓ اللعنُ روحي وطوّق عنقٓهُ".
إنه الشعور بالندم الفظيع ومرارة الهزيمة واللعنة المصاحبة لهذه الذات المنغمسة بالحقد والأنانية ومرفقتها الدائمة مما جعل هذه الذات تعيش حالة من اليأس والانكسار: "في اي قاربٍ نحن الآن؟ أعرنا بوصلةٓ أحجارِ القمرِ علناً نلقي دربٓ مدخراتِ القمحِ بأجنحةِ الفراشِ بضوءِ قنديلها الخافتِ تحت ظلِّ عرشِ المرجانِ السابع".
وأخيرا تضعنا الشاعرة أمام هذا السؤال المرعب بعدما فقدنا بوصلة المكان والزمان: "في أي قارب نحن الآن" نجد الآن أنفسنا في قارب تتقاذفه الأمواج لكثرة الفتن وانتشار الظلم والطغيان على هذه الأرض.
استطاعت الشاعر حنان وليد أن تلوّن نسيجها الشعري بهذا الصوت العالي والبوح التعبيري مستلهمة من تاريخ هذه الواقعة لتعيدها إلى أرض الواقع وخلق حركية مستمرة داخل النصّ لتثير المتلقي، وربط الماضي بالحاضر وخلق هذا العالم وكشف زيّفه وقسوته، وبثّ حالة المتعة والدهشة لدى المتلقي المنتج الباحث عن قراءة واعية والمتفاعل إيجابيا مع الشاعر. 
لقد كان عالم الشاعرة شاسعا ويفتح أبوابا كثيرة للتأويل وتعدد القراءات نتيجة هذا التوتر وتوالد الانفعالات والتحايل على المتلقي، كل هذا جاء عن طريق هذه الكتلة اللغوية المتماسكة البناء. لقد كانت اللغة مطاوعة للشاعرة في رسم هذا الوهج اللغوي وسعت إلى تحقيق ملامح السردية التعبيرية بوضوح، كل هذا كان عبر مخيال الشاعرة اليقظ والمتأمل للواقع ومشكلاته، كانت الشاعرة تعي ما تريد قوله فكانت قريبة منّا وحققت حالة من التآلف، وعبّرت أصدق تعبير عن الحياة والواقع وصنعت هذه الوتيرة المتسارعة في النصّ وهذا ما يُحسب لها.
النصّ:
على طريق الخطيئةِ تحتضرُ بقايا النفسِ العالقةِ بوجهِ عاصفةِ الألوانِ تُغطي ما عُريٓ من شفاهِ جسدٍ غوى التكوين الاول.
تنفضُ ما تبقى من ذرات شكٍّ يساور الخلجاتِ، يهبطان مرتجفين بختمِ الأله كأوراقِ الخريفِ عند مخاصمةِ أعضانِ الشجرِ.
أرضٌ بالقرب من كهفِ الصنوبرِ ينبتُ من ثمرةِ البكارةِ عروقاً ودماً، شبّٓ التخاصمُ محاطاً بعينِ العقلِ التائهةِ بين بكري الخليقة أمام مقام الأعالي كبراً وتمردا، مستقبلاً رفض قربانٍ بتصدع روحه التي كساها القبحُ، حاقداً، يمضى قدماً في غيّهِ مسخراً يدي البأس قابضةً لفناء البار، يصرخُ من فمهِ الخدرُ بدّدهُ الأفقُ البعيدُ، طافت صلواته بلسانٍ نادمٍ عبر الغيمِ المتثائب لأذن النفق المكتظ بالركاب المقيدين بمعاصي حبالِ الدموعِ دون سماعٍ.
أيها الغرابُ البعيدُ متى موعدُ الحفرِ؟ قد ظماءه الانتظارٓ!! ما بالك؟ أخي بالعراء تجمّدت أطرافُ بنانه، كيف أحفر؟؟؟ لأخفي سوءتي، أدفنُ مجدٓ من سارٓ إلى حتفهِ باقتدار في بطن الأَرْضِ الثكلى تقبّل دمٓ هابيلٓ، أتعلمُ أنا أولُ قاتٍلٍ سكنٓ اللعنُ روحي وطوّق عنقٓهُ، في أي قاربٍ نحن الآن؟ أعرنا بوصلةٓ أحجارِ القمرِ علّنا نلقي دربٓ مدخراتِ القمحِ بأجنحةِ الفراشِ بضوءِ قنديلها الخافتِ تحت ظلِّ عرشِ المرجانِ السابع.