أُنسي الحاج .. شاعر أخطأ طريقه

تجربة الشاعر اللبناني تتميز بعدم التزامها بأطر مدرسية ولا بتيارات شعرية معينة.


الناقدة خالدة سعيد فطنت إلى خصوصية نصوص أُنسي الحاج


التمرد يعتبرُ صفة للوديع الذي يضيق صدره بالظلم وهو ليس نابعاً من الحقد والحسد أو من غضب أحمق

بقلم: كه يلان مُحمد

الشعرُ انزياح عن كلام متداول أو كما يقولُ مالارميه "خلق لغة جديدة داخل اللغة" وذلك لا يتم دون الثورة على نمطية اللغة وتحريرها من أداتيتها إلى أن تكتسب وظائف جديدة في سياقات أدبية. والشعر بدوره يؤسس لعلاقة غير مألوفة بين الإنسان وما حوله، وهذا ما يؤكد عليه أدونيس، إذ الشعرُ يُعينُ الإنسان على أن يرى الأشياء من منظور مُختلف كما يخرجُ من أسوار التعاريف الشائعة عندما يتذوق الرؤية من نافذة الشعر.
تجربة الشاعر اللبناني أُنسي الحاج تتميز بعدم التزامها بأطر مدرسية ولا بتيارات شعرية معينة، بل هي تحولتْ إلى مثال يُحتذى، فتلك التجربة الفريدة لها تأثير منبه يوقظ ما هو كامن أصلاً لدى القراء على حد قول عبدالقادر الجنابي، إذ تعامل صاحب "لن" بأسلوب مميز مع المفردات دون أنْ يكون ملزماً بما تفرضه الكليشيهات والقوالب المُصاغة على مقاس الإتجاهات الآيدولوجية، فقد أرسل من خلال عنوان مجموعاته الشعرية إشارات تُنبىء بما يمتلكه من القدرة على تطويع اللغة وبناء صور شعرية غير معهودة.
فطنت الناقدة خالدة سعيد إلى خصوصية نصوص أُنسي الحاج مشيرة إلى "أنَّ النص الذي يتقدم هو الفوري المُتدفق المُتَمَرِد حيثما اتجه دفقه فَتَحَ له طريقاً أكانت الأقصوصة وألوان السرد أم المحاورة أو النشيد". 

المقطع المعنون باسم زوجته ليلى يفيضُ حباً وحناناً فهو يقدم اعتذاره لشريكة حياته من أنانيته ويُسميها بالأُم الثانية

من هنا لا يُمكن مقارنة أًنسي الحاج كحالة شعرية بغيره من الشعراء العرب والأجانب بل هو انطلق بدون مرجع يرسمُ له مسالك شعرية لذلك تبسطُ لغته جناحها على فضاءات رحبة، كما تتصف قصائده بميزة المجانية والإحالة إلى المجهول لأن الشعر كما يقول مُحَمَد علي شمس الدين مجهول يبحث عن مجهول.
يواصلُ صاحب "ماذا صنعت بالذهب وماذا عملت بالوردة" مغامراته مع اللغة ويُحلقُ في آفاق فلسفية، كما يقارب موضوعات إشكالية في آخر ما تركهُ بعنوان "كان هذا سهواً" دار أنطوان. إذ ما تراه على الغلاف من علامة تعرفية "نصوص غير منشورة" تُحَضِرُ ذهنك لإستقبال نصوص غير مقيدة وهي تدور في فلك موضوعات متنوعة.
ذكرت ندى الحاج في مقدمتها الضافية للكتاب أنها قد انتقت العنوان من بين النصوص فعلاً هي قد وفقت في إختيار هذا العنوان لما يجمع في رنينه من السخط والقسوة في توصيف الحياة، كما تلمس النزعة الشوبنهاورية في دال العنوان إذ يعتبر صاحب "العالم إرادة وتمثلاً" بأنَّ الوجود البشري نوع من الخطأ، زيادة على ذلك فأنَّ أُنسي الحاج يعقدُ علاقة تواصلية مع الأسئلة الدينية والقضايا الفلسفية كما تحملُ بعض فقرات كتابه أفكاراً نيتشوية، ويتوقفُ عند شبكة من الرغائب الإنسانية المُهلِكة ويكشف النقاب عن نمو قدرة التمثيل لدي الإنسان منذ بدء الخليقة إذ يظهر الإنسان في صورة كائن يُتقنُ فن التحايل فهو يعتبر بأن قابيل كان أكثرُ صفاء في سريرته من أحفاده القتلة لأنَّه عجز في إخفاء حسده وجشعه، كما يقدم تصوره لحالة الشعوب المقهورة التي يحْكُمها العملاءُ والأوصياءُ قُدِرَ لها أن تُقْتَل أو تسكتَ عن قتلها، إضافة إلى ذلك يرى بأن العقلَ سبب للجنون بعكس ما فهمنا بأنهما نقيضان لا يلتقيان. ومن ثُمَّ يعالجُ الإلتباس في فهم الثورة والتمرد.
إذ يعتبرُ التمرد صفة للوديع الذي يضيق صدره بالظلم وهو ليس نابعاً من الحقد والحسد أو من غضب أحمق، بالمقابل فإن الثورة هي حراك اجتماعي هدفه الإستيلاء على السلطة، كما أنَّ الثورات لا تخلو من الإجرام والإنتهازية ترفضها في سلطات قائمة. هنا يتناغمُ رأيُ صاحب "الرأس المقطوع" مع ألبير كامو فالأخير يعتقدُ بأنَّ الثورة تبدأ بمطالبة العدالة والمساواة والحرية وتنتهي بإقامة مراكز الشرطة. 
وما يلفت الإنتباه في هذه الشذرات المحملة بتساؤلات وجودية هو تركيز كاتبها على مفهوم الموسيقى، إذ يتعمقُ أُنسي الحاج في الحديث عن قطبين في عالم الموسيقى أُم كلثوم وفيروز.
يرى أنَّ كوكب الشرق تُخاطبُ المستمعَ على طريقة خطيب عظيم بينما تخطابه فيروز بصوت صبية خائفة تحمل الطمأنينة. فضلاً عن ذلك يبدو تأثر أنسي الحاج بنيشتة واضحاً في رؤيته للموسيقي إذ يتفق الاثنان على أن ما أنقذ الحياة من العبث هو الموسيقى، كما تُمثِلُ الموسيقى لغة الإرادة لدى كل من نيتشة وأُنسي الحاج، فالأخير يتصور بأن الإنسان حتى في تخيلاته لا يستغني عن الموسيقى. بل هي متغلغلة في مسامات روحه، بتصور الحاج أن طبيعة لغة الموسيقى تُعين الموسيقار على ترجمة روحه بأروع مما يفعله سائر المُعَبرين، هكذا تكون الحياة بكل ما فيها من الطقوس والأعياد والمناسبات غير مكتملة دون وجود الموسيقى.

 

بجانب ذلك فإنَّ أنسي الحاج أحياناً يغادرُ موقع الشاعر لينتقدَ واقع الفكر والثقافة في مُجتمعاتِنا وما وصل إليه من حالة التفسخ، إذ يعتقد بأنَّ الكتب التي تتداولها أيدي القراء بدلاً من أن تكون عاملاً لتحرر العقل فهي تُثقِلُ العقول بمزيد من القيود، الأكثرُ من ذلك فإنَّ ما يقوله أنسي الحاج عن علاقة الإنسان بالطبيعة يُذكرك بتشيخص هايدغر لسوء تعامل الكائن الإنساني مع مُحيطه الطبيعي، فبرأي الفيلسوف الألماني أن البعد الجمالي يغيب في نظرة الإنسان للطبيعة، ويفكر حسب منطق نفعي محض، وهذا ومن تابع نتاجات أنسي الحاج يَستشفُ تَسُربَّ أثرَ ما قدمه في مجموعاته الشعرية إلى عمله الأخير خصوصا فيما يتعلق بصفات ومشاعر إنسانية مثل الغيرة والحسد والحُب حيثُ تنصهر هذه المشاعر رغم تنافرها داخل بودقة واحدة، فهو يعبر في مقطع من ديوان "لن" عن شدة غيرته على حبيبته قائلاً. أغار عليك من الطفل الذي ستلدينه لي، من المرآة التي تُرسلُ لك تهديك بجمالك، من حبكِ لي من فنائي فيك.. تجد هذا الأحساس في "كان هذا سهواً" في قالب نثري، حيثُ يؤكد بأنَّ الحُبَّ غالباً ما يتحولُ إلى غيرة أقتل من الحسد.
هنا لا بُدَّ أن نُشير إلى أن المقطع المعنون باسم زوجته ليلى يفيضُ حباً وحناناً فهو يقدم اعتذاره لشريكة حياته من أنانيته ويُسميها بالأُم الثانية، لم يودعنا أنسي الحاج قبل أن يَصوغَ من الكلمات صوراً نابضةَ بحيوية أفكاره معبرة عن توهج روحه وتوقه إلى التجريب، يغطي أنسي الحاج في "كان هذا سهواً" كل ما يخص الحياة البشرية من صخب الولادة إلى رهبة الموت. هنا ترى أنسى الحاج الشاعر قد أخطأ الطريق لذلك ودخل إلى طوره الفلسفي، لإنَّ الفلاسفة هم مجرد شعراء قد أخطأوا طريقهم على حد تعبير الفيلسوف الوضعي أدولف كارناب.