فوزي المعلوف ملاك لبنان الحزين

شاعر لبنان كان شابا يجمع بين وسامة الملمح، وأناقة المظهر، وتوقد البصيرة ورهافة الحس ويسر الحال.


شعره كان المرآة التي عكست تقلب النفس المعذبة والقلب الحزين


أصاب الشاعر في البرازيل حظا عظيما من النجاح

في الحياة نصادف صنفا من الناس يبدو غريبا مختلفا عن غيره من الناس لا نملك إزاءهم إلا التأمل في خفايا سرائرهم والتفكير في مسارات حياتهم وربما أسلمنا هذا التأمل والتفكير إلى الحيرة ثم التسليم بأن لله في خلقه شؤونا. 
كذلك كان شاعر لبنان بل ملاكه فوزي بن عيسى اسكندر المعلوف (1899-1930) شابا جمع بين وسامة الملمح، وأناقة المظهر، وتوقد البصيرة ورهافة الحس ويسر الحال والشائع أن كل من يجمع بين هذه الصفات الفريدة والامتيازات النادرة أن يقبل على الحياة إقبال المتفائل، ويسعى في دروبها سعي الواثق من نفسه بقلب ينضح سرورا ونفس مطمئنة إلى نجاحها فيما أقبلت عليه من علم أو عمل، ولكن شاعرنا ما نضجت نفسه سرورا ولا امتلأ قلبه بالثقة في الحياة والناس، بل أسلم نفسه إلى حزن غامض دفين وقلبه إلى بلبال وعقله إلى بحران. 
كان شعره المرآة التي عكست تقلب هذه النفس المعذبة وهذا القلب الحزين، ولئن كانت زحلة التي ولد بها شاعرنا أواخر القرن التاسع عشر، مهوى الأفئدة ومهبط الإلهام للشعراء والفنانين بما أفاء الله عليها من جمال الطبيعة والوجوه، لم تستطع هذه الجنة الأرضية أن تثني الشاعر عن حزنه العميق وسويدائه المعذبة، وهو مدين في عبقريته الشعرية لبلدته وأسرته معا، فوالده عيسى اسكندر المعلوف أديب مشهور وأخواه رياض وشفيق شاعران مطبوعان وآل المعلوف في لبنان أسرة لامعة جمعت بين النجاح في العلم والعمل معا، وقد خدمت هذه الأسرة الجليلة الأدب العربي خدمة لا سبيل إلى إنكارها أو التقليل منها، تماما كما تشهد الثقافة العربية بفضل آل اليازجي وآل البستاني وتراثهم الفكري والأدبي خيرما تركت هذه الأسر العريقة للأدب والفكر العربي.

شاعرنا الشاب امتلك ناصية اللغة فلا تجد في شعره ركاكة أو إسفافا أو إخلالا بقواعد اللغة وقواعد الشعر

كان فوزي في صباه شعلة متوقدة من الذكاء، وحزمة حارة من المشاعر النبيلة، وميلا فطريا إلى الشعر تذوقا وقرضا، وأتاح له جو الأسرة الأدبي ومناخ زحلة الفكري، ثم تمكنه من الفرنسية انطلاقة أدبية وثابة وتحليقا فكريا شامخا يأخذ من الشعر القديم الزاد البياني الذوقي ويلقح ذلك كله بثمرات الثقافة الفرنسية في الشعر والفكر حتى استوى شاعرا قديرا حق للبنان أن يفاخربه شعراء مصر والعراق وسوريا الكبار.
ولأن أهل لبنان أحفاد الفينيقيين سادة البحار، تعاف نفوسهم الركود، يسعون في الأرض كأنهم في وطنهم بلا خوف أو إحساس بالدونية فلا يلبثون أن يصبحوا سادة المجتمعات التي عاشوا في رحابها علما وعملا ويصبح سعيهم الناجح مضرب المثل، وهم إن اختلطوا بالمجتمعات الجديدة وتمكنوا من لغاتها وعاداتها وأساليب عملها وحياتها حتى لكأنهم أهلها الأقحاح لا ينسون وطنهم لبنان ولا لغتهم الأم العربية، بل كانت تلك الهجرة فأل خير وبشارة يمن أكسبتهم تجارب ويسر مادي وخبرة عميقة بالحياة وبالنفس الإنسانية، فجاء أدبهم في لغته العربية أدب النضج والاستواء، كذلك كان شعر الشاعر القروي وإلياس فرحات وسعيد الشرتوني وشفيق المعلوف وغيرهم.
ولقد هاجر شاعرنا فوزي المعلوف عام 1921 إلى البرازيل مع أسرته واستقر في مدينة "ريودي جانيرو" حيث أنشأ مع أسرته معملا لإنتاج الحرير من دودة القز، ويبدو أن طبيعة الشاعر فيه المنطوية على حب الحرية والنفور من الرتابة ومن أغلال الوظيفة قد انتصرت فيه فترك حينها الوظيفة كمدير لمدرسة المعلمين في دمشق ثم أمين سر عميد كلية الطب، ولبى نداء الغربة والمغامرة في المهجر الجنوبي .
ولقد أصاب الشاعر في البرازيل حظا عظيما من النجاح جعله من أعيان المدينة ونابهيها ورجال الأعمال فيها، وكان في سيرته وعمله مضرب المثل لولا أن القدر شاء للشاعر مسارا آخر هو مسار العطب والزوال في ميعة العمر ونضارة الشباب فقد توفي متأثرا بإصابته بالحمى في مستشفى مدينة "ريودي جانيرو" وحزنت زحلة لفراق فتاها النابه وشاعرها الغريد. 
غلبت على شاعرنا إذا نزعة التشاؤم ومال إلى الحزن العميق الذي لا تتبينه عامة الناس، ذلك أن أثره لا يظهر على الوجه، ولكن حزنه ظهر في شعره الذي احتوى على فلسفته في الحياة. لقد كان روحا شفافة تشبعت بفلسفة "رهين المحبسين" وصاحب "اللزوميات" أبى العلاء المعري. كما تشبعت بأفكار ومعاني "رباعيات" الخيام الداعية إلى نهب اللذات قبل الموت وإلى التحسر على عطالة الحياة، وجريان الزمن في اتجاه إعطاب الإنسان وجعل لحظات المتعة مجرد ذكرى.

شعر فوزي المعلوف
الشعر الحي السلس 

فوزي المعلوف شاعر الرومنطيقية الحزينة، كان نفسا شفافة وروحا قلقة معذبة لم يجد في أطايب الحياة ومتعها إلا فخا يقود الإنسان – في غفلة منه- باتجاه العدم ومخدرا يخدر الإنسان عن معضلة الفناء، لذا لم ينخدع الشاعر بصحة أو وسامة أو غنى أو عبقرية وظل يقظ الحواس قلق الضمير شارد اللب كئيب النفس حتى وهو يتصنع الضحك أو وهو يظهر بمظهر المتفائل مراعاة لآداب اللياقة. يقول:
مرحبا بالعذاب يلتهم العي ** ن التهاما، وينهش القلب نهشا
مشبعا نهمة إلى الدم حرى ** ناقعا غلة إلى الدم عطشـــى
فتراه كشعراء الرومنطيقية يذكر العذاب كأنه يتعمد به ويتطهر من أوصاب الحياة وأمراضها، وهذان البيتان من آخر ما كتب الشاعر كما يروي كتاب سيرته، وأما تأثر شاعرنا بأبي العلاء المعري فظاهر لا يخفى، وإنما الحيرة تأخذ صاحبها إن تساءل أكانت فلسفة فوزي تأثرا بفلسفة المعري، أم أن الشاعر جبل على الحزن ومال إلى التشاؤم ووجد في رفقة المعري ولزومياته خير جليس وأنيس؟
وهاهو يذكر المعري تصريحا:
من يمت ألف مــرة كل يوم ** وهو حي يستهون الموت مرة
تعب كــــــلها الحياة وهــــذا ** كل ما قــــال فيلسوف المعره
لقد كان شاعرنا صاحب تفكير حر وعقل نفاذ وبصيرة حية لا يميل إلى التسليم بما ورث عن الآباء من نمط تفكير وفلسفة، بل ينفذ إلى أعماق المعنى كاشفا غثه من سمينه وصحيحه من زائفه، واقرأ له هذا المقطع الجميل وهو إن يبدو لقارئه مقطعا رومنطيقيا حزينا إذ يذكر الورود والنسيم والبهار إلا أنها رومنطيقية مفكرة عميقة التأمل ترى في مظاهر الوجود مسارب إلى الفناء والعدمية:
نظرت إلي وردة وقالــــت ** أنت مثلي في الكون للكون كاره
ويح نفسي من الربيع ففيه ** أجتنى بين آسه وبهـــــاره
ومن الصيف فهو يحرق أكمامي ** على رغمها يلفحة ناره
بل ترى الشاعر وهو يكتب قصيدة عن قفاز عثر به ملقى على الثلج في يوم اشتد زمهريره سقط من غيداء، تراه دون أن يدري يذكر البعد والعذاب والذل والهجر وهي مشاعر سكنت لاوعيه واستوطنت سراديب روحه وتلافيف مخه فتلون كل شيء كان يراه بلون واحد هو السواد يقول الشاعر عن القفاز اللقيط:
عثرت به في الأرض والثلج باسط ** عليها جناحيه النقيين كالطـــهر
وقد بث فيه البرد والثلج رعشـة ** كما انتفض العصفور بلله القطـر
فساءلته عمن رماه فلم يجد جوابا ** بلى كان الجواب شذا العطـــر
فلا مناص من الإقرار إذا بأن شاعرنا كان شاعر الحزن العميق والكآبة الغامضة، قد انتهى في تفكيره إلى عقيدة راسخة وقناعة ثابتة مفادها أن كل سعادة ونجاح في الحياة وكل عافية وغنى ووسامة ما هي إلا أعراض خادعة وسراب مضلل يتستر على هاوية العدم وقرار الفناء وتلك هي حقيقة الوجود ولا ريب أن شاعرنا أبا العلاء المعري هو فيلسوف هذا الاتجاه في الشعر العربي وتجد لحزن الشاعر هذا نظيرا عند لفيف من شعراء الرومنطيقية العرب الشباب كأبي القاسم الشابي وصالح الشرنوبي وبشير يوسف التيجاني، بل تجد له نظيرا عند شعراء الرومنطيقية في الأدب الغربي كجون كيتس وشلي ولامارتين وألفريد دي موسيه وشاعر إيطاليا الكبير ليوباردي. ولا شك أن هؤلاء جميعا قد أحسوا بالوحدة وبالغربة كأنهم ليسوا من طينة البشر فصادقوا الطبيعة ووجدوا في القلم الخل الودود وكأنهم يقولون جميعا بلسان فوزي:
يا يراعي مازلت خير صديق ** لي منذ امتزجت بي وستبقى
باسما من تعاستي حين أهنا ** باكيا من تعاستي حين أشقى
وقد اشتهر الشاعر بمطولة "على بساط الريح" ولقب من أجلها بشاعر "الطيارة" وهي ملحمة شعرية تمجد الصفات الإنسانية النبيلة في الشاعر الحالم الوديع الذي يتنزه عن سفاسف الحياة وأدران الحياة الإنسانية، إنه يسامر النجوم ويصادق الكواكب ويناغي القمر ويتعمد بالنور، ولا حد لأحلامه التي لا تشبه أحلام البشر في النجاح الدنيوي والرفاه المادي، ذلك أن الشاعر ينطوي على روح نورانية ونفس محصنة ضد المطامع البشرية الفانية، وفي القصيدة كعادة الشاعر تأمل في طبيعة العلاقات الاجتماعية بين البشر وثورة ضد الاستغلال والطبقية وحسب البشرية أن الفناء لها بالمرصاد:
أنا عبد الحياة والموت أمشــي ** مكرها من مهــودها لقبوره
عبد ما ضمت الشرائع من جور ** يخط القوى كل سطــــوره
بيراع دم الضعيف له حـــبر ** ونوح المظلوم صوت صريره
وعلى الرغم من أن الشاعر عاش شابا ومات يافعا إلا أنه يتصنع أحيانا حكمة الشيوخ وخبرة من بلغوا من الكبر عتيا غير أن حكمته تأتي مستساغة يتقبلها القارئ دون أن يرى فيها تكلفا، لأن نفس الشاعر مفطورة على التشاؤم والميل إلى الكآبة يقول حكيمنا الشاب :

بين أوجاع أمـه دخل المهــد ** وبين الأوجاع يدخل قبره
إن من جاء مهده مكرها يمضي ** إلى لحده غدا وهو مكره
واقرأ له هذا المقطع يخاطب فؤاده وتأمل الحكمة الكامنة في البيت الأخير:
يا فؤادي وأنت مني كلي ** ليت حكمي يوما عليك يصح
فيك كنز لم تعط إلا قليلا ** منه والحسن لا زال يلــح
إن جود الفقير بالنزر جود ** حيث جود الغني بالوفر شـح
والذي لا خلاف فيه بين النقاد أن شاعرنا الشاب قد امتلك ناصية اللغة فلا تجد في شعره ركاكة أو إسفافا أو إخلالا بقواعد اللغة وقواعد الشعر، وأنى له أن يفعل ذلك وهو سليل بيت تمرس بدراسة اللغة العربية وأتقنها خطابا وتأليفا، وشاعرية فوزي خلاقة لا تتكلف الشعر بل ترى الشعر ينبجس من نفسه بتلقائية تماما كما ينبجس الماء من النبع، وفي شعره حلاوة وطلاوة على الرغم من تضمنه فلسفة حومت حول مرارة الوجود ولوعة الفراق وفجيعة الموت، وقد عشق الشاعر الطبيعة وحسبه أنه ابن زحلة ملهمة الشعراء والفنانين لجمالها الفتان فاقتبس مفرداته من الطبيعة على عادة الشعراء الرومنطيقية إمعانا في الاندغام في الطبيعة والحلول فيها ولو عاش الشاعر طويلا لأمتعنا بالشعر الحي السلس ولو أمهله القدر حتى الأربعينيات لركب موجة شعر التفعيلة، ذلك أن نفسه كانت بركانا مفطورة على الثورة والتمرد والتعلق بالحرية والبحث عن المعنى واطراح القشور حرصا على اللباب، ولربما كان شعر التفعيلة الذي لو عاش له ومارسه أجود وأمتع من الشعر العمودي الذي تركه ميراثا أدبيا لنا، ومن يدري لربما كان في شعره الحديث في مستوى كبار الشعر الحديث ورواده كالسياب ونازك الملائكة وصلاح عبدالصبور .