إخراج الاميركان من العراق بين المكافأة والمعاقبة

يتعامل السياسيون الشيعة على ان خروج القوات الأميركية من العراق نصر لهم. أنظر من المستفيد.


المكونات الرئيسية الثلاثة في العراق قلقة ومتوترة ولا تثق ببعضها


الكرد والسنة يرحبون ببقاء الأميركان ليس حباً بهم بل من أجل تجنب الفوضى


أقلية من الشيعة تطالب بانسحاب القوات الاجنبية

المكونات الرئيسية في العراق، الكرد والشيعة والسنة، كل منها قادرة على لعب دور مهم في خلط الاوراق وترتيبها وفي إخلال وضبط المعادلات والتوازن في الملفات المهمة في البلاد، وفي إعادة رسم الخرائط. وجميعها تدرك أن الاستهانة بدور أي منها تجاوز للدستور ولعب بالنار، مع ذلك تعيش حالة ترقب وانتظار لما سيذهب اليه الأمور.

الثلاثة قلقة ومتوترة ولا تثق ببعضها في العمل البرلماني والسياسي والحكومي، والتقارب بينها مرتبط بعوامل مختلفة، وقد يفشل هذا التقارب في أية لحظة، لأن قدرته على البقاء والإستمرار، رغم التأكيدات على عدم التفريط به، مسألة غير محسومة. أما القطيعة بينها، فتولد الفراغ الذي يسمح للآخرين ممارسة سياسة إشعال الحرائق، وتسهم في امتداد التدخل الخارجي وتحريك الخلايا الإرهابية المستيقظة، للنيل من قوة وعافية الجميع.

أقلية من الشيعة، وهنا نذكر كلمة "أقلية" لأن الذين صوتوا، في بداية السنة الماضية، في البرلمان العراقي، لصالح إخراج القوات الاجنبية من العراق، وبالذات الاميركية، لا يمثلون سوى قلة قليلة من المكون الشيعي، لعدة أسباب، نذكر منها:

·    نسبة المشاركة في الانتخابات التشريعية في المناطق الشيعية كانت ضئيلة جداً، لذلك فإن النواب الشيعة الخاضعين لتأثيرات الضوضاء والصوت العالي للإعلام، يمثلون فقط النسبة السكانية التي صوتت لهم. أي ما يقارب ربع عدد الذين كان يحق لهم التصويت، وهذا ينطبق على النواب الكرد والسنة أيضاً.

·    عدد النواب المشاركون في التصويت على ردة الفعل، أقل بكثير من عدد نواب المكون الشيعي، وهذا يعني عدم وجود إجماع شيعي حول القرار.

·    رفض الشارع الشيعي للنواب الموجودين في البرلمان، وهذا ما تم ملاحظته بجلاء خلال التظاهرات الجماهيرية غير المحسومة التي سادت في المناطق الشيعية من خلال مهاجمة وحرق مقرات الأحزاب الشيعية ومنازل ممتلكات النواب والسياسيين الذين يؤكدون ويشددون على السلبيات ويكررون البرامج الإنشائية المعلبة.

هؤلاء يعتبرون إخراج الأميركان من العراق، وبالتالي تراجع دورهم، نصراً لهم، وباباً ستفتح على مصراعيها للتمدد الأكثر، والاستفادة منه وتوظيفه لصالحهم، وأداة ضغط مهمة وورقة رابحة لحصولهم على الدعم الايراني، وستسمح لهم بتعزيز وجودهم وإعادة تمركزهم. ويظنون (وبعض الظن إثم) سيحجم الدور الكردي والسني اللذين رفضا إخراج وطرد الأميركان من العراق، رغم تحفظاتهما الكثيرة تجاه الأداء الأميركي خلال المراحل السابقة.

الكرد والسنة يرحبون ببقاء الأميركان، ليس حباً بأميركا أو تماشياً مع سياساتها، بل من أجل الحفاظ على الهدوء الهش الموجود، لأنه أفضل بكثير من الفوضى. ويريدون بقاء الاميركان لمنع عودة داعش لممارسة أعماله البشعة ونشر الخراب والدمار. ومنع الإستفراد بالسلطات، من قبل شخص لا يعترف بالشرعية والقوانين والمواثيق والقرارات، ويستند على الميليشيات الوقحة المنفلتة التي لا يوجد لديها أساساً أي إحساس بالمسؤولية تجاه المكون الشيعي قبل المكونين السني والكردي.

لذلك لو أرادت المكونات الثلاثة إعادة التفكير في الأمور بهدوء، وتحركت ضمن الواقع لصنع مستقبل بعيد عن الإثارة الإعلامية، ولو شاءت إمتحان قدرتها الحقيقية على العمل السياسي والنيابي والتنفيذي الموحد والتقارب فيما بينها، ولو فهمت المغزى الموجود بين سطور رسائل التطميع والترغيب والترهيب الخارجية، ولو وضعت المصالح العامة للبلاد ولمكوناتها تحت المجهر مرة أخرى، فإنها سترى حقيقة مفادها: من أجل التغلب على العوائق، لا بد من الصبر والتحمل والخطة والفكر، والإلتزام بالتوجهات التي تتميز بالرزانة والحكمة والتعقل، والتمييز بين مكافأة الآخرين ومعاقبة العراقيين، ولابد من تقديم بعض التنازلات، والبحث عن آليات مناسبة للمضي في إجراءات بناء الثقة أولاً، مروراً بتفاهمات مبدئية في هذا الملف وملفات عديدة مختلفة، والوصول في النهاية الى إتفاقات شاملة تخدم حصول كل طرف على ما يريد.