إصلاح القطاع المصرفي العراقي ضرورة ملحة لدعم الاستثمار والتنمية
بغداد – يُعاني القطاع المصرفي في العراق من مشكلات هيكلية وإدارية كبيرة، مما جعله عاجزاً عن أداء دوره الفعّال في دعم الاستثمار والتنمية. ويزداد الحديث مؤخرا حول تشريع قوانين جديدة لإصلاح هذا النظام بما يتناسب مع تطورات المرحلة الراهنة.
وبالنظر إلى التحولات الاقتصادية العالمية والمتطلبات المحلية، أصبح العراق بحاجة ماسة إلى إصلاح النظام المصرفي وتعزيز دوره في خدمة الاقتصاد الوطني، إذ أنه يواجه العديد من التحديات أولها قِدم التشريعات إذ أن معظم القوانين المصرفية وُضعت منذ عقود ولم تُواكب التطورات الاقتصادية والمالية الحديثة.
وقال الخبير الاقتصادي عبد الرحمن الشيخلي، إنه "على الرغم من مرور ثلاثة عقود على تغيير النظام السياسي، لم ينتبه المشرعون، وخاصة مجلس النواب، إلى قِدم القوانين الاقتصادية المعمول بها منذ عشرات السنين"، مبيناً أن "العديد من هذه القوانين لم تعد صالحة للمرحلة الحالية، مثل قانون رقم 111 لسنة 1969 المعدل الذي لا يزال العمل به سارياً ويتضمن فقرة تتعلق بغرامة مالية قدرها 100 دينار".
وأشار الشيخلي في حديث الى وكالة شفق نيوز المحلية إلى "أهمية تعديل القوانين وتحديثها وفق متطلبات العصر والحاجة الفعلية"، مضيفاً أن "المادة 28 من قانون المصارف لا تجيز التعامل في العملات، ما يؤدي إلى تدهور أعمال المؤسسات المصرفية التي تُعد العمود الفقري للاقتصاد".
وتابع "من الضرورة إعادة النظر بمجمل القوانين الاقتصادية والمصرفية، بما فيها القوانين التي وضعها بول بريمر في ظرف خاص خلال فترة غزو العراق وما تزال سارية المفعول".
وما يزال الاعتماد على الأنظمة التقليدية في التعاملات المالية، يضعف الكفاءة ويزيد من مخاطر الفساد. فيما الكثير من المواطنين يفضلون التعامل نقداً بدل إيداع أموالهم في البنوك بسبب ضعف الثقة بالمصارف. لاسيما مع انتشار التجاوزات في بعض البنوك الحكومية والخاصة نتيجة غياب تشريعات صارمة وآليات رقابية متطورة.
كما أن ضعف التمويل للمشاريع وصعوبة حصول الشركات الصغيرة والمتوسطة على قروض، يحدّ من النمو الاقتصادي.
ويطالب الكثيرون بقوانين جديدة عصرية تواكب المعايير الدولية وتعزز الشفافية والحوكمة، من بينها تشريع للتحول الرقمي يلزم المصارف بالانتقال إلى الخدمات المصرفية الإلكترونية، مثل الدفع الإلكتروني والبطاقات الذكية. وقوانين لمكافحة غسل الأموال أكثر صرامة ومرتبطة بالمعايير الدولية لمكافحة تمويل الإرهاب.
بالإضافة الى قوانين لحماية المودعين تمنح الثقة للمواطنين وتشجعهم على التعامل مع المصارف بدلاً من الاقتصاد النقدي الموازي. وتشريعات لدعم الاستثمار تُمكّن المصارف من تمويل المشاريع التنموية وتسهيل دخول رؤوس الأموال الأجنبية.
لكن هناك خبراء يرون أن الوقت لم يعد يسمح بتشريع قوانين جديدة لإصلاح النظام المصرفي، لأن ذلك يحتاج إلى زمن طويل، ومن الأفضل العمل على تحديث القوانين الحالية استناداً إلى صلاحيات الحكومة الاتحادية والبنك المركزي العراقي.
وأشار المستشار الاقتصادي لرئيس مجلس الوزراء، مظهر محمد صالح إلى أن "الوقت لا يصلح لتعديل المواد القانونية الخاصة بالمصارف، لأن تلك قضية تشريعية متصلبة وبطيئة، ومن الممكن ترتيب الأوضاع الاقتصادية والمصرفية انطلاقاً من القوانين الحالية التي تتضمن المرونة".
وبحسب صالح، فإن الإصلاح القانوني الشامل يحتاج إلى وقت طويل، ومن الممكن العمل على ذلك مستقبلاً، موضحاً أن الإصلاح المصرفي لا يحتاج إلى استحداث قوانين، فالقوانين موجودة، وتحديثها يقع على عاتق الحكومة والبنك المركزي، من خلال القيام بجملة من الإجراءات الخاصة وضمن الصلاحيات، لتحديث السياسات المصرفية والمالية.
وكان البنك المركزي العراقي قد تعاقد في وقت سابق مع شركة "أوليفر وايمن" لإجراء مراجعات ودراسات تتعلق بالقطاع المصرفي العراقي ضمن خطة لتحديث وتطوير القطاع.
ويعاني القطاع المصرفي العراقي من جملة من التحديات، تتمثل بعمليات فساد، إضافة إلى الإجراءات الروتينية وعدم ارتقاء الأداء بما يتناسب والتطور التكنولوجي، فضلاً عن صعوبة الاندماج في النظام المصرفي الدولي بسبب العقوبات الأميركية.
ورغم الجدل حول تشريع قوانين جديدة أو تعديل القديمة إلا أن إصلاح النظام المصرفي في العراق لم يعد خياراً ثانوياً، بل ضرورة وطنية، إذ إن التشريعات الكفيلة بتعزيز الشفافية والرقمنة وحماية المودعين ستجعل المصارف أداة رئيسية في تحقيق الاستقرار المالي ودفع عجلة التنمية الاقتصادية في البلاد.