إلا رسول الله كلمة حق أريد بها باطل‎

موارد المتوسط في قلب الصراع الفرنسي التركي. أردوغان يعرف هذا واستعد له جيدا.


أكثر الفقهاء تشددوا في التاريخ لم يبيحوا القتال بمن يعيش خارج ديار الإسلام


غياب صوت العقل في العالم الإسلامي هو الذي جعل الشعوب غوغائية


الصراع مع فرنسا يخدم الأجندات التركية والاخوانية وهو ليس دفاعا عن الرسول

من الواجب قبل الدخول في فهم أبعاد القضية الحالية المثارة بخصوص الإساءة إلى النبي من قبل فرنسا أن نفهم الحكم الشرعي المستند إلى النصوص الثابتة فيما يتعلق بهكذا قضايا ولو تم تطبيق الحكم الشرعي لما احتجنا إلى كل هذه الغوغائية المثارة اليوم والتي تقف خلفها أهداف حزبية وسياسية ولا علاقة لها بالدين الإسلامي الحنيف.

أتكلم هنا بصفتي أزهريا متمكنا من نصوص الكتاب والسنة وفهم دلالاتها وأحكامها ولن أذكر الكثير من النصوص وسأكتفي بذكر نصين من الكتاب والسنة بشكل مختصر. يقول تعالى: "واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا". ولعله لا يحتاج شرحا معقدا ولكن اللافت هو جملة هجرا جميلا أي حتى في تجاهلك عما يقولون من أذية يا محمد اجعله تجاهلا جميلا وهو ما يظهر في النص الثاني كمثال للآية من حديث عائشة في صحيح البخاري أن اليهود أتوا النبي فقالوا السام عليك (السام هو الموت) قال وعليكم فقالت عائشة السام عليكم ولعنكم الله وغضب عليكم فقال رسول الله مهلا يا عائشة عليك بالرفق وإياك والعنف أو الفحش وفي رواية لأحمد فقال مه إن الله لا يحب الفحش ولا التفحش قالوا قولا فرددناه عليهم فلم يضرنا شيء.

المسلمون اليوم ليسوا بهذه الأخلاق بل نجد يوميا ملايين الشتائم القذرة وفحش القول ردا على ماكرون والرسوم الكاريكاتيرية بل هناك تمجيد في كثير من الأحيان للقاتل الذي قطع رأس المدرس الفرنسي مع أن أكثر الفقهاء تشددا في التاريخ الإسلامي لم يبيحوا ذلك فيما يتعلق بمن يعيش خارج دار الإسلام وهذه نقطة مهمة ولب الموضوع الذي لو فهمناه لتجنبنا كل هذه الأزمة.

في الفقه الإسلامي هناك دار الإسلام وهناك الدول الأخرى غير المسلمة وما يسري في دار الإسلام لا يسري على الآخرين بمعنى أن الدول الأخرى حرة في قوانينها وحياتها ومعاملاتها وإذا كانت هناك مشكلة للمسلم داخل تلك المجتمعات فهي مشكلة المسلم وليست مشكلة تلك المجتمعات لأن وجودك في مكان لا تقتنع بقوانينه يوجب عليك مغادرته على أقل تقدير ومن العجيب انتشار مقولة أن حرية التعبير مقيدة وليست مطلقة كمحاولة لفرض هذا القانون على فرنسا ولكن ماذا لو طلبوا هم أيضا فرض قوانينهم على المسلمين؟

فرنسا دولة غير مسلمة بل هي دولة علمانية قامت ثورتها أساسا ضد الدين وضد الكنيسة وأراق الشعب الفرنسي الكثير من الدماء من أجل فصل الدين عن الدولة ورضي المسيحيون واليهود أصحاب الأرض بذلك. لكن المسلمين المهاجرين هم الوحيدون الذين يثيرون هذه المسائل بين الفينة والأخرى. فمثلا تمنع الجامعات الفرنسية وضع الرموز الدينية مثل الصليب والقبعة اليهودية والحجاب الإسلامي ورموز الديانات الأخرى ولم نجد يوما اعتراضا من المسيحيين أو اليهود أو الهندوس أو البوذيين الذين تذخر الجامعات الفرنسية بهم بل الإعتراض دائما من المسلمين وينقل الإعلام في الدول الإسلامية دائما الأمر على أنه استهداف للإسلام والمسلمين.

غياب صوت العقل في العالم الإسلامي هو الذي جعل الشعوب غوغائية تلجأ إلى الشتم وفحش الكلام بل حتى إلى القتل بصورة بشعة أما أسباب غياب صوت العقل والهدوء في التعامل فهي خوف العلماء وحتى الحكام من العاطفة الشعبوية وبذلك يجارون القطيع بدل أن يوجهوه الوجهة الدينية الصحيحة المستندة إلى صحيح النصوص وأذكر في أزمة سابقة للحجاب حين قال شيخ الأزهر السابق محمد سيد طنطاوي بأن من حق فرنسا منع الحجاب فهي دولة غير مسلمة ولها قوانينها الخاصة ثارت عليه جموع الأئمة والمسلمين رغم أنه لم ينطق إلا بصحيح الدين.

لأجل هذا نجد الكثيرين من العلماء والمسؤولين في العالم الإسلامي يسجلون مواقف مع الجموع الغاضبة استغلالا لعاطفتهم وتمكينا لمكانتهم وهذا ما يؤكد حرفيا قول الرئيس الفرنسي بأن الإسلام في أزمة فالفكر الشعبوي غير المنضبط هو الذي يقود العلماء وأولي الأمر ويشكلون على إثره ما يشاؤون من المفاهيم لتصبح مع الوقت جزءا لا يتجزأ من الدين.

الأزمة سياسية وليست دينية

بعد أن بينا الحكم الشرعي فيما يتعلق بهذه المسألة يتبين لنا أن القضية سياسية وليست دينية وتتعلق أساسا بالصراع التركي الفرنسي حول موارد المتوسط ومشاريع إخوانية أخرى للهيمنة على العالم الإسلامي وتمثيل الإسلام وحصره في النموذج الإخواني والإخوان هم حزب سياسي في كل الأحوال لكنهم يلتحفون بعباءة الدين ولا أدل على ذلك من اختراع كلمة "إلا رسول الله" والتي تحمل معاني خطيرة لمن يتدبرها فكأن المسلم يقول نحن نقبل بكل شيئ إلا الإساءة إلى الرسول أي نقبل بالقتل والذبح والرشوة والفساد واللصوصية وانعدام الخدمات وكل هذه الأوبئة في العالم الإسلامي لكننا لا نقبل الإساءة إلى الرسول.

المقولة أشبه بالجملة التي اخترعتها الأحزاب الإشتراكية "نموت نموت ويحيا الزعيم" ولأن الإخوان حزب يدور في فلك تلك الأحزاب وأخذت منها الكثير بما في ذلك لفظة الأخ في عرفهم الحزبي والشبيهة بلفظة الرفيق في العرف اليساري فإنهم حولوا الدين إلى حزب وأخرجوه من معطفه الرباني وحولوا الرسول إلى زعيم للحزب وليس نبيا حليما من المفروض أنه بعث رحمة للعالمين.

أهداف هذه الحملة

كما هو معلوم فإن تركيا هي أول من أطلقت هذه الحملة ضد فرنسا وكما أسلفنا فقد اضطرت بعض الحكومات والدول المناوئة لتركيا المشاركة في هذه الحملة مجاراة للعاطفة الشعبية التي يتقن الإخوان استغلالها وتحريكها ومن أهم أهداف تركيا زعامة العالم الإسلامي والإستحواذ على مسلمي أوروبا لتحريكهم كقوى ضاغطة ضد الحكومات الأوروبية وللأسف يخطئ الكثير من المحللين وخاصة الأوروبيين في فهم أهداف أردوغان ويلصقون تصريحاته دائما بالنزعات الإنتخابية أو الهروب من المشاكل الداخلية مع أن أهداف الإخوان في المجمل أعقد وأشمل بكثير.

أردوغان يريد الإستحواذ على قطاع واسع من الشارع العربي الممتعض من حكامه ويهمه هذا أكثر من الإستحواذ على الشارع التركي وعندما يستلب أردوغان قلوب الكثير من العرب يستطيع تحريكهم كيفما يشاء ورأينا أمثلة على ذلك عبر تحريك المرتزقة السوريين إلى ليبيا وأذربيجان وقبل ذلك نقل الكثير من الجهاديين العرب إلى سوريا والعراق والملاحظ هنا أنه يتجنب تجنيد الأتراك.

منذ عدة سنوات وأردوغان يستفز أوروبا بعدة أشكال ويتحدث دائما عن حروب صليبية ويهيئ مسلمي أوروبا لهذه الحرب المزعومة ولا تخلو تصريحاته دائما من كلمة الحرب الصليبية ويتبعه ويصدقه الكثيرون من الشارع العربي المحتقن أو من المجتمعات الإسلامية الموازية في أوروبا والتي تحدث ماكرون عن إنعزاليتها وعدم اندماجها في المجتمع وبالمقابل يحاول الإخوان استفزاز اليمين الأوروبي لتزداد شعبيته ويصل إلى الحكم لأن اليمين يعتاش على اليمين وكلما زاد تطرف اليمين في أوروبا زاد أتباع الإخوان وزاد تحكمهم فيهم وزادت قدرتهم على إشعال الفتن والحروب وفي الآخر سيدفع عشرات الملايين من مسلمي أوروبا الثمن.

للأسف فإن العالم العربي اليوم مقسم بين الولاء لتركيا وإيران سواء على مستوى الحكام أو الميليشات أو الطبقة الشعبية ولا أدل على ذلك من ولاء النظام السوري لإيران وحكومة طرابلس لتركيا ووجود ميليشيات سورية وليبية تابعة لتركيا وميليشيات لبنانية وعراقية تابعة لإيران ووجود طبقة شعبية من الإخوان والشيعة في عموم الوطن العربي تابعة للطرفين فإذا لم يمتلك العالم العربي ناصيته فسيظل لعبة بين الطرفين وسيدفع الثمن الأكبر في الإصطدام مع الضفة الأخرى للمتوسط وفي كل الأحوال لن يهنأ الإخوان إلا بإشعال حرب عالمية جديدة وقودها الدين.