إيران تعزز نفوذها في العراق عبر سكة الشلامجة
بغداد - تشهد محافظة البصرة، أقصى جنوبي العراق، استعدادات لافتتاح أكبر منفذ حدودي على مستوى البلاد، عبر مشروع الربط السككي مع إيران، وبينما تعتبر بغداد هذه الخطوة جزءا من برنامج تحديث البنية التحتية وتعزيز التبادل التجاري وحركة المسافرين، يحذر متابعون من أن يؤدي المشروع إلى توسيع النفوذ الإيراني عبر أدوات اقتصادية ولوجستية جديدة، في وقت تسعى فيه طهران إلى ترسيخ حضورها داخل البلد لتنفيس أزماتها الناجمة عن العقوبات.
وقال وزير النقل العراقي رزاق محيبس السعداوي أن منفذ الشلامجة الجديد سيصبح الأكبر على مستوى العراق، موضحا أنه صُمم لاستيعاب حركة المسافرين والتجارة العامة بين البلدين، مع توقع افتتاحه خلال الأسبوع المقبل.
كما وصف المشروع بأنه من المشاريع الاستراتيجية المهمة، مشيرا إلى أن خط السكة يمتد لمسافة 36 كيلومترا وسيساهم في تسهيل حركة الزائرين والمسافرين، خصوصا خلال المناسبات الدينية التي تشهد تدفق أعداد كبيرة من الإيرانيين إلى المدن العراقية المقدسة.
ويرى مراقبون أن المشروع يتجاوز أبعاده الخدمية والاقتصادية ليحمل دلالات سياسية أوسع، خاصة أنه يأتي في سياق مساع إيرانية مستمرة لتعزيز ارتباط الاقتصاد العراقي بشبكات النقل والتجارة الإيرانية، بما يضمن لطهران منفذا حيويا إلى الأسواق العراقية ويمنحها أدوات إضافية للتأثير داخل البلاد.
وتمكنت إيران خلال السنوات الماضية من تعزيز نفوذها في العراق عبر الأحزاب السياسية والفصائل المسلحة والعلاقات الاقتصادية، قبل أن تتجه بشكل متزايد إلى ترسيخه من خلال مشاريع البنية التحتية والربط اللوجستي التي يصعب فصلها عن الحسابات الاستراتيجية طويلة المدى.
ويكتسب مشروع الشلامجة أهمية خاصة بالنسبة لإيران، إذ يشكل جزءا من ممر نقل يربط أراضيها بجنوب العراق، كما يمكن أن يتحول مستقبلا إلى حلقة ضمن شبكة أوسع تربط طهران بالموانئ العراقية على الخليج وبالأسواق العربية، وهو ما يمنح الجمهورية الإسلامية متنفسا اقتصاديا إضافيا في ظل العقوبات الغربية.
ويخشى منتقدو المشروع من أن يؤدي التوسع في الربط السككي والبري إلى زيادة اعتماد العراق على الواردات الإيرانية، في وقت يعاني فيه الاقتصاد العراقي أصلا من اختلالات هيكلية ومن هيمنة السلع الإيرانية على قطاعات واسعة من السوق المحلية، الأمر الذي قد يضعف فرص تنشيط الصناعة الوطنية.
كما تثير هذه الخطوة مخاوف لدى أوساط سياسية عراقية من أن يتحول المنفذ إلى أداة لتعميق الارتباط الاقتصادي بين البلدين بصورة تجعل من الصعب على بغداد انتهاج سياسات أكثر استقلالية عن طهران، خصوصا في ظل النفوذ السياسي والأمني الذي تتمتع به الفصائل الموالية لإيران داخل مؤسسات الدولة.
وفي المقابل، تؤكد السلطات العراقية أن المشروع يندرج ضمن رؤية حكومية لتطوير البنية التحتية للنقل وتحويل العراق إلى مركز إقليمي للربط التجاري، مشددة على أن تحسين المنافذ الحدودية وشبكات السكك الحديدية يمثل ضرورة اقتصادية لتنشيط حركة التجارة والسفر.
لكن الجدل بشأن المشروع يعكس الانقسام المستمر داخل العراق حول طبيعة العلاقة مع إيران وحدود التعاون معها، بين من يراه ضرورة جغرافية واقتصادية تفرضها المصالح المشتركة، ومن يعتبره خطوة جديدة تكرس تمدد النفوذ الإيراني في بلد لا يزال يشهد صراعا على هويته الاستراتيجية وموقعه في الإقليم.