ائتلاف نتنياهو الهش وخطة السلام الأميركية: هل يُكتب له البقاء؟
تبنّى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مقترح سلام لغزة تدعمه الولايات المتحدة، وهو مقترح ينص على وقفٍ لإطلاق النار، وتبادلٍ للأسرى والرهائن، وانسحابٍ إسرائيليٍّ مرحليٍّ من أجزاء من القطاع، وإشرافٍ دولي.
هذه الخطة، التي صيغت في نحو 20 إلى 21 نقطة، جرى التفاوض بشأنها مع واشنطن وقدّمت كمسار عاجل للخروج من حرب مدمرة. غير أن تنازلاتها المحدودة للفلسطينيين كشفت عن شروخٍ عميقة داخل الكتلة الحاكمة في إسرائيل.
جوهر المقترح ومقاصده
يهدف المقترح في جوهره إلى إنهاء الأعمال العدائية الفعلية والسماح باستجابة إنسانية واسعة النطاق. فهو يربط بين وقف إطلاق النار وصفقات تبادل الأسرى والرهائن، ووعودٍ بتقديم مساعدات لإعادة الإعمار، وجدولٍ زمني لانسحاب القوات الإسرائيلية من بعض مناطق غزة. كما يدعو إلى اتخاذ تدابير لتحجيم القدرات العسكرية لحركة حماس، ويتصور ترتيبات دولية مؤقتة لأمن غزة وإدارتها. وقد صُممت هذه العناصر لتوفير إغاثة فورية مع ترك الأسئلة السياسية طويلة الأمد لمرحلة لاحقة.
حسابات نتنياهو السياسية
إن تأييد نتنياهو العلني للخطة خطوةٌ محسوبة. فهو يواجه ضغوطاً دولية مكثفة بشأن الخسائر في صفوف المدنيين في غزة، وعزلةً دبلوماسية متزايدة. ومن خلال انضمامه إلى مبادرةٍ أمريكية، يسعى إلى استعادة النفوذ لدى الشركاء الغربيين وإظهار أن إسرائيل تعمل من أجل خروجٍ موثوقٍ من الحرب. أما على الصعيد المحلي، فيراهن على أن الخطة يمكن أن تدعم صورته المهتزة وتخفف من حدة الانتقادات قبل اختباراتٍ سياسيةٍ وشيكة.
تصدعات الائتلاف الحاكم
لكن الائتلاف الإسرائيلي الذي يبقيه في السلطة غير مستقر إلى حدٍّ بعيد. فالعديد من شركاء نتنياهو ينتمون إلى أحزاب متشددة وقومية وموالية للمستوطنين، تعارض أي تنازلٍ تعتبره تمكيناً للفلسطينيين. وقد رفض وزراء وقادة أحزابٍ بشكلٍ صريح حتى الخطوات المحدودة نحو الاعتراف السياسي أو التراجع الإقليمي، وهدد بعضهم بالاستقالة بدلاً من قبول ترتيباتٍ يعدّونها استسلاماً.
هذا التهديد يضع نتنياهو في مأزق سياسي ضيق: فإمّا أن يقبل الخطة الأميركية ويخاطر بفقدان أغلبيته البرلمانية، أو يرفضها ويواجه تداعياتٍ دولية وخيمة.
إن اعتراضات اليمين المتطرف متوقعة لكنها مؤثرة، فمطالبهم الأساسية ما تزال تتمثل في الهزيمة العسكرية لحماس، والاحتفاظ بأقصى درجات السيطرة الأمنية، وتوسيع السيادة الإسرائيلية في الضفة الغربية. بالنسبة لهذه الأطراف، فإن أي خطةٍ تتضمن انسحاباً مرحلياً أو إشرافاً دولياً أو خطواتٍ قد تمكّن الحكم الفلسطيني تُعدّ غير مقبولة. كما أن نفوذهم على وزارتي الأمن والعدل يمنحهم الأدوات اللازمة لتخريب التنفيذ. فالانضباط الداخلي للائتلاف ضعيف، وأي انشقاقاتٍ أو استقالاتٍ وزارية قد تؤدي إلى انهيار الحكومة أو شللها.
وجهات النظر الفلسطينية والإقليمية
من المنظور الفلسطيني، تمثل الخطة فرصةً وإهانةً في آنٍ واحد. فإدراج المساعدات الإنسانية ووقف إطلاق النار وتبادل الأسرى يلبي الاحتياجات الملحّة، وقد رحّبت بعض المؤسسات الفلسطينية والدول الإقليمية بالمقترح كمسارٍ محتملٍ للإغاثة ووقف الخسائر البشرية الجماعية.
ومع ذلك، لا تخلق الخطة أفقاً سياسياً واضحاً لتقرير المصير الفلسطيني؛ إذ تتجاهل الضفة الغربية إلى حدٍّ كبير، وتربط مستقبل غزة بمطالب نزع السلاح، وتؤجل القضايا الجوهرية المتعلقة بالدولة والحدود والحقوق. لذلك يرى كثيرٌ من الفلسطينيين أن الخطة تبدو إجراءً إغاثياً جزئياً، لا خارطة طريقٍ نحو العدالة.
أما إقليمياً، فالمواقف متباينة؛ إذ يبدو أن مصر وقطر وتركيا تعمل خلف الكواليس لإقناع حماس بقبول بعض جوانب الاتفاق، مدركةً أن استمرار القتال يهدد بزعزعة استقرارٍ أوسع نطاقاً. وقد أعربت العواصم الغربية عن دعمٍ حذر، مع التحذير من ضرورة أن تحمي الخطة الحقوق الفلسطينية وتتجنب التهجير. وأبدت عدة حكوماتٍ أوروبية قلقها من غموض الخطة بشأن النتائج السياسية وهوية الجهة التي ستحكم غزة خلال الفترة الانتقالية. هذا التردد الدبلوماسي يزيد من تعقيد حسابات نتنياهو، فالقبول الدولي لا يضمن الإذعان الداخلي.
العقبات العملية والمعضلة الكبرى
تلوح في الأفق أيضاً عقباتٌ عملية، إذ سيتطلب التنفيذ انسحاب القوات الإسرائيلية فعلياً من المناطق المأهولة بالسكان مع ضمان وصول المساعدات الإنسانية. كما سيحتاج إلى ضماناتٍ موثوقةٍ بأن المساعدات المدنية تصل إلى المحتاجين لا إلى الجماعات غير المسؤولة. وسيتطلب الأمر إطاراً لمراقبة أي التزاماتٍ بنزع السلاح من دون خلق ترتيبات احتلالٍ أو إدارةٍ جديدة تقوّض الإرادة الفلسطينية. وحتى لو تم التوقيع على اتفاق، فإن القدرة المؤسسية على تنفيذ هذه العناصر الفنية ضعيفة لدى جميع الأطراف، وسيكون الرصد الدولي المستقل ضرورياً، لكنه سيواجه اعتراضاتٍ سياسية.
سياسياً، يواجه نتنياهو خياراً صعباً: فإما أن يحاول فرض الخطة ويأمل أن ينجو ائتلافه من الانشقاقات وغضب الناخبين القوميين، أو أن يرضخ لشركائه المتشددين ويتخلى عن المكاسب الدبلوماسية التي تتيحها الخطة. وكلا المسارين ينطوي على تكاليف باهظة. فتفكك الائتلاف مرجحٌ أن يؤدي إلى انتخاباتٍ جديدة ويطيل أمد عدم الاستقرار السياسي، ما يعرقل إعادة الإعمار والإغاثة. أما القبول دون تنفيذٍ كامل فسوف يعمّق انعدام الثقة لدى الفلسطينيين وقد يؤدي إلى تجدّد العنف.
بالنسبة للفلسطينيين، يتمثل الاختبار الحاسم في ما إذا كان الضغط الدولي والوساطة الإقليمية يمكن أن يترجما الإغاثة المؤقتة إلى حقوقٍ دائمة. إن وقف إطلاق النار الذي يجمّد الوضع الراهن لن ينهي حالة التهجير التي يصفها كثيرٌ من الفلسطينيين. فأي سلامٍ مستدامٍ يتطلب معالجة قضايا النزوح والسيادة والمساواة في الحقوق، وهي قضايا لا تعالجها الخطة الحالية إلا بشكلٍ جزئي أو غير مباشر. ومن دون هذه الخطوات السياسية الأوسع نطاقاً، قد تصبح الإغاثة مجرد ضمادةٍ على جرحٍ أعمق.
قد يوفّر تبنّي نتنياهو للمقترح الأميركي شريان حياةٍ دبلوماسياً مؤقتاً، ومع ذلك من غير المرجح أن يحلّ التناقض الجوهري في صميم حكمه؛ فهو يعتمد على شركاء من اليمين المتطرف يرفضون الحد الأدنى من التنازلات التي تقدمها الخطة. وهذا التناقض يجعل بقاء الائتلاف محفوفاً بالمخاطر. فلا يمكن لمناورات نتنياهو السياسية أن تحجب حقيقة أن صمود حماس أجبر إسرائيل وحلفاءها على النظر في تقديم تنازلاتٍ طالما قاوموها، مما يفضح ضعف ائتلافه اليميني المتطرف وحدود القوة العسكرية الإسرائيلية في غزة.