الانقسام الكبير: لماذا وصلت العلاقات بين الهند وبنغلاديش إلى نقطة انهيار تاريخية؟

الأزمة المتفاقمة ليست مجرد نتاج لعدم الاستقرار في بنغلاديش، بل هي نتيجة مباشرة للسياسة الخارجية الهندية المتصلبة والتدخلية.

دخلت العلاقات بين الهند وبنغلاديش، التي وُصفت ذات يوم بأنها "فصل ذهبي" في تاريخ الدبلوماسية، مرحلة من الاضطراب غير المسبوق. ومع اقتراب نهاية ديسمبر/كانون الأول 2025، تحولت الروابط بين الجارين من شراكة استراتيجية إلى "أزمة تاريخية" وهو انهيار لا يقتصر على كونه مجرد خلاف دبلوماسي عابر، بل إعادة تشكيل جذرية للمشهد، تقودها التوازنات السياسية الداخلية، والهواجس الأمنية، واتساع فجوة الثقة بشكل لافت.

 1 الشرارة المباشرة: شهر من الفوضى
بلغ التصعيد الحالي ذروته في منتصف ديسمبر/كانون الأول 2025، إثر اغتيال شريف عثمان هادي، أحد أبرز قادة الانتفاضة الطلابية لعام 2024، فبعد إصابته برصاص الغدر في دكا في 12 ديسمبر/كانون الأول، فارق الحياة في سنغافورة في 18 من الشهر ذاته.
انفجر الغضب الشعبي في بنغلاديش عقب تقارير تشير إلى فرار الجاني عبر الحدود إلى الهند، مما أشعل فتيل احتجاجات عارمة مناهضة لنيودلهي، وتسيير "مسيرة كبرى" باتجاه المفوضية العليا الهندية في دكا. وفي خطوة نادرة ومقلقة، علّق البلدان خدمات التأشيرات المنتظمة في 22 ديسمبر/كانون الأول، مما أدى عملياً إلى قطع الأواصر الشعبية التي تشكل العمود الفقري لهذه العلاقة.

2  ظل شيخة حسينة الثقيل
في قلب هذا التوتر، يبرز وجود رئيسة الوزراء السابقة شيخة حسينة في الهند، فمنذ إطاحتها في أغسطس/اب 2024، ظلت حسينة تحظى بـ"ضيافة" هندية، وهو أمر يثير حفيظة الحكومة المؤقتة بقيادة محمد يونس.
وقد طالبت بنغلاديش رسمياً بتسليمها للمثول أمام القضاء بتهمة ارتكاب جرائم مفترضة خلال احتجاجات 2024، إلا أن الرفض الهندي يُنظر إليه في دكا كتدخل في السيادة القانونية للبلاد، بينما تعتبر نيودلهي حماية حسينة مسألة وفاء تاريخي لحليف قديم.

3 الاحتقان الطائفي وأمن الأقليات
اتخذت الأزمة منحى طائفياً خطيراً، ففي ديسمبر 2025، أدى مقتل شاب هندوسي في ميمينسينغ إلى اندلاع احتجاجات في الهند، حيث نظمت منظمات مثل مجلس الهندوس العالمي (VHP) مظاهرات أمام المفوضية العليا لبنغلاديش في دلهي.
وأعربت الهند عن "قلق بالغ" بشأن سلامة الهندوس في بنغلاديش، خاصة بعد اعتقال الزعيم تشينموي كريشنا داس. في المقابل، تتهم دكا الهند بـ"التركيز المفرط" على الحوادث الطائفية لنزع الشرعية عن النظام السياسي الجديد، مما خلق "حرب روايات" غذّت الراديكالية على جانبي الحدود.

4 إعادة الاصطفاف الاستراتيجي
تخشى نيودلهي من الفراغ الاستراتيجي الذي خلفه سقوط رابطة عوامي، فبعد عقد من الهيمنة الهندية المطلقة في دكا، تواجه هذه النفوذ اليوم تحديات كبرى.

المتغير الباكستاني: ثمة ذوبان ملموس للجليد في العلاقات بين دكا وإسلام آباد، حيث أثارت تقارير التعاون العسكري وعودة مجموعات سياسية معينة مخاوف جدية في دلهي.

المتغير الصيني: تتطلع بنغلاديش نحو بكين لتمويل البنية التحتية وإنقاذ اقتصادها المتعثر. ومع تراجع احتياطيات النقد الأجنبي، توفر الاستثمارات الصينية شريان حياة يصعب على الهند مضاهاته.

5 حروب المياه والموارد
تظل إدارة الموارد الطبيعية قنبلة موقوتة، فمن المقرر أن تنتهي اتفاقية تقاسم مياه نهر "الغانج" في عام 2026، وقد تعثرت المفاوضات بسبب الجمود الدبلوماسي. كما زاد قرار الهند في عام 2025 بتعديل أجزاء من معاهدة مياه السند مع باكستان من مخاوف دكا، حيث يخشى المسؤولون البنغلاديشيون أن تستخدم الهند المياه كأداة ضغط خلال موسم الجفاف.

6 المعضلة الأمنية
لمدة خمسة عشر عاماً، نعِمت الهند بحدود شرقية مستقرة، لكنها تخشى الآن أن تسمح حكومة أقل تعاوناً في دكا للجماعات المتمردة باستئناف نشاطها في شمال شرق الهند. وبات ممر «عنق الدجاجة» – الشريط الضيق الذي يربط البر الرئيسي للهند بولايتها الشرقية – يبدو أكثر عرضة للتهديد اليوم مما كان عليه منذ عقود.

7. الشلل الاقتصادي والحرب الرقمية
بعيداً عن السياسة، تتهاوى الأسس الاقتصادية للعلاقة؛ فقد جُمّدت مفاوضات اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة (CEPA) لأجل غير مسمى. كما وجه تعليق التأشيرات الهندية ضربة موجعة لقطاع السياحة العلاجية في بنغلاديش، حيث حُرم آلاف المرضى من الرعاية المتخصصة في الهند.
وتزامناً مع ذلك، يسود "ستار حديدي رقمي"، حيث يشهد البلدان تصاعداً في حملات التضليل الممنهجة. ففي الهند، تُصوّر مقاطع فيديو – غالباً ما تكون غير مؤكدة – بنغلاديش كدولة غارقة في الفوضى، بينما يصوّر المؤثرون في دكا كل سياسة هندية كفعل هيمنة؛ ما جعل من الصعب على الدبلوماسيين السعي لتهدئة صامتة في ظل استقطاب شعبي حاد.

إخفاق دبلوماسية "الأخ الأكبر" الهندية
إن الأزمة المتفاقمة ليست مجرد نتاج لعدم الاستقرار في بنغلاديش، بل هي نتيجة مباشرة للسياسة الخارجية الهندية المتصلبة والتدخلية. ولسنوات، راهنت نيودلهي بكل أوراقها الاستراتيجية على فرد واحد، متجاهلة التطلعات الديمقراطية المتنامية للشعب البنغلاديشي.
وباستمرارها في توفير الملاذ لشيخة حسينة ورفضها التعامل بشفافية مع الإدارة الجديدة، بات يُنظر إلى الهند في دكا كـ"قوة مهيمنة" ترفض قبول جار مستقل ذي سيادة. إن السياسات الحدودية الهندية العدوانية وسيطرتها الأحادية على الموارد المائية المشتركة قد غذّت الضغينة طويلاً. ويبدو أن "الفصل الذهبي" كان ذهبياً لمصالح نيودلهي فقط؛ فإذا استمرت الهند في تقديم عدستها الأمنية الضيقة على كرامة وحق الشعب البنغلاديشي في تقرير مصيره، فلن يزداد الصدع إلا اتساعاً. وتثبت الأزمة الحالية أن دبلوماسية "الأخ الأكبر" لم تعد قابلة للاستمرار في جنوب آسيا الحديثة والجريئة.