ابن آوى يزوج ابنته

عندما تمارس الحكومات حقاً تعتبره شرعيا، كما فعل البرلمان العراقي في قرار يعبّر عن هزالته السياسية ويكشف أن أعضاء البرلمان باعة متجولون لقرارات فاسدة، فأن الأمر ينتهي بنا، إلى أن نصل إلى فكرة “الإنترنت الحلال” التي ابتكرها ملالي إيران.


عرس واوية مّا يحدث في العراق السياسي والديني اليوم

استخدم أحد المغردين الساخرين مفردة “واوية” بدلا من الذباب الإلكتروني متهكما على المدافعين على قرار البرلمان العراقي القاضي بمنع لعبة إلكترونية تحت مسوغ أنها تشجع على العنف الافتراضي، بينما أعضاء البرلمان أنفسهم منصاعون إلى العنف الحقيقي تحت سطو الميليشيات.

بدت لي هذه المفردة أكثر تعبيرية، لأنها مرتبطة بسلوك ابن آوى، الواوي الجبان والمخاتل وهو يمارس اللصوصية ليلا بعد أن يختبئ نهارا، فالواي لص الدجاج مجسد في معادل بشري يمثّله سياسيون ورجال دين مهمتهم أكبر من لصوصية الدجاج التي لا يحترف غيرها الواوي، ولسوء الحظ يوجد جيش من الواوية الحمقى يدافعون عن أولئك اللصوص على مواقع التواصل الاجتماعي.

الواوي مثال للتعبيرية في الثقافة الشعبية السائدة، فاللبنانيون يقولون “الواوي يزوج ابنته”عندما تهب زوبعة غبار، في إشارة إلى ضررها المحدود، والعراقيون يصفون كل عملية تقاسم مغانم انتهازية بـ”عرس واوية” وهو تعبير مثالي بامتياز عمّا يحدث اليوم في العراق السياسي والديني. بل أن كل قصة ملتبسة يضيع فيها التمييز بين الجاني والضحية يعتبرون أن واويا دخل فيها! وسنجد معادلا أقرب له في الثقافة الشعبية التونسية في جملة “عرس الذئب”.

الواقع أن “عرس الواوية” يكاد يستحوذ على حياتنا، ويسلب الأمل بالمستقبل من أجيال في العالم العربي، إذ لم يعد كافيا توجيه اللوم للحكومات وحدها، فالعالم يعيش أوقاتا عصيبة في الشرق والغرب على حد سواء، عندما يصعد المتطرفون بمساعدة التكنولوجيا، هذا يعني أن البشرية تعيش الأوقات المجنونة، والواوية لا تقيم أعراس بناتها إلا في مثل هذه الأوقات العصيبة التي يعيشها العالم.

تنبؤات خبراء الاقتصاد، وعلماء المناخ بشأن الانهيار المالي والاحتباس الحراري، صعود الشعبويين في الغرب والطائفيين في الشرق، مصير الحقيقة الضائع تحت وطأة الأخبار الملفقة، الأموال المهدورة من قوت الشعوب في حسابات زعماء ورجال دين، كلها تعبّر بامتياز عن عرس الواوية المستمر بالرقص على جحيمنا، بل أن دونالد ترامب نفسه “عرس واوية” ومرجح استمرار عرسه في فترة رئاسية جديدة.

هناك ألف دجاجة في بطن واوي، بينما هناك مليارات الدولارات المنهوبة من قوت الشعوب في بنوك ترفع شعار الشفافية. هذا عرس واوي مصرفي كبير يشهده العالم من دون أن يفعل شيئا لتعطيله.

عندما تمارس الحكومات حقاً تعتبره شرعيا بالنسبة إليها، كما فعل البرلمان العراقي في قرار يعبّر عن هزالته السياسية ويكشف أن أعضاء البرلمان باعة متجولون لقرارات فاسدة، فأن الأمر ينتهي بنا، كما حذّر مايكل بوسنر، أستاذ الأخلاقيات بجامعة نيويورك، ومسؤول سابق في إدارة الرئيس باراك أوباما، إلى أن نصل إلى فكرة “الإنترنت الحلال” التي ابتكرها ملالي إيران، في معادل ديني بأمر لا يمتّ للدين بصلة!

وهكذا يصبح الحال، أن تحدد الحكومات خياراتنا وطريقة تفكيرنا عبر الحلال والحرام في تقليد فجّ لدور رجال الدين ونقل تقاليد المسجد إلى الدولة، هو العرس الأكبر للواوية الذي يشهده العالم اليوم.