اتفاق جديد يدمج 'قسد' في الدولة وينهي أسوأ موجة تصعيد عسكري
دمشق - دخلت سوريا منعطفاً بالغ الحساسية مع إعلان الرئيس أحمد الشرع، الأحد، توقيع اتفاق شامل لوقف إطلاق النار واندماج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بالكامل في مؤسسات الدولة السورية، في تطور يأتي عقب اشتباكات دموية بين الطرفين انتهى إلى سيطرة الجيش السوري على معظم المناطق التي كانت إلى وقت قريب خاضعة لسيطرة القوات الكردية.
ويُعد هذا التطور الأبرز منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024. ويفتح الاتفاق الذي جاء بعد أسابيع من التصعيد العسكري والاحتقان السياسي في شرق وشمال شرق البلاد، فصلاً جديداً في مسار إعادة ترتيب المشهد السوري، لكنه يضع في الوقت ذاته تحديات معقدة أمام الحكومة الانتقالية في دمشق.
وأعلن الشرع عن الاتفاق عقب لقائه المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توماس باراك، موضحاً أنه كان مقرراً أن يلتقي قائد قسد مظلوم عبدي، غير أن سوء الأحوال الجوية حال دون اللقاء المباشر، ما دفع الأطراف إلى إنجاز التفاهم عبر الاتصالات. كما أكد أن الاتفاق يستند إلى روح تفاهم 10 مارس/آذار 2025، الذي نصّ أساساً على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في مناطق شمال شرق البلاد ضمن الدولة السورية.
وجاءت الخطوة بعد عملية عسكرية واسعة نفذها الجيش السوري في شرقي البلاد وشمالها الشرقي، استعادت خلالها قوات الحكومة مساحات كبيرة كانت تحت سيطرة قسد، فيما بررت دمشق العملية بوجود "خروقات متكررة" من جانب التنظيم لبنود الاتفاق السابق، معتبرة أن التحرك العسكري كان ضرورياً لفرض الوقائع على الأرض وإجبار قوات سوريا الديمقراطية على القبول باندماج كامل وغير مشروط.
ويتضمن الاتفاق الجديد 14 بنداً مفصلاً أعلنتها وكالة الأنباء السورية (سانا)، أبرزها وقف إطلاق نار شامل وفوري على جميع الجبهات وانسحاب التشكيلات العسكرية التابعة لقسد إلى شرق الفرات كخطوة تمهيدية لإعادة الانتشار. كما ينص على تسليم محافظتي دير الزور والرقة إداريا وعسكرياً للحكومة السورية فورا، واستلام دمشق كامل المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز في المنطقة مع تكليف القوات النظامية بحمايتها.
وتعني هذه البنود عمليا تفكيك الإدارة الذاتية التي بنتها قسد خلال سنوات الحرب وإعادة مركزية الدولة السورية في مناطق كانت خارج سيطرتها المباشرة. والأهم أن السيطرة على حقول النفط والغاز والمعابر الحدودية تمنح الحكومة موارد اقتصادية حيوية كانت تشكل أحد أبرز نقاط الخلاف بين الطرفين.
وبالتوازي مع المسار السياسي، كانت التطورات الميدانية تتسارع بوتيرة غير مسبوقة، حيث أحكم الجيش السوري في غرب الفرات، قبضته على مدن وبلدات استراتيجية في حلب والرقة، أبرزها مدينة الطبقة ومطارها العسكري جنوبي الرقة. أما شرق الفرات، فقد شهد تصاعداً لافتاً في دور العشائر العربية التي خاضت مواجهات عنيفة ضد قسد ونجحت في السيطرة على مناطق واسعة بمحافظة دير الزور، بما فيها حقل العمر النفطي – الأكبر في سوريا – وحقل كونيكو للغاز.
ولم يقتصر تقدم القوات العشائرية على الجنوب والوسط، بل امتد شمالاً باتجاه الرقة والحسكة، حيث فرضت سيطرتها على عشرات البلدات والقرى مثل شحيل والحوايج والزبان والطيانة وأبو حمام وحطلة وغرانيج والباغوز والسوسة والشعفة.
وشكل هذا التحرك العشائري، المدعوم ضمنياً من الحكومة، ضغطاً مزدوجاً على قسد عسكرياً من جهة، واجتماعياً من جهة أخرى، إذ أظهر اتساع رفض محلي لوجودها في بعض المناطق العربية.
وفي خطابه، دعا الشرع العشائر العربية إلى "الهدوء وفتح المجال لتطبيق بنود الاتفاق تدريجياً"، في إشارة واضحة إلى أن دمشق تريد انتقالاً منظماً للسلطة في شرق البلاد، لا انهياراً فوضوياً قد يفتح الباب لفراغ أمني أو صراعات محلية.
وعلى المستوى الدبلوماسي، حمل لقاء الشرع مع المبعوث الأميركي دلالات مهمة، فقد شدد الرئيس السوري على وحدة الأراضي والسيادة الكاملة، وعلى ضرورة بناء الدولة بمشاركة جميع السوريين، مع مواصلة التعاون في مكافحة الإرهاب.
كما ناقش الجانبان تعزيز التعاون الاقتصادي وآخر التطورات الإقليمية، في مؤشر على أن واشنطن ما زالت لاعباً مؤثراً في الملف السوري، خاصة في ما يتعلق بمناطق شرق الفرات حيث تنتشر قوات أميركية.
وتظهر هذه التطورات أن دمشق انتقلت من مرحلة "إدارة الانتصار" بعد سقوط الأسد إلى مرحلة "إعادة تركيب الدولة". ولا يعني اتفاق وقف النار واندماج قسد لا يعني انتهاء التعقيدات، بل ربما بدايتها، فدمج قوات مسلحة ذات عقيدة مختلفة في الجيش النظامي يطرح أسئلة حول القيادة والسيطرة والتسلسل العسكري، كما يفتح نقاشا حساسا حول حقوق المكون الكردي ضمن الدولة السورية.
وكان الاتفاق السابق في مارس/اذار 2025 ينص على احترام الحقوق المتساوية لجميع مكونات الشعب السوري ودمج المؤسسات المدنية والعسكرية شمال شرق البلاد، وإعادة فتح المعابر والمطارات وحقول النفط، وانسحاب قوات قسد من حلب إلى شرق الفرات، غير أن تعثر تطبيقه أدى إلى التصعيد الأخير، بينما يبدو الاتفاق الجديد أكثر وضوحاً وحزماً، لكنه يحتاج إلى آليات تنفيذ عملية حتى لا يواجه المصير نفسه.
واستعادة الدولة لحقول النفط والغاز والمعابر قد تمنح الحكومة أدوات لإعادة الإعمار وتثبيت الاستقرار، لكنها في الوقت ذاته تضعها أمام تحدي إدارة مناطق شاسعة خرجت لسنوات عن سيطرتها، وتحتاج إلى خدمات وأمن وإدارة فعالة، بينما يبقى نجاح الاتفاق أمنيا مرهونا بمدى قدرة الجيش على بسط سيطرته دون احتكاكات واسعة، وبمدى استعداد قسد للالتزام الفعلي بالاندماج. وأي تعثر قد يعيد شبح المواجهات، خاصة مع وجود لاعبين دوليين وإقليميين لهم مصالح متباينة في شمال شرق سوريا.
وسياسياً، تبدو دمشق عازمة على إعادة توحيد البلاد تحت سلطة مركزية واحدة، لكن السؤال يبقى هل سيكون ذلك عبر نموذج دولة شمولية أم دولة تعددية تستوعب التنوع السوري؟ إلا أن لهجة الشرع حول "بناء سوريا بمشاركة جميع السوريين" توحي بخيار أكثر شمولا، غير أن الاختبار الحقيقي سيكون في ترجمة هذه التصريحات إلى سياسات عملية.