احتدام الصراع على أرض الصومال

حكومة الصومال وجدت فرصة في تطوير علاقتها مع كل من مصر والسعودية وتركيا لتقويض عملية استقلال إقليم أرض الصومال.

تَحُلُ الذكْرَى الـ35 عَلَى إعلان إقليم أرض الصومال استقلاله عن دولة الصومال الفيدرالية وسط لغط كبير وجدل مفرط حول جدوى خطوة ازدادت سخونة عقب اعتراف إسرائيل بانفصال الإقليم مؤخرا.

كما رفض وتحفظ عدد كبير من الدول العربية والأفريقية على ذلك، فالخطوة تفتح المجال لمزيد من التشرذم في منطقة القرن الأفريقي، التي تعاني من هشاشة أمنية وصراعات بينية ونزاعات إقليمية مختلفة.

يعد توجه إقليم أرض الصومال نحو الاستقلال قفزة في الهواء نتيجة الممانعات الواسعة. بدأت الخطوة تأخذ مسارا جديا عندما أبدت إثيوبيا استعدادها للاعتراف بالاستقلال في يناير/كانون الثاني 2024، مقابل الحصول على ميناء بحري، عسكري وتجاري، بطول 20 كيلومترا في أرض الصومال.

عارضت الحكومة المركزية في مقديشو مذكرة التفاهم بين الجانبين بهذا الشأن. حصل الصومال على دعم إقليمي من مصر، التي اعتبرت تعاون أديس أبابا مع حكومة هيرغيسا بمثابة تهديد لأمنها القومي، وتأجيج جديد للصراعات في المنطقة.

خفتت التوجهات الإثيوبية الداعمة لأرض الصومال، لكن التوجه نحو الاستقلال لدى القيادة الحاكمة في هيرغيسا لا يزال طافيا على السطح. بقي التأييد الإثيوبي خفيا لتجنب الدخول في صدام مع الصومال ومصر بعد رفع مستوى التعاون الأمني بينهما.

دَخَلَتْ أَديس أبابا مسارا رماديا للمصالحة مع مقديشو برعاية تركيا اعتمد على وقف التعاون الاستراتيجي الثنائي بين إثيوبيا وأرض الصومال والسعي لدعم وحدة دولة الصومال الفيدرالية، على أن توفر مقديشو منفذا بحريا لأديس أبابا يخدم مصالحها.

صممت هيرغيسا على التمسك بطريقها نحو الحصول على الاستقلال ولم تعبأ لتوقف الدعم الإثيوبي المعلن. مددت خيوط التواصل مع إسرائيل، استثمرت في موقعها الجغرافي المطل على خليج عدن والقريب من مضيق باب المندب ومدخل البحر الأحمر.

نجحت في جذب إسرائيل عقب معاناتها جراء تهديدات أمنية تسببت فيها جماعة الحوثي باليمن. تمخضت مرحلة التفاهم بين هيرغيسا وتل أبيب عن زيارت متبادلة لمسؤولين كبار واعتراف الثانية باستقلال أرض الصومال وتعيين سفير بها.

دخلت أرض الصومال عامها السادس والثلاثين لإعلان الاستقلال وفي حوزتها اعتراف رسمي بها من قبل إسرائيل. يضاف إلى اعتراف تايوان، لكن الأخيرة لم تحصل على اعتراف دولي أصلا. يمكن أن يجر اعتراف إسرائيل دولا أخرى لا توجد لديها تحفظات على فكرة الانفصال.

تنظر أرض الصومال إلى إسرائيل على أنها بوابة لتوسيع نطاق روابطها السياسية مع بعض الدول الغربية وأداة لتطوير علاقاتها مع الإدارة الأميركية التي تتفاخر برفع مستوى التعاون الاستراتيجي مع الحكومة الإسرائيلية الحالية.

ترى كل من واشنطن وتل أبيب أن توثيق العلاقات مع إقليم أرض الصومال بوابة مناسبة للحفاظ على مصالحهما في خليج عدن والبحر الأحمر بعد اندلاع الحرب الإيرانية ومكان مناسب لتشييد قواعد عسكرية ذات أهمية حيوية.

ترددت معلومات أن الولايات المتحدة وإسرائيل بدأتا في بناء قاعدة عسكرية بأرض الصومال في أكتوبر/تشرين الأول الماضي ولم ينف أي طرف هذه المعلومات، بما يعزز صوابها.

جاء الاعتراف الدبلوماسي الذي أقدمت عليه إسرائيل في سياق حسابات لها علاقة قوية بالتطورات الإقليمية المتسارعة التي تستوجب البحث عن ركائز جديدة للنفوذ العسكري في أماكن متفرقة، تحسبا لأي مفاجآت قد تحدث في الممرات البحرية عقب أزمة قيام إيران بفرض وصايتها على مضيق هرمز وتهديد التجارة العالمية ورفع التكلفة الاقتصادية على المجتمع الدولي.

من المتوقع أن يحتدم الصراع على أرض الصومال، دول مع الاعتراف بالاستقلال، علنا أو سرا وأخرى تتبنى مواقف صارمة من هذا الاتجاه لوّحت بأن دعم مسار الانفصال يفتح أبوابا مغلقة في أفريقيا. غالبية الدول المجاورة والقريبة من الإقليم، الصومال وإثيوبيا وكينيا والسودان، لن تكون بعيدة عن تكرار التجربة.

تنعتش في هذه الدول جماعات عرقية لها توجهات انفصالية. يمكن أن تجد في خطوة أرض الصومال مدخلا مناسبا للافصاح عن تبني مسار شبيه. تدخل منطقة القرن الأفريقي في نزاعات أشد ضراوة مما هو حاصل في الوقت الراهن قد تكون إسرائيل مؤيدة للتوترات وتجدد الحروب، تجني من ورائهما ثمارا استراتيجية، لكن تقديرات الولايات المتحدة مختلفة، إذ تخشى أن تؤدي إلى سيادة الفوضى والعودة إلى مرحلة انتشرت فيها الحروب بالوكالة، كانت لها انعكاسات سلبية على المصالح الأميركية.

تواجه الحكومة المركزية في مقديشو تحديات داخلية صعبة. حرب مستمرة مع جماعات متطرفة وخلافات تنشب مع إثيوبيا من حين لآخر، تصعد وتهبط، تتسع وتضيق وتباين خامل مع كينيا بسبب الحدود المشتركة والثروات المعدنية والنفطية والمهربين واللاجئين، فضلا عن التقدم الملحوظ في توافر عناصر الأمن، والتطور اللافت في معدلات التنمية داخل إقليم أرض الصومال. تقلل هذه المعالم من قدرة الصومال على التصدي لمشروع الاستقلال.

وجدت حكومة الصومال فرصة في تطوير علاقتها مع كل من مصر والسعودية وتركيا لتقويض عملية استقلال إقليم أرض الصومال. تتبنى الدول الثلاث موقفا حاسما من اعتراف إسرائيل بالانفصال. تروج لمقاربة رافضة للخطوة داخل المنظمات الإقليمية والدولية. تتعاون معا لتشكيل شبكة أمان داعمة للحكومة المركزية في مقديشو. تترصد التحركات المؤيدة لفكرة الاستقلال. تحذر من النتائج الخطيرة التي سوف تتمخض عنها بالنسبة للأمن والاستقرار الإقليميين.

يشير التباين الإقليمي حول أرض الصومال لوجود صراع بين فريقين، أحدهما مرحب بالانفصال وعلى استعداد للوصول إلى أبعد مدى في دعمه والآخر رافض ويسعى إلى قطع الطريق على خيار ظل متجمدا أكثر من ثلاثين عاما. لم تجرؤ دولة واحدة على الاعتراف باستقلال أرض الصومال باستثناء تايوان غير المعترف بها دوليا.

ماذا تغير في المنطقة والعالم بشكل أفضى إلى الحديث بلا مواربة عن انفصال أرض الصومال، هل تظهر بقعة مؤذية بسبب الصراع عليها، وأي مسار سيكون النجاح حليفه، الانفصال أم الوحدة والاندماج في دول الصومال؟

مع صعوبة هذه النوعية من الأسئلة، إلا أن الإجابة عنها ترسم ملامح لما يمكن أن تصبح عليه منطقة القرن الأفريقي الفترة المقبلة. يكمن التغير في تداعيات الحروب والأزمات التي نشبت في كل من السودان وقطاع غزة ولبنان، وروافد الحرب الإيرانية، التي فرضت على الولايات المتحدة وإسرائيل البحث عن مواقع لها أهمية استراتيجية كبيرة. بدت أرض الصومال من أبرزها، ومستعدة للدخول في تحالف معهما وتنفيذ المهام الحيوية التي تريدانها.

يصعب أن تمر هذه المهمة بسهولة ويتم تغييب أدوار قوى إقليمية ودولية تضرر من تحويل مشروع الانفصال إلى واقع عملي. تحاول مصر والسعودية وتركيا التصدي له سياسيا ومحاولة تفشيله أمنيا بحكم ما يحمله من انعكاسات قاتمة على الدول المجاورة وعدم استبعاد تحول الإقليم إلى شرارة تزيد الأوضاع تأزما في القرن الأفريقي. يبدو مسار فرملة انفصال أرض الصومال خيارا مواتيا. هذا لا يعني أن الهدوء والأمن والاستقرار الذي شهده الإقليم في السنوات الماضية سيكون حليفه دائما.