اعتراض كردي على ضعف التمثيل السياسي يعطل التفاهم مع دمشق
القامشلي (سوريا) - في ظل استمرار التعقيدات السياسية والأمنية، تبدو القضية الكردية واحدة من أكثر الملفات حساسية في مستقبل سوريا، حيث تطالب أحزاب كردية بإطلاق عملية سياسية وطنية شاملة في سوريا برعاية دولية، معتبرة أن آلية تشكيل مجلس الشعب في محافظة الحسكة ومنطقة كوباني جرت بعيداً عن مبدأ المشاركة الوطنية الحقيقية، ولا تعكس الإرادة الحرة للسوريين.
وتزايدت خلال الأشهر الأخيرة المطالب الكردية الموجهة إلى الحكومة السورية الجديدة في دمشق، بتنفيذ الاتفاق الذي وقعه قائد قوات سوريا الديمقراطية "قسد" مظلوم عبدي والرئيس السوري أحمد الشرع في 29 كانون الثاني/ يناير 2026، والذي اعتُبر خطوة أولى نحو إعادة ترتيب العلاقة بين الإدارة الذاتية ودمشق بعد سنوات من التوتر والانقسام الناتج عن الحرب.
ورغم الترحيب الحذر بالاتفاق، فإن الأحزاب الكردية ترى أن تنفيذ التفاهمات ما يزال بطيئا، وأن دمشق لم تقدم حتى الآن ضمانات واضحة بشأن شكل المشاركة السياسية والإدارية للأكراد في المرحلة المقبلة. كما تعتبر هذه الأحزاب أن آليات تشكيل المؤسسات الجديدة، ومنها مجلس الشعب في بعض المناطق الشمالية الشرقية، جرت بصورة لا تعكس التعددية السياسية ولا تمنح المكونات المحلية دورا حقيقيا في صناعة القرار.
وذكرت ثمانية أحزاب كردية في بيان مشترك صدر من مدينة القامشلي، أن السوريين الذين قدموا تضحيات كبيرة من أجل الحرية والكرامة كانوا يأملون أن تشكل المرحلة الجديدة مدخلاً لبناء دولة مدنية ديمقراطية تعددية ولا مركزية تقوم على الشراكة الوطنية والعدالة والمساواة، إلا أن الآليات المطروحة لتشكيل مجلس الشعب تعتمد على "التعيين والانتقاء المسبق"، ما يحد من دور السوريين في اختيار ممثليهم عبر الانتخابات.
وبموجب الإعلان الدستوري للمرحلة الانتقالية الذي وقعه الرئيس السوري أحمد الشرع، يُعين رئيس الجمهورية ثلث أعضاء مجلس الشعب (حوالي 70 عضواً من أصل 210)، بينما يتم انتخاب الثلثين عبر هيئات مناطقية. وتهدف هذه الصلاحية، وفقاً للجنة العليا للانتخابات، إلى ضمان تمثيل أوسع للمجتمع وتحقيق التوازن السياسي والمهني.
وأضاف بيان الأحزاب أن حجم التمثيل المخصص للكرد لا يتناسب مع وجودهم ودورهم الوطني في سوريا، مشيراً إلى أن اختيار المرشحين تم دون الرجوع إلى الإرادة السياسية والاجتماعية الحقيقية للشعب الكردي، الأمر الذي يضعف فرص المشاركة العادلة والمتوازنة في المؤسسة التشريعية.
وتتمثل أبرز المطالب الكردية في الاعتراف الدستوري بالتنوع القومي والثقافي في سوريا، وضمان حقوق الأكراد ضمن إطار الدولة السورية الموحدة. وتدعو القوى الكردية إلى اعتماد نظام إداري لامركزي يمنح المحافظات والإدارات المحلية صلاحيات أوسع في إدارة شؤونها السياسية والاقتصادية والخدمية، معتبرة أن المركزية الشديدة كانت أحد أسباب الأزمة السورية طوال العقود الماضية.
كما تطالب القوى الكردية بدمج قوات سوريا الديمقراطية ضمن هيكلية وطنية جديدة للجيش السوري، وفق ترتيبات تضمن خصوصية المناطق الشمالية الشرقية وتحافظ على الاستقرار الأمني الذي تحقق بعد سنوات من الحرب ضد تنظيم داعش. وتخشى القيادات الكردية من أن يؤدي أي تفكيك سريع للهياكل الأمنية الحالية إلى فراغ أمني قد تستفيد منه التنظيمات المتطرفة أو القوى الإقليمية المتنافسة في المنطقة.
ومن بين المطالب الأساسية أيضا ضمان المشاركة المتساوية في مؤسسات الدولة الجديدة، بما يشمل الحكومة والبرلمان والمؤسسات الأمنية والقضائية، إلى جانب حماية اللغة والثقافة الكردية والسماح بتدريسها وممارستها بشكل رسمي ضمن إطار الهوية الوطنية السورية الجامعة.
وتبلغ المقاعد المخصصة لمحافظة الحسكة تسعة، بعد انتخاب ممثل منطقة رأس العين سابقاً، وذلك بواقع أربعة مقاعد لمنطقة القامشلي، وثلاثة مقاعد لدائرة الحسكة، ومقعدين لدائرة المالكية".
وكانت انتخابات مجلس الشعب السوري قد أُجريت في 5 تشرين الأول/ أكتوبر 2025 في محافظات البلاد، حيث تم انتخاب 126 ممثلاً، لكنها أُجلت في المناطق الكردية ومحافظة السويداء بسبب الوضع السياسي والميداني.
وأكدت الأحزاب، أن القضية الكردية في سوريا لا تتعلق بعدد المقاعد البرلمانية، بل ترتبط بضرورة الاعتراف الدستوري بالشعب وحقوقه القومية، وبناء شراكة وطنية حقيقية بعيدة عن سياسات الإقصاء والتهميش التي تعرضوا لها لعقود.
كما شددت على أن أي عملية سياسية لا تستند إلى التمثيل الحقيقي والإرادة الشعبية الحرة، ولا تضمن مشاركة عادلة لجميع المكونات السورية، لن تكون قادرة على إخراج البلاد من أزمتها أو بناء مؤسسات شرعية ومستقرة.
ودعا البيان، إلى إطلاق عملية سياسية وطنية شاملة برعاية دولية، استناداً إلى القرار الأممي 2254، بما يضمن تشكيل هيئة حكم انتقالية تمثل جميع السوريين، وصياغة دستور ديمقراطي جديد، والتحضير لانتخابات حرة ونزيهة.
ويرى مراقبون أن الاتفاق بين مظلوم عبدي وأحمد الشرع قد يشكل فرصة لإعادة دمج شمال شرق سوريا ضمن الدولة السورية بطريقة تفاوضية، لكنه يبقى مرتبطا بمدى قدرة الطرفين على بناء الثقة وتقديم تنازلات متبادلة. فالأكراد يسعون إلى تثبيت مكاسبهم السياسية والإدارية التي تحققت خلال سنوات الحرب، بينما تسعى دمشق إلى إعادة توحيد مؤسسات الدولة ومنع ظهور كيانات مستقلة داخل البلاد.