اكس تفجر فوضى سياسية بميزة 'شفافية الحسابات'

خاصية 'عن هذا الحساب' أظهرت مواقع غير دقيقة بسبب الاعتماد على بيانات تقنية مثل عناوين الـ أي بي أدّت إلى موجة اتهامات سياسية ومخاوف من التضليل الرقمي ما دفع الشركة لتعديل الميزة سريعًا.

سان فرانسيسكو (كاليفورنيا) – وجدت منصة التواصل الاجتماعي "أكس" نفسها في قلب عاصفة جديدة بعد طرح ميزة "عن هذا الحساب" (About This Account)، التي يفترض أن تكشف بلد إنشاء الحساب والبلد الذي يتخذه المستخدم مقرًا. لكن الإطلاق الذي استهدف تعزيز الشفافية سرعان ما تحوّل إلى أزمة تقنية وسياسية، بعدما أغرقت البيانات غير الدقيقة المنصة في موجة من الاتهامات المتبادلة والتشكيك في مصداقية الأداة ذاتها.

الميزة التي جرى طرحها بشكل تجريبي هدفت إلى تزويد المستخدمين بمعلومات تساعد على التعرف على الحسابات الحقيقية مقابل حملات التأثير الأجنبي، في وقت تتزايد فيه المخاوف العالمية من شبكات "الذباب الإلكتروني" والتزييف السياسي المنظم. لكن سلسلة من الأخطاء الفادحة في تحديد المواقع الجغرافية أفرغت المبادرة من مضمونها، وأدت إلى سحب جزء منها خلال ساعات.

"حواف خشنة"

لم تمضِ ساعات على إطلاق الميزة حتى أقرّ نيكيتا بير، أحد مديري المنتجات في "أكس"، بأن الإضافة الجديدة تعاني مما وصفه بـ "حواف خشنة" (Rough Edges)، واعدًا بمعالجة الخلل التقني. إلا أن هذا الإقرار جاء متأخراً بالنسبة للعديد من الحسابات الموثقة والعلامات التجارية الكبرى التي وجدت نفسها "مرحّلة رقمياً" إلى دول لا تمت لها بصلة.

ورصدت تقارير تقنية حالات فادحة من عدم الدقة؛ حيث أظهر النظام حساب صانع المحتوى الأمريكي الشهير "هانك غرين" وكأنه يتخذ من اليابان مقراً له، بينما صُنفت شركة التكنولوجيا الأمريكية "Avid" وكأنها شركة إسبانية. وفي مفارقة أخرى، ظهرت مجلة "MusicTech" الشقيقة لمطبوعة "NME" البريطانية وكأنها تُدار من الولايات المتحدة.

وتعزو المصادر التقنية هذا التخبط إلى اعتماد خوارزميات "أكس" بشكل مفرط على عناوين بروتوكول الإنترنت (IP Addresses) لتحديد الموقع. وفي عصر يعتمد فيه قطاع واسع من المستخدمين – خاصة الصحفيين والناشطين – على الشبكات الافتراضية الخاصة (VPNs) لتأمين اتصالاتهم، تصبح بيانات الـ IP مؤشراً غير موثوق للهوية الجغرافية. يضاف إلى ذلك مشكلة "البيانات المتقادمة" (Legacy Data) للحسابات التي أنشئت قبل سنوات طويلة، حيث قد تكون سجلات الإنشاء الأصلية مفقودة أو غير دقيقة، مما دفع النظام لإجراء "تخمينات خوارزمية" أثبتت فشلها.

وأمام سيل الشكاوى، اضطرت الشركة لاحقاً لإزالة خانة "بلد الإنشاء" نهائيًا، معترفة في بيان مقتضب بأن البيانات "ليست دقيقة بنسبة 100 بالمئة"، لا سيما فيما يتعلق بالحسابات القديمة.

سلاح في حروب الاستقطاب السياسي

على الرغم من الطبيعة التقنية للخطأ، إلا أن تداعياته كانت سياسية بامتياز. ففي بيئة تتسم بالاستقطاب الشديد كالتي تشهدها منصة "أكس"، لم ينتظر المستخدمون التحقق من دقة البيانات قبل استخدامها كأسلحة في النقاشات العامة.

وتحولت الميزة، التي صُممت لزيادة الثقة، إلى أداة لـ "تأكيد الانحياز" (Confirmation Bias). وسارع مستخدمون إلى اتهام خصومهم السياسيين بأنهم "عملاء أجانب" أو جزء من "مزارع ذباب إلكتروني" بناءً على بيانات الموقع الخاطئة التي عرضتها المنصة. والمفارقة، بحسب مراقبين، أن بعض المستخدمين الذين اشتكوا علناً من وجود أخطاء في بياناتهم الشخصية، لم يترددوا في الوقت ذاته في استخدام نفس البيانات (المشكوك فيها) للتشهير بخصومهم، زاعمين كشف مؤامرات خارجية.

ويشير محللون إلى أن هذا السلوك يعكس أزمة ثقة عميقة، حيث أصبح البحث عن "الخائن" أو "الدخيل" هو المحرك الأساسي للتفاعل، بغض النظر عن الحقائق التقنية.

اقتصاديات "زراعة الغضب"

تأتي هذه الخطوة من "أكس" في سياق مواجهة ظاهرة متنامية تُعرف بـ "التظاهر الشعبي المصطنع" (Astroturfing)، حيث تنشئ جهات منظمة آلاف الحسابات التي تدّعي أنها لمواطنين محليين، بينما تُدار فعليًا من دول أخرى، بهدف التأثير على الرأي العام الأميركي. ومع نظام مشاركة الأرباح الذي تعتمده المنصة، أصبحت إثارة الغضب السياسي مصدرًا مربحًا للحسابات التي تستهدف التفاعل بأي وسيلة.

ويقول خبراء في الاقتصاد الرقمي إن "أكس" تحاول التصدي لهذه الصناعة، لكن ضعف دقة البيانات جعل الميزة الجديدة تضر بمصداقية الحسابات الحقيقية أكثر مما تكشف حملات التأثير المصطنعة. وتفاقم الوضع مع ظهور عدد من الحسابات السياسية المؤثرة – على اليسار واليمين – على أنها تعمل من خارج الولايات المتحدة، وهو ما أشعل موجة إضافية من الاتهامات.

نهج "أطلق أولًا"

يأتي هذا التطور في ظل ضغوط تنظيمية متصاعدة، وخصوصًا من الاتحاد الأوروبي الذي يفرض عبر قانون الخدمات الرقمية (DSA) قواعد صارمة تتعلق بالشفافية ومكافحة التلاعب بالمعلومات. ويرى محللون أن "أكس" تسعى إلى إظهار امتثال شكلي للمتطلبات الأوروبية، لكن طريقة التنفيذ تتسم بالاستعجال وعدم الاختبار الكافي.

وتعكس هذه المقاربة – بحسب خبراء في وادي السيليكون – استراتيجية مالك المنصة إيلون ماسك المعروفة بـ "أطلق المنتج أولًا وأصلح الأخطاء لاحقًا"، وهي استراتيجية قابلة للتطبيق في تطوير البرمجيات، لكنها قد تكون مكلفة سياسيًا عندما يتعلق الأمر بميزات تمس الهوية الجغرافية للمستخدمين.

سؤال الهوية في عالم بلا حدود

تسلط الأزمة الضوء على معضلة جوهرية تواجهها منصات التواصل الاجتماعي: كيفية تحديد الهوية الجغرافية في فضاء يعتمد بطبيعته على إخفاء الموقع، ويتيح أدوات متقدمة لإخفاء المسارات الرقمية. وبينما تتطور تقنيات إخفاء الهوية، تجد المنصات صعوبة متزايدة في التفريق بين النشاط الحقيقي والحملات المصطنعة، ما يفتح الباب أمام مزيد من الأخطاء الخوارزمية.

وبينما تواصل "أكس" إصلاح الخلل وإضافة تحذيرات حول عدم دقة البيانات المحتملة، يبقى السؤال الأساسي بلا جواب: هل يمكن للشفافية الرقمية الموعودة أن تتحقق دون الإضرار بالمستخدم العادي؟ أم أن هذه المحاولة ستتحول إلى فصل جديد من الفوضى في معركة الإنترنت ضد التضليل؟