الأحزاب اليمنية وانهيار منظومة القيم السياسية والأخلاقية

تسببت الحرب في استكمال تدمير المنظومة القيمية ونقلتها لوضع أكثر خطورة.


كل حزب بات يوفر للآخر مبرر فشله في صورة تخادمية عجيبة


الأحزاب اليمنية تعاملت مع تقاسم السلطة وفق مبدأ الاستحواذ، أي غنيمة الدولة لا استردادها


كان للسلوك السياسي السيئ للأحزاب اليمنية دور نشط في نشر السلوك المدمر للقيم والأخلاق

قدمت الأحزاب اليمنية نفسها للمواطن اليمني، في صراعها مع السلطة الحاكمة لتقاسم السلطة والثروة، بأنها صاحبة المشروع الوطني المشترك الجامع لأسس الديمقراطية والتنمية، والبرنامج الوطني الحاضن للجميع والهادف للنهوض باليمن، بمشاركة كل أبنائه دون تمييز حزبي أو مناطقي أو مذهبي. بيد أن الأحداث الأخيرة عرت الأحزاب اليمنية، وجعلتها في مواجهة الشعب وجها لوجه، وأسقطت عنها أوراق التوت، وجعلتها دون حائط صد، يقيها من كشف أوراقها ونظرتها للسلطة، واختبار مصداقيتها في تجسيد شعاراتها الرنانة، التي كانت ترفعها في وجه السلطة الحاكمة، وتسوق لها لدى الجماهير.

تعاملت الأحزاب اليمنية مع تقاسم السلطة، وفق مبدأ الاستحواذ؛ أي غنيمة الدولة لا استردادها، وابتعدت كثيرا عن نظرية المشاركة في القرار، التي ظلت تروج لها عقودا من الزمن، حتى في أحلك الظروف، بعد انقلاب الحوثيين واستيلائهم على السلطة بقوة السلاح، والأحزاب تتعامل مع المشهد بعقلية السيطرة والإقصاء للغير، والسباق المحموم في السيطرة على مفاصل الدولة. لم يوحدها خصم مشترك، يتربص بالجميع، فذهبت لغرس نفوذها داخل مؤسسات الدولة، خالقة صراعا جانبيا بينيا، ملقية بإخفاقها على الآخر، وهكذا أصبح كل حزب يوفر للآخر مبرر فشله في صورة تخادمية عجيبة.

ما يحدث اليوم هو امتداد طبيعي لأزمة قيمنا السياسية والأخلاقية، الموجودة قبل الحرب بعقود. ولولا وجودها لما تفجرت الحرب نفسها، لقد كان للسلوك السياسي السيئ للأحزاب اليمنية دور نشط، في نشر السلوك المدمر للقيم والأخلاق في المجتمع، حيث ساهم في ترسيخ ظاهرة الفساد السياسي، وما رافقها من جني المكاسب المادية اللامشروعة، وتوزيع المناصب بناء على الولاء الحزبي، دون اعتبار للكفاءة والنزاهة.

تسببت الحرب في استكمال تدمير المنظومة القيمية، ونقلتها لوضع أكثر خطورة، وتسببت الخلافات الحزبية في الإسهام إلى حد كبير في خلق لوبيات الفساد، وبناء مراكز نفوذ مالية وقبلية ومناطقية، على حساب تدمير الروابط والقيم الوطنية، وتتضح آثار هذا التدمير في تفاقم الاختلالات الأمنية، وارتفاع معدل ارتكاب الجريمة، والمخالفات الإدارية الجسيمة في المؤسسات الحكومية.

نحن أمام أحزاب غذت لعقود الكراهية، وصراع التناقضات، مزقت التعايش مع الآخرين، وروعة التسامح والألفة والدفء الاجتماعي، انشغلت بمصالح سلطوية، بلا تفكير بمصالح الناس، نحن بحاجة ماسة لقادة عمل سياسي، بذهنية ذكية وعقليات مستنيرة ونفسيات نظيفة، بعيدا عن آفات التعصب والانغلاق والأحادية، التي لم نجن منها سوى التخلف وديمومة الانقسام والصراع.