القدس بين فكي الحوكمة القسرية ولهيب الحرب

إسرائيل تتبع سياسة إدارة الصراع بالتجزئة؛ فهي تماطل في المفاوضات الكبرى المتعلقة بغزة، بينما تنفذ خطوات ميدانية صغيرة، لكنها مؤثرة، في القدس.

لم تعد التحركات الأمنية الإسرائيلية في أحياء القدس الشرقية، وآخرها ما يجري في حي كفر عقب، تُقرأ بوصفها إجراءات شرطية عادية تستهدف ضبط الأمن أو مكافحة الجريمة، بل باتت تعكس مقاربة سياسية أوسع، تسعى من خلالها إسرائيل إلى إعادة فرض السيطرة في مناطق ظلت لسنوات خارج الإدارة الفعلية. ويأتي استئناف الشرطة الإسرائيلية نشاطها المكثف في الحي في توقيت حساس، تتزامن فيه الحرب المفتوحة على قطاع غزة مع تعثر مسارات التفاوض، ما يمنح هذه الإجراءات بعدًا يتجاوز الشأن المحلي إلى إعادة ترسيم مفهوم السيادة في القدس.

كفر عقب، الواقع إداريًا ضمن حدود بلدية القدس والمفصول فعليًا عنها بجدار الفصل، عاش لسنوات في فراغ قانوني وخدمي واضح. هذا الواقع سمح بتراكم العشوائيات، وازدحام خانق، وتراجع في مستوى الأمان، دون أن تتحمل أي جهة مسؤولية حقيقية عن إدارة شؤون السكان. واليوم، ومع دخول الشرطة الإسرائيلية لهدم محال غير مرخّصة وتنظيم حركة السير، يجد الفلسطيني نفسه أمام معادلة صعبة: تحسين نسبي في تفاصيل الحياة اليومية، مقابل تعميق حضور المؤسسة الأمنية للاحتلال في حي يُفترض أنه جزء من مدينة محتلة.

التباين في مواقف السكان يعكس هذه المعضلة بوضوح. فهناك من يرى في الإجراءات الحالية متنفسًا بعد سنوات من الفوضى والإهمال، بينما يخشى آخرون أن تتحول هذه العمليات إلى أداة دائمة للضبط والسيطرة، لا إلى حل جذري لمشكلات الحي. هذا الانقسام لا يعكس ضعفًا في الوعي الوطني بقدر ما يكشف عن أزمة عميقة عاشها المقدسي حين تُرك وحيدًا بين غياب الخدمات وتمدد الجريمة.

ولا يمكن فصل ما يجري في كفر عقب عن السياق الأوسع للحرب في غزة. فبينما تتواصل العمليات العسكرية الإسرائيلية بكل ما تحمله من دمار وتجويع، وتدور مفاوضات في القاهرة والدوحة حول وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى، تحاول إسرائيل تقديم نفسها كجهة قادرة على فرض "النظام" في القدس الشرقية. هذا السلوك يهدف، في جانب منه، إلى تخفيف الضغوط الدولية عبر إظهار قدرة الدولة على ضبط مناطق تعتبرها "خارجة عن السيطرة"، مستفيدة من انشغال الرأي العام العالمي بمأساة غزة.

وفي ظل هذا المشهد المعقّد، يتحول الفراغ الإداري والخدمي في أحياء القدس إلى مساحة مفتوحة لتدخلات أمنية تُقدَّم بوصفها حلولًا مؤقتة لمشكلات متراكمة.

المشكلة هنا ليست في فكرة النظام بحد ذاتها، بل في الجهة التي تفرضه والهدف الذي يخدمه. فالنظام الذي لا يقوم على حقوق سياسية وعدالة مدنية يتحول سريعًا إلى أداة للسيطرة. المواطن المقدسي يجد نفسه محاصرًا بين خيارين أحلاهما مرّ: إما القبول بفوضى تضر بحياته اليومية، أو الترحيب بإجراءات أمنية تعمّق واقع الاحتلال.

إسرائيل تتبع سياسة إدارة الصراع بالتجزئة؛ فهي تماطل في المفاوضات الكبرى المتعلقة بغزة، بينما تنفذ خطوات ميدانية صغيرة، لكنها مؤثرة، في القدس، لتعزيز قبضتها الإدارية والديموغرافية. ما يجري في كفر عقب ليس عملية مؤقتة بقدر ما هو جزءٌ من مسار طويل يسعى إلى ربط الاستقرار المعيشي للمقدسي بالمؤسسة الإسرائيلية وحدها.

تجربة كفر عقب تكشف حجم المأزق الفلسطيني في القدس. فالصمود لا يمكن أن يبقى شعارًا مجردًا، بل يحتاج إلى مشروع وطني قادر على إدارة تفاصيل الحياة اليومية وحماية المجتمع من التفكك. ومن دون رؤية واضحة تعيد الاعتبار للإنسان المقدسي، ستظل هذه الأحياء عرضةً لسياسات "الهدوء المؤقت" التي تمنح استقرارًا محدودًا، مقابل ثمن سياسي يمس الهوية والسيادة في آنٍ واحد.