المصالح تفرض التعاون بين مصر وتركيا

المصالح فرضت نفسها على أنقرة التي بدت في محطات كثيرة متجاوبة مع جزء معتبر من مطالب القاهرة السياسية الأمنية، بما في ذلك ملف الاخوان.

القاهرة- لم يتخيل أكثر المتفائلين حدوث تطور سريع في العلاقات بين مصر وتركيا، يصل إلى درجة توسيع أطر التفاهمات الإقليمية بينهما. ولم يعتقد هؤلاء أن يؤدي التحسن إلى تحالف إستراتيجي أو قريب من ذلك. فما عكسته زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للقاهرة، يوم الأربعاء، يؤكد أن العلاقات وصلت إلى مستوى مرتفع من التعاون والتنسيق بين البلدين. على خلاف ما كانت عليه قبل نحو 13 عاما، ولمدة تصل إلى حوالي عشر سنوات، حيث كان التواصل الرسمي مقطوعا.

دعك من الاستقبال الحافل الذي أقامه الرئيس المصري لنظيره التركي في القاهرة أو السيارة الكهربائية اللامعة التي قدمها الثاني هدية للأول، وركز على المعاني الرفيعة التي حملها الاجتماع الثاني لمجلس التعاون الإستراتيجي رفيع المستوى، والاجتماع المشترك بين رجال الأعمال المصريين والأتراك. كلاهما زاد القناعات بأن المصالح لها أولوية قصوى وتستطيع فرض أجندتها ولو كانت الهوة السياسية واسعة.

عززت نتائج لقاء السيسي وأردوغان في القاهرة التقديرات السابقة بأن برغماتية أنقرة تغلب على أيديولوجيتها. وبالفعل حدثت تغيرات في الخطاب التركي بشأن عدد من القضايا الإقليمية ذات المكونات الحيوية، وتحولات في توجهاته من العداء السافر لمصر إلى التعاون مع قيادتها، والذي استقبلته القاهرة بتجاوب وترحيب كبيرين. ووجد كلاهما أن استمرار الخلاف سوف يفضي إلى خسائر فادحة لهما.

من هنا بدأت تطوى الكثير من الصفحات القاتمة، التي كادت أن تقود إلى صدام بينهما في ساحات إقليمية حرجة، على وقع التباين في حسابات كل جانب حيال قضايا حيوية.

فرضت جملة من التطورات الإقليمية تقاربا شاملا بين مصر وتركيا، وتجاهل منغصات سابقة وكوابح عديدة، تسببت في قطيعة قاسية بينهما. أبرزها الموقف السياسي السلبي من قبل أنقرة للنظام الحاكم في القاهرة الذي تبنى موقفا صارما من جوار جماعة الإخوان، واعتمدت تركيا رؤية تسانده ضد النظام المصري.

يمكن القول بإرتياح إن هذه الفترة انتهت تماما وتم تجاوز عراقيلها، بما يؤكد أن لغة المصالح فرضت نفسها على أنقرة، والتي بدت في محطات كثيرة متجاوبة مع جزء معتبر من مطالب القاهرة السياسية الأمنية، في ما يتعلق بتجميد قيادات وعناصر الإخوان في تركيا، وتضييق الخناق على تحركاتهم الإعلامية ضد القيادة المصرية. ناهيك عن ليونة واضحة للتفاهم في قضايا، مثل الحرب على قطاع غزة والأزمة في السودان والقرن الأفريقي، ولا تزال النوايا الحسنة لأنقرة نحو الأزمة المستعصية في ليبيا وتنتظر خطوات عملية وتعاونا مع القاهرة كي تشهد انفراجة إيجابية.

نجحت سياسة مصر القائمة على الصبر الإستراتيجي في إدارة بعض الملفات الإقليمية في أن تحرز تقدما لافتا، يقلل من التداعيات الدارماتيكية على مصالحها. ففي حالة تركيا لم تسع القاهرة إلى الدخول في صدام مباشر معها وتحلت بقدر وافر من ضبط النفس في ما حدث من تجاوزات نحو عدد من الأزمات، وتم توظيف بعض الأوراق الإقليمية لإقناع أو إجبار أنقرة على التراجع عن تبني إجراءات تؤثر سلبا على مصالح مصر.

الأمر الذي استجابت له تركيا تدريجيا بعد يقينها لفداحة الخسائر التي سببها لها الاستثمار في دعم جماعة الإخوان، ودعم تيار الإسلام السياسي في المنطقة.

يشير ما جرى من انحناءة تركية وتجاوب مصري كبير معها إلى أن التفاعلات الإقليمية لم تعد بحاجة إلى رفع شعارات براقة وزائفة، وأن الدخول في صدامات يمكن أن يحمل تكاليف باهظة للطرفين. كما أن الحوار البناء والبحث عن قواسم مشتركة وتفاهمات في القضايا الخلافية، يقود إلى تجاوز عقبات، اعتقد البعض في البلدين أنها بحاجة إلى سنوات ضوئية من أجل تخطيها.

ما حدث بين مصر وتركيا، يمكن وصفه بـ"تحالف الضرورة"، فالتطورات التي حدثت في منطقة الشرق الأوسط، فرضت طقوسها عليهما مبكرا. فقد لاحت معالم التحسن منذ سنوات قليلة على وقع فشل مشروع الإسلام السياسي في المنطقة، ومراجعة أنقرة لجزء من سياستها الخارجية ورغبتها في تصفير مشكلات إقليمية تحيط بها، وإدراكها أن مواصلة الخلاف مع مصر لن يحقق أهدافه المعلنة أو الخفية بل سوف يضاعف من تحدياتها في منطقة شرق البحر المتوسط، بعد إعلان القاهرة عن منظومة إقليمية (منتدى شرق المتوسط) تجمع منتجي الطاقة، ولا تشمل تركيا.

ظهرت ملامح المراجعة والتوافق قبل تصاعد حدة الصراعات في المنطقة، وما جلبته من أحداث في سوريا، وحروب بين إسرائيل وكل من الفلسطينيين في قطاع غزة، وحزب الله في لبنان، وجماعة الحوثي في اليمن، ومع إيران التي اندلعت معها حرب في يونيو/حزيران الماضي، ويمكن أن تنشب معها حرب أخرى في أي لحظة حاليا.

علاوة على تبني الولايات المتحدة لترتيبات إقليمية ربما تؤثر على مصالح تركيا مباشرة، على الرغم من العلاقة الوطيدة التي تربط رئيسها طيب أردوغان مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي يصب جانب كبير من توجهاته في حصالة إسرائيل، التي تسعى لتدشين مشروع طموح يساعدها على إعادة هندسة المنطقة. وبموجب تداعياته تفرض إسرائيل كلمتها على قوى إقليمية، في مقدمتها مصر وتركيا.

يبدو أن طموحات إسرائيل الكبيرة في المنطقة من المحرضات الرئيسية لإعادة النظر في شكل ومضمون العلاقات بين القاهرة وأنقرة. ومن بين حزمة دوافع فرضت عليهما زيادة وتيرة التنسيق الإقليمي.

ولمنع حدوث انهيار لاحق، بدأت العجلة الاقتصادية تتزايد سرعتها والاستفادة مما راكمته السنوات الماضية من استثمارات متبادلة، ووضع خطة تنقلها من مستوى 9 مليارات العام الماضي إلى 15 مليارا.

أسهمت المصالح المشتركة في عدم حصر العلاقات بين البلدين في الشق الاقتصادي ووصولها إلى المجال العسكري، بعد أن لعب ملف الاستثمار دورا في تهيئة الأجواء أمام الملف السياسي، وشهد تطورات كبيرة، يمكن استشفاف معالمها من عودة العلاقات الدبلوماسية إلى طبيعتها سريعا، ورفع سقف التعاون في بعض القضايا، وظهرت تجليات ذلك في كثافة الزيارات المتبادلة ولقاءات كبار المسؤولين في عاصمتي البلدين، وعلى هامش الكثير من الاجتماعات الإقليمية والدولية مؤخرا.

يعد الاتفاق الإطاري الخاص بالتعاون العسكري، ووقع في القاهرة ضمن حزمة افتاقيات مهمة، من الخطوات التي تعزز العلاقات بينهما مستقبلا ويبعد شبح التراجع أو حدوث انتكاسة عند أي محك سياسي.

ودخول هذا المنحنى الإيجابي من التعاون يحتاج إلى قناعات محددة بالجدوى الإستراتيجية التي تحملها التطورات الاقتصادية والسياسية. وهو ما حدث عقب تيقن كل طرف من وجود نقاط قوة مشتركة ورغبة في توظيفها بشكل جيد، لأن الارتدادات الإقليمية ستكون وعرة، إذا واجهها كل طرف بمفرده.