الوقائع تكذب الشائعات بين مصر والإمارات

ميليشيات الإخوان الإلكترونية لعبت دورا مهما في نشر الأكاذيب في العالم الافتراضي حول وجود أزمة "مستحكمة" بين مصر والإمارات. ومعروف أن الجماعة من أبرز الجهات التي يهمها تخريب العلاقات بينهما.

القاهرة- هناك قضايا يجب الوقوف عندها بلا خجل أو مواربة، لأن تركها قد يؤدي إلى تحويل الشائعات والتكهنات إلى معلومات يصعب تكذيبها لاحقا. من هذه القضايا العلاقة بين مصر والإمارات العربية المتحدة، التي سعى البعض إلى حرفها عن مسارها الإيجابي مؤخرا، ومحاولة إثارة الشكوك حول طبيعتها وما وصلت إليه من توتر مكتوم، بزعم وجود تباين في وجهات نظر كل دولة حيال قضايا إقليمية معينة.

بين يوم وليلة استيقظ نفر من المصريين على محاولات دؤوبة ترمي إلى "شيطنة" دولة الإمارات، وعلى خلاف ما هو معلن قيل إنها تريد الإضرار بالأمن القومي المصري. وهو اتهام خطير لا يتناسب مع طبيعة العلاقات الراسخة بين البلدين، ووصية الوالد المؤسس الشيخ زايد آل نهيان (رحمة الله عليه) عندما أوصى أولاده على مصر من بعده. ولا مع ما يربط القيادة السياسية فيهما من أواصر قوية.

تنشب أحيانا خلافات بين دول صديقة، تتعلق بتفاصيل بعض الأزمات وليس جوهرها. فقد يكون هناك تباين بين القاهرة وأبوظبي في أحد الملفات الإقليمية، مثل حال الكثير من العواصم، والتي لم تعد المعادلة بينها صفرية (مكاسب دولة خسائر للأخرى، والعكس صحيح)، كما كان سابقا. ويمكن أن يتفق بلدان أو يختلفا في أزمة ما.

ولنا في سوريا نموذج واضح. فعلى الرغم من الهوة الكبيرة بين الولايات المتحدة وروسيا على الساحة الدولية، إلا أنهما نسقتا معا في وقت معين، واختلفتا في وقت ثان. بما يعزز قناعات صاعدة في الأدبيات الدولية، ففي خضم تباعد رؤى القوى الكبرى في الصراعات والنزاعات والأزمات، تظهر تفاهمات بينها أحيانا.

بددت عمليا زيارة وزير خارجية مصر السفير  بدر عبدالعاطي لدولة الإمارات أخيرا بعض المخاوف التي انتشرت وسط دوائر سياسية، حول وجود خلاف حاد بين القاهرة وأبوظبي. وكانت حصيلة اللقاء الذي جمعه مع الشيخ عبدالله بن زايد آل نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير خارجية دولة الإمارات، جيدة للغاية. الأمر الذي عكسه بيان المتحدث بإسم الخارجية المصرية، وشدد فيه على مساحة التفاهمات الكبيرة بينهما، وأعاد التأكيد على العلاقات الوطيدة بين البلدين. وهو ما لا يتواءم مع حجم الشائعات التي أطلقت مؤخرا، ومعظمها أشار إلى أزمة مكتومة بين البلدين.

الوقائع وحدها تتكفل بدحض الشائعات. ونتائج لقاء الوزيرين تشير إلى عدم وجود خلافات وجودية، كما صورها من يريدون إحداث شرخ في العلاقات بين مصر والإمارات، ومن يعتقدون أن خلافا محدودا هنا أو رؤية جديدة هناك يمكن أن تنهي ميراثا طويلا من العلاقات الإستراتيجية.

ومعلوم بالضرورة أن القواسم المشتركة الممتدة بين البلدين تفوق أي تباعد ربما يطرأ على أحد الملفات الحيوية. ولا توجد مصلحة هيكلية لأي منهما تدفع للدخول في خصومة مع الأخرى. على العكس، ثمة اتفاق أثببته تطورات سابقة لتجنب الوصول إلى نقطة يمكن أن تهتز فيها العلاقات بين مصر والإمارات.

إذا تحدثت عن الإمارات في مصر، سرعان ما تطفو على السطح عبارات شيقة عن إرث سياسي عميق، واستثمارات إماراتية كبيرة منتشرة في ربوع مصر، وهواجس مشتركة بالجملة من الجماعات الدينية بكل أنواعها. وعلاقات قوية بين قيادتي البلدين، يمكن بسهولة ملاحظتها في أي لقاء يعقد بين الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي مع نظيره الإماراتي الشيخ من بن زايد آل نهيان في القاهرة أو أبوظبي.

هل يمكن تجاهل كل ذلك لمجرد خلاف قد ينشب حول تفاصيل أزمة إقليمية شائكة أصلا، ويتم تصديق شائعات تلقى رواجا على مواقع التواصل الاجتماعي، نعلم ما هي الجهة أو الجهات التي تعمل على تغذيتها. وكلما انطفأت وجدت من ينفخ فيها؟

الإجابة بالطبع لا.

هناك قاعدة في المكونات الإستراتيجية لمصر الحديثة، وهي أن أي خلاف بينها وبين كل من السعودية والإمارات لا يجب أن يصل إلى مستوى القطيعة. ومن المهم العمل على احتوائه سريعا. ورأينا شرخا حدث بين القاهرة والرياض خلال الفترة الماضية، وجرى التعامل معه بمرونة وتم تجاوزه.

لن يكون ما حدث من جرح سياسي بين مصر والإمارات مؤثرا، إذا كان بالفعل قد حدث ذلك. والدليل: عدم وجود تصريحات رسمية في البلدين تقول إن هناك جرحا أو أو شرخا. كل ما يصلنا من معلومات موثوقة يؤكد نجاح العلاقات في الحفاظ على ثوابتها الرئيسية. وبذل جهود مضنية لتخطي عراقيل قد تؤثر على مساراتها الوجودية.

ولا تتحمل القاهرة أو أبوظبي وجود خلاف يتسبب في تأزيم العلاقات بينهما، بعد أن سعى الأب الشيخ زايد إلى ترسيخها. ولا تزال وصيته محل اهتمام من أبنائه. وهو ما يحظى باهتمام مماثل في مصر، التي لا تنسى المساعدات التي قدمت إليها في أحلك الفترات ظلاما التي مرت بها البلاد خلال حكم جماعة الإخوان وما بعدها بقليل.

لعبت ميليشيات الإخوان الإلكترونية دورا مهما في نشر الأكاذيب في العالم الافتراضي حول وجود أزمة "مستحكمة" بين مصر والإمارات. ومعروف أن الجماعة من أبرز الجهات التي يهمها تخريب العلاقات بينهما. حيث مثل التعاون بينهما رأس حربة في تضييق الخناق على الجماعات التي تتمسح بالدين وتتبنى الإرهاب في منطقة الشرق الأوسط. ونجح كلاهما في تحجيم نشاط الإخوان السياسي والعسكري. وتقويض كل فروع الجماعة في المنطقة، بل وجدت رؤتهما استجابة لدى دول غربية عديدة، بدأت تجرى مراجعة كبيرة على تصوراتها لتيار الإسلام السياسي.

قد يكون السعي نحو إحداث أزمة بين مصر والإمارات ظهرت ملامحه في وسائل إعلام أجنبية، لكن لا توجد وسيلة رسمية في البلدين رددت ما جرى نشره. وبالتالي فالعزف على سردية الخلاف والتباعد والهوة، يرمي إلى تحويل الشائعة إلى حقيقة، وتخطي الوقائع على الأرض التي لخصتها زيارة وزير خارجية مصر للإمارات أخيرا، والتي جاءت "في إطار التنسيق الوثيق والتعاون المستمر بين البلدين الشقيقين.. وخصوصية وعمق العلاقات الأخوية.. واتفقا على مواصلة تعزيز أطر الشراكة القائمة والبناء على ما تشهده من زخم".

هل يمكن لخلاف بين بلدين يحوي هذه المعاني والمضامين؟ هل يمكن لتباعد كبير أو صغير يطوى عقب زيارة لم تستغرق سوى بضعة ساعات من جانب وزير خارجية؟

الإجابة التي تقفز إلى الذهن مباشرة هي "لا بالبنط العريض"، أو أن خلافا محدودا طرأ في ملف معين وتمت معالجته سريعا. لأن الخلافات العميقة بين الدول يحتاج حلها إلى سنوات وليس بضع ساعات. ما يعني أن ما جرى ترويجه هو محض شائعات، إن لم يكن أكاذيب، أو هو سحابة أسقطت رذاذا وذهبت إلى حال سبيلها.