أعمال فنية غيّرت قوانين مصرية

الأعمال الفنية تستطيع دق ناقوس الخطر وتنبيه الحكومة لموطن الخلل، ما يمكنها من أن تسهم في إلقاء الضوء على قضايا مجتمعية شائكة.

القاهرة- لعبت بعض الأعمال الفنية، على مستوى الدراما والأفلام السينمائية، دورا مهما في إثارة فضول الرأي العام، وتم تداول مغزاها ورسائلها وأهدافها داخل البرلمان، من أجل حث الحكومة على تغيير بعض القوانين المجحفة.

آخر هذه الأعمال، مسلسل "لعبة وقلبت بجد"، وتعرضه فضائية "دي.إم.سي" المصرية، ويناقش خطورة لعبة "روبلوكس" العنكبوتية، ويقبل عليها الأطفال بشغف، وتتضمن عنفا وتحايلا وتحرشا إلكترونيا، ما يؤدي إلى خلل في منظومة القيم.

انطلقت رسالة العمل من قدرة الأبناء- الأطفال على خداع أسرهم، والتجاوب مع أطراف مجهولة في هذه اللعبة، تؤدي إلى ايقاعهم في مشكلات كبيرة. ومن خلال مد الخيط على استقامته يتضرر المجتمع والدولة برمتها.

تجاوبت شرائح كبيرة مع هذا العمل وحصد مشاهدات مليونية في أيامه الأولى من العرض. ولم يستطع أعضاء البرلمان إغفال الفحوى التي ينطوي عليها المسلسل، والمخاطر التي سوف يفضي إليها ترك لعبة مثل "روبلوكس" مفتوحة وبلا ضوابط.

قررت الحكومة حجب هذه اللعبة في مصر أخيرا، ما أثارا انقساما مجتمعيا. فهناك من يرون أن الخطوة غير كافية ولن تمنع الأطفال من التحايل على الوصول إليها، وربما تشجع البعض على استخدام تطبيقات تتيح للدخول إليها من الخارج، من خلال تطبيق "في.بي.إن" الذي يوفر ميزة الدخول على المواقع المحجوبة من دول أخرى. بينما رأى آخرون أهمية كبيرة في الخطوة، لأنها حذرت الأسرة ودفعها نحو القيام بدورها التثقيفي والتربوي والتوعوي، لقطع الطريق على الوصول إليها عبر حيل متعددة، لأن الأطفال في المرحلة المبكرة يميلون للاستكشاف والفضول، وفقا للقاعدة الشهيرة الممنوع مرغوب.

'فاتن أمل حربي' ناقش قضية حضانة الأطفال بعد وقوع الطلاق
'فاتن أمل حربي' ناقش قضية حضانة الأطفال بعد وقوع الطلاق

أخطر من روبلوكس

إذا كانت رسالة المسلسل وصلت إلى الحكومة، وهو ما أسعد بطل العمل الفنان أحمد زاهر، فعليها أن تتخذ الإجراءات الإلكترونية اللازمة لمنع تسللها، والقيام بدورها الاجتماعي أيضا كي لا يتم تفريغ الخطوة من مضمونها، وتجد نفسها أمام ألعاب أخرى لا تقل خطورة عن "روبلوكس"، التي بدأت تثير مخاوف في دول عدة، اضطر بعضها إلى حجبها تماما، في اتجاه يرمي إلى فرض قيود على الأطفال ممن يرتادون مواقع التواصل الاجتماعي بكثافة.

نجح مسلسل "لعبة وقلبت بجد" في تحذير المجتمع من مخاطر هذه اللعبة، وتمكن من تقديم توليفة درامية جيدة في قالب فني متماسك، حافظ على توازنه وبلا إخلال بالهدف.

أسهم في البطولة مجموعة من الأطفال الموهوبين، الذين أدوا أدوارهم بشكل ممتاز فنيا، كأنهم يتصرفون بطبيعتهم ولا يممثلون، وبدا ذلك في اتقانهم اللعبة والتعامل معها تلقائيا، ما يعني أنها منتشرة في أوساطهم. الأمر الذي وفر للمسلسل مصداقية عالية.

جاء تفاعل طاقم التمثيل متقنا في اللغة المستخدمة في السيناريو والحوار، وأبرزهم أحمد زاهر ورحمة أحمد وعمر الشناوي ودنيا المصري وريام كفارنة وسهير بن عمارة ونادين وحجاج عبدالعظيم، وجرى تمثيل العمل عن اقتناع بأهدافه، التي تهم جميع الأسر، وبعضهم يعلمون الكثير عن مخاطر انتشارها في أوساط الأطفال، وما يمكن أن تحدثه من تأثيرات سلبية على تفكيرهم ووجدانهم.

'لعبة نيوتن' ناقش أزمة الطلاق الشفهي
'لعبة نيوتن' ناقش أزمة الطلاق الشفهي

اتقان فني متكامل

نجح المؤلفان علاء حسن ونسمة سمير في صياغة مفردات تتناسب مع الأطفال، واختيار عبارات تخدم الفحوى الذي أراد العمل توصيله إلى الجمهور.

وتمكن المخرج حاتم محمود من صياغة السردية الفنية بشكل لا يُشعر الأطفال بالملل أو الخداع، أو أنه يقدم درسا تعليميا تقليديا. وهو أحد المفاتيح التي ساعدت مسلسل "لعبة وقلبت بجد" على النجاح.

وكان لهذا العنوان دورا في لفت انتباه الجمهور إلى أنه ليس أمام لعبة عادية يمكن تجربتها بسهولة وتعتمد على التسلية، بل أمام لعبة تحمل خطرا يهدد المجتمع. ومع التمادي في انتشارها قد تجد بعض الأسر نفسها أمام مشكلات كبيرة.

وأكد تجاوب الحكومة المصرية وسرعة تفاعلها مع تحرك البرلمان، وجود شعور جارف بخطورة لعبة "روبلوكس" وأن العمل الدرامي وصّل فكرته التي وجدت أصداء إيجابية من مؤسسات رسمية، ما جعله في عداد الأعمال التي حركت المياه الراكدة تجاه بعض الأزمات المسكوت عنها، ومعالجة خلل في قوانين يتم تطبيقها بلا مراعاة لمخاطرها، حيث تحمل في مكنونها عجزا وتؤثر على مكونات حية في المجتمع.

رسالة المسلسل وصلت إلى الحكومة
رسالة المسلسل وصلت إلى الحكومة

قضايا مجتمعية شائكة

يعيد مسلسل "لعبة وقلبت بجد" ما أسهمت فيه أعمال سابقة لامست قضايا مجتمعية مهمة، وفرضت على الحكومة استيعاب رسائلها، والتحرك بما يتواءم مع الأهداف التي سعت إليها. فعندما عُرض مسلسل "تحت الوصاية" بطولة منى زكي تطرق إلى فكرة وصاية العم للأطفال بعد وفاة الأب الشقيق، وتحكمه في ثروتهم وإجبار العم أمهم على التسليم بمطالبه المادية، وفقا للقانون، الذي بات محل مناقشة من المجتمع المدني لتعديله، بما يسمح للأم أن تكون وصية على أولادها بعد وفاة زوجها.

قدمت الفنانة منى زكي أيضا عملا دراميا بديعا منذ ثلاثة أعوام بعنوان "لعبة نيوتن"، ناقش أزمة الطلاق الشفهي، التي دخل على خطها رئيس الدولة عبدالفتاح السيسي، وطالب شيخ الأزهر أحمد الطيب بالموافقة على أن يكون الطلاق الشفهي موازيا للمكتوب- الموثق، ما يحل أزمة مختمرة في المجتمع، حيث يقوم الزوج بتطليق زوجته شفهيا أحيانا، وتعتقد أنها تحررت منه فتقدم على الزواج من آخر. وفي هذه اللحظة يظهر الزوج الأول ويتنصل من طلاقه الشفهي، ويستطيع أن يتهم زوجته بـ"الزنا"، لأن القانون المصري لا يعترف سوى بالطلاق الموثق رسميا.

كما قدمت الفنانة نيللي كريم عملا مهما بعنوان "فاتن أمل حربي" وناقش قضية حضانة الأطفال بعد وقوع الطلاق، وجسدت دور السيدة المقهورة على يد زوجها السابق وقام بدوره الفنان شريف سلامة. ومع أن العمل أثار ردود فعل واسعة في حينه، وتعالت أصوات أعضاء في البرلمان لتعديل القانون، غير أن الحملة هدأت ولم يتم تغيير القانون بالشكل الذي ينهي هذه المشكلة تماما. لكنه أكد أن الأعمال الفنية تستطيع دق ناقوس الخطر وتنبيه الحكومة لموطن الخلل، ما يمكنها من أن تسهم في إلقاء الضوء على قضايا مجتمعية شائكة، خاصة إذا تم تقديمها بصورة فنية جيدة.

أتت هذه الأعمال بعد تقديم أخرى سينمائية منذ سنوات طويلة، وعالجت قضايا حيوية أيضا. مثل فيلم "كلمة شرف" بطولة فريد شوقي، الذي أدى إلى تغيير القانون بما يسمح بحق المسجون بزيارة أسرته في حالات إنسانية معينة، كالوفاة أو الزواج. وفيلم "جعلوني مجرما" بطولة فريد شوقي أيضا، والذي تم سجنه مرة واحدة، وتعامل معه المجتمع على أنه مذنب طوال الوقت، فتحول إلى مجرم حقيقي بسبب مطاردة الناس له باعتباره مذنبا دائما. ولعب هذا الفيلم دورا في إسقاط السجن لأول مرة من الصحيفة الجنائية بعد فترة معينة، وعدم ملازمته لصاحبه طوال الوقت.

كما أن فيلم "أريد حلا" بطولة فاتن حمامة ورشدي أباظة، كان سببا في تغيير قانون الأحوال الشخصية وسن قانون الخُلع بمصر، حيث طلبت سيدة الطلاق من زوجها، وصمم على الرفض، ولم تجد بدا من اللجوء إلى المحكمة للخلاص منه ولم تنصفها. وجاء قانون الخُلع كحل منقذ لبعض السيدات عند استحالة الحياة الزوجية.