الأفكار في المدونات وإن طغى فيسبوك وتويتر


الغموض الذي يكتنف وسائل التواصل الاجتماعي وتأثيرها على الديمقراطية قد حجب حقيقة أن عالم التدوين لا يستمر في الوجود فحسب، بل يؤدي أيضا إلى أداء العديد من الوظائف الفعالة في الحياة.


نسبة كبيرة من المدونات تعد من بين أفضل مصادر المعلومات للحصول على نظرة ثاقبة بشأن العالم

بدا الوقت هذا الأسبوع ملائما جدا لمراجعة التعريف بأنفسنا بوصفنا مدونين نعيد تعريف العالم بشكل يومي مستمر، فالمدونات تعريف جديد للإنسان وما يحدث في العالم في العصر الرقمي.

في مثل هذا الأسبوع قبل 25 عاما كان ديف وينر قد أنشأ مدونته الخطيرة، فيمكن أن يمنح سبق الريادة في التدوين، لكن الأهم من ذلك هو استمراره بالرغم من استحواذ إمبراطوريات التواصل الاجتماعي على الفضاء الرقمي.

مازال وينر المتخصص بالبرمجة النصية ومنذ عام 1994 يحدث مدونته المهتمة بالتقاطع الحاصل بين التكنولوجيا والسياسة، بطريقة يصفه فيها الباحث الأيرلندي في التكنولوجيا والأدب جون نوتون، بكنز دولي على شبكة الإنترنت، ومازالت مدونته scripting.com بمثابة قراءة لازمة لأي شخص مهتم بالتكنولوجيا والإعلام والسياسة.

أهمية ما يكتبه ديف وينر الباحث الزائر في جامعة نيويورك في مجال الصحافة، تكمن بعدم ركضه وراء المال، فعلى الرغم من العدد الضخم من المستخدمين المتابعين له، لم يقبل نشر الإعلانات لأنه يرفض “التقاط القمامة” حسب تعبيره، ويعلن بلا تردد بأنه لا يحتاج إلى المال بقدر حاجته إلى الأفكار المبتكرة “سبق وأن باع شركته التكنولوجية الخاصة عام 1987 مقابل مبلغ كبير”، لكنه لم يسترخ منذ ذلك التاريخ، ولم يتمتع بالمال كما فعل غيره عندما يتقاضى بعض المبتكرين مبالغ كبيرة يتفرغون بعدها إلى لعب الغولف وشراء اليخوت الفخمة والتسكع في أروقة الرفاهية الباذخة.

كانت لدى وينر سلسلة طويلة من الابتكارات التكنولوجية باسمه، ومع كل ذلك لا يطمح إلى إغراء المستخدمين القراء، كما يفعل مثلا أي نجم بوب لديه بضعة ملايين من المتابعين على تويتر، دعك من الرئيس دونالد ترامب الذي يصنع سياسته بالتغريدات. وينر يقترح ويصنع أفكارا عبر مدونته الرائدة. لقد استمر بتذكيرنا بأهمية التدوين على الرغم من انفجار وسائل التواصل الاجتماعي التي سحبت أوكسجين المعرفة من بيئة المعلومات الخاصة بنا.

التدوين هو الشكل السائد للمعرفة وصناعة الأفكار اليوم، لذلك يوصف تويتر على أنه خدمة “تدوين مصغر”، ولكنه بعد أن أصبح الميكرفون الأقوى في العالم تدهور-لسوء الحظ- إلى أن وصل إلى “مجار سامة” حسب تعبير جون نوتون.

في أواخر تسعينات القرن الماضي أصبحت المدونات الإلكترونية مصدر إلهام بالنسبة للكثيرين منا، وبدا الأمر وكأن فكرة عالم الاجتماع الألماني وأحد منظري مدرسة فرانكفورت النقدية يورغن هابرماس، بشأن التصور المثالي لمنتدى الحوار الديمقراطي وتجاهل المرتبة الاجتماعية قد بدأت في الظهور حقا في العالم الرقمي.

وهكذا قدم إلينا فيسبوك في عام 2004، ثم يوتيوب في 2005 وتويتر بعده بسنة، بدا الأمر وكأن هذه المواقع الاجتماعية ستزيد من ديمقراطية العالم وتكون مثالا للحوكمة الرشيدة بعد أن صار بمقدور كل الناس التعبير عن أنفسهم. إلا أن الذي حصل أن المناقشة على هذه المنصات تم تنظيمها بواسطة خوارزميات كانت موجهة أكثر لزيادة عدد المستخدمين بدوافع الربح المادي بدلا من التداول العقلاني. والثاني هو أن العديد من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي بدوا وكأن لديهم رغبة محدودة في المناقشة العقلانية. وهكذا تحول تويتر إلى قناة سامة وأجزاء كبيرة من فيسبوك ويوتيوب أصبحت فضاء لنظريات المؤامرة وخطاب الكراهية، والأسوأ أن مواقع التواصل الاجتماعي التي ترسخت كجزء من حياة الناس تمثل مرتعا للتلوث أكثر منها للمعرفة.

لذلك لا يرى الكاتب كاس ر.سانستاين التعامل مع هذه المخاطر ومجابهتها كافيا بمجرد الاعتماد على الرسائل المجردة بشأن أهمية حرية التعبير. ويقول في مقال له ببلومبرغ “من السهل تفهم سبب إحجام فيسبوك عن العمل كوزارة للتدقيق في الحقائق، على غرار ما طرحه جورج أورويل في روايته 1984. بيد أن عام 1984 هو أمر، وعام 2019 أمر مختلف تماما. ورغما عن أنوفهم، تساهم شركة فيسبوك وغيرها في الوضع الراهن العاصف بقوة الحقيقة في النقاش الديمقراطي يوما بعد يوم. ومن شأن ذلك تقويض أركان الديمقراطية نفسها. ويبقى التساؤل بلا إجابة، ما الذي يمكننا فعله إزاء ذلك؟”.

الغموض الذي يكتنف وسائل التواصل الاجتماعي وتأثيرها على الديمقراطية قد حجب حقيقة أن عالم التدوين لا يستمر في الوجود فحسب، بل يؤدي أيضا إلى أداء العديد من الوظائف الفعالة في الحياة، يكفي أن نذكر هنا أن أكثر من 409 ملايين شخص يشاهدون أكثر من عشرين مليار صفحة تدوين شهريا، وأن المستخدمين ينشرون سبعين مليون منشور جديد و77 مليون تعليق جديد كل شهر.

وتشير إحصائية أخرى إلى أنه من بين 1.7 مليار موقع في العالم، هناك حوالي 500 مليون مدونة. يستضيف وورد برس وحده 120 لغة منها ثلاثة أرباعها بالإنكليزية. المدونون العرب يمتلكون نسبة تدعو للتفاؤل أيضا.

صحيح أن نسبة كبيرة من المدونات شخصية لا تعبر إلا عن نفسها، لكن نسبة كبيرة منها أيضا تعد من بين أفضل مصادر المعلومات لدينا للحصول على نظرة ثاقبة بشأن العالم وما يتعلق بالاقتصاد والسياسة. ولهذا ينصحنا جون نوتون وهو باحث وأستاذ التكنولوجيا في الجامعة المفتوحة وكاتب دائم في صحيفة الغارديان البريطانية ومدير برنامج الزمالة الصحافية في كلية وولفسون وأحد أساتذة جامعة كمبريدج، والأهم من كل ذلك بالنسبة للمهتمين بالبحث في العصر الرقمي، أنه مؤلف كتاب “من غوتنبرغ إلى زوكربيرغ: ما تحتاج معرفته حقا عن الإنترنت”، ينصحنا باستقاء أفضل المعلومات من المدونات الحكيمة، من دون أن يقترح علينا ترك حساباتنا على فيسبوك أو تويتر!

لذلك يرى ديف وينر أن مواقع التواصل الاجتماعي نوع من المدونات التي تحظى بشعبية كبيرة، لكنها لحد الآن غير قادرة على استبدال التدوين نفسه “لأنك تستخدم مدونتك الشخصية بشكل صحيح بينما لا يحصل مثل هذا على فيسبوك وتويتر”، عدد الأحرف المحدود في تدوينات تويتر مثلا أشبه بالبقرة المقدسة تحول دون تحويل الكلام إلى أفكار، فلا يمكن أن يكون المستخدم مدونا وهو يختزل صوته، قد يكون كذلك في جمل قصيرة مضحكة ومثيرة، وهذه ليست من مواصفات المدون.

لم يلهمنا الكتاب الكبار بتغريدات قصيرة، بقدر ما حرضونا على الخيال في نصوص رائعة، ذلك هو الفن.