الأناقة العراقية تكتمل بأنامل الحرف اليدوية

شروق الخزعلي تستحضر المصوغات الشعبية في تصميم عباءة جديدة، لتجعل من التراث العراقي سردية بصرية متكاملة تنبض بالحداثة.

بغداد – في مشهد ثقافي يتكئ على عمق التاريخ وثراء التنوع، تواصل الدار العراقية للأزياء أداء دورها الريادي في صون الذاكرة البصرية والهوية الجمالية للعراق، عبر الحفاظ على الأزياء التقليدية بوصفها وثائق حيّة تختزن الحكايات الاجتماعية، والرموز الحضارية، والتفاصيل اليومية لحياة الإنسان العراقي عبر العصور، فالزيّ الشعبي لم يكن يومًا مجرد ملبس، بل لغة ثقافية كاملة تعكس الانتماء الجغرافي والطبقي والمناخي، وحتى الطقوسي، ما جعل من مهمة الدار مسؤولية حضارية تتجاوز حدود التصميم إلى فضاءات التوثيق والحفظ وإعادة القراءة الجمالية للتاريخ.

وأعلنت المصممة شروق الخزعلي عن قرب إنجاز اللمسات الأخيرة لعباءتها الجديدة، التي تُعد أحدث نتاجات قسم الإنتاج الفني في الدار العراقية للأزياء، لتجسد مرة أخرى قدرة الدار على استلهام التراث وتحويله إلى عمل فني معاصر، فالعباءة التي ما تزال تحظى بمكانة رمزية واجتماعية خاصة في المجتمع العراقي، لم تُقدَّم هنا كلباس تقليدي فحسب، بل كقطعة فنية تحمل سردية بصرية متكاملة.

وأوضحت الخزعلي لوكالة الأنباء العراقية (واع)، الأربعاء، أن العباءة حملت اسم "ترچية"، وهي فكرة تصميمية مستوحاة من المصوغات الذهبية الفلكلورية التي كانت تتزين بها المرأة العراقية قديمًا، مثل الخزامة، وأبو القصب، والسلاح، والكردان، والليرة.

وأشارت إلى أن هذه المصوغات لم تكن مجرد زينة، بل رموزًا اجتماعية ودلالات ثقافية تعكس المكانة والذوق والانتماء، وهو ما سعت إلى استحضاره في تصميمها، في محاولة واعية لإحياء ذاكرة الزينة الشعبية وترسيخ حضورها في المشهد الفني المعاصر.

وأضافت أن التصميم نُفذ باستخدام قماش الصوف النجفي، المعروف بمتانته وجودته وارتباطه بالبيئة المحلية، بلونين متناغمين هما الجوزي والبيج، في اختيار لوني يستحضر دفء الأرض العراقية وهدوء مفرداتها الطبيعية. واعتمدت في بنية العباءة على الخطوط الطولية التي قُطعت وجُمعت بغرزة الشيرازية باستخدام خيوط الكلبدون، وهي تقنية تقليدية تضفي على القطعة تماسكًا وأناقة خاصة، وتؤكد حضور الحرفة اليدوية بوصفها عنصرًا جوهريًا في هوية الدار.

وتابعت الخزعلي أن خطوط العباءة زُينت بتطريز طولي يحاكي أشكال الحلي الذهبية، مع إضافة لمسات فنية من الخرز والكريستال، لتجسيد بريق المصوغات الأصلية ومنح التصميم بعدًا بصريًا لافتًا يجمع بين الفخامة والرصانة. وبيّنت أن إنجاز هذه العباءة جاء ثمرة عمل جماعي شارك فيه فريق متكامل من الباترونيست والخياطين والطرازين والمنفذين، ليخرج العمل كنتاج فني يعكس الخبرة العالية والحرفية التي تتميز بها الدار العراقية للأزياء.

ولا يقتصر هذا التوجه على تجربة الخزعلي وحدها، إذ يؤكد مصمم الأزياء حسين جابر أن الدار العراقية للأزياء تمثل "المرجعية الأهم لكل مصمم عراقي يسعى للعمل على التراث دون تشويهه"، مشيرًا إلى أن الدار "لا تكتفي بعرض الأزياء، بل تشتغل على توثيقها أكاديميًا، ما يمنح المصمم أرضية معرفية صلبة قبل الشروع في أي عملية تحديث أو تطوير"، مضيفا أن الحفاظ على الأزياء التقليدية لا يعني نسخها حرفيًا، بل فهم بنيتها الرمزية والجمالية وإعادة تقديمها بروح معاصرة.

من جهتها، ترى المصممة زينب الربيعي أن قوة الدار العراقية للأزياء تكمن في قدرتها على الجمع بين الحرفة التقليدية والتقنيات الحديثة، موضحة أن "الدار حافظت على مهارات التطريز اليدوي والنسيج المحلي، وفي الوقت نفسه فتحت المجال أمام تجارب تصميمية جديدة تخاطب الأجيال الشابة"، مؤكدة أن هذا التوازن أسهم في إعادة الاعتبار للأزياء العراقية داخل البلاد وخارجها.

ويُجمع مصممون آخرون على أن العولمة وتوحيد الأذواق العالمية شكّلا تحديًا حقيقيًا للأزياء التقليدية، التي باتت مهددة بالتهميش أو التحوير المفرط. وفي هذا الإطار، يشير المصمم علي السامرائي إلى أن الدار العراقية للأزياء تبنّت نهجًا واعيًا يقوم على احترام الأصل دون الوقوع في أسر التقليد الحرفي، وعلى الابتكار دون التفريط بالهوية. وقال إن "عروض الدار ومجموعاتها الفنية تحولت إلى مساحة حوار بين الماضي والحاضر، وبين الحرفة اليدوية والتقنيات الحديثة".

ومنذ تأسيسها، عملت الدار العراقية للأزياء على جمع الأزياء التراثية من مختلف محافظات العراق، من الجنوب بأهواره وعباءاته المطرزة، إلى الوسط بملابسه المدينية والريفية، وصولًا إلى الشمال بتنوعه الكردي والتركماني والآشوري. ولم يُقدَّم هذا التنوع بوصفه ماضيًا جامدًا، بل كمصدر إلهام حيّ قابل للتجدد، حيث تسعى الدار إلى تحويل الموروث الشعبي إلى رؤى تصميمية معاصرة تحافظ على الخصوصية العراقية، وتنفتح في الوقت نفسه على لغة العصر ومتطلبات الذائقة الحديثة.

المصوغات لم تكن مجرد زينة
المصوغات لم تكن مجرد زينة

ويمتد دور الدار العراقية للأزياء إلى المشاركة في المعارض والمهرجانات العربية والدولية، حيث تمثل الأزياء العراقية سفيرًا ثقافيًا يعرّف العالم بثراء الحضارة العراقية وتنوعها. ومن خلال هذه المشاركات، تسهم الدار في تصحيح الصورة النمطية، وتؤكد أن العراق ليس فقط أرض حضارات قديمة، بل فضاء حيّ للإبداع المعاصر المتجذر في تاريخه.

وفي المحصلة، تشكل الأزياء التقليدية العراقية، بما تحمله من رموز ودلالات، ركيزة أساسية في بناء الهوية الثقافية، وتأتي جهود الدار العراقية للأزياء، مدعومة برؤى المصممين والمصممات، لتؤكد أن الحفاظ على التراث لا يعني تجميده، بل إعادة تقديمه بروح جديدة تضمن استمراريته.

وبين العباءة وغيرها من الأعمال الفنية، تواصل الدار نسج خيوط الماضي بالحاضر، محافظة على خصوصية الزي العراقي، ومؤكدة أن الأناقة الحقيقية تبدأ دائمًا من الجذور.