الأوتوبيوغرافيا في مَزاغل قيس مجيد المولى

الشاعر عبّر عن عذاب الإنسان وحيرته حتى تجلّى لنا بلغته كفيلسوف أجاد الإبحار في مفاهيم فلسفية وقضايا وجودية.


حينما يجد الإنسان نفسه مجبرا ومحصّنا خلف أسوار شائكة من الأزمنة والأمكنة التي لا يستطيع النفاذ منها والخلاص، فلا بدّ له من منافذ وفوّهات


الشاعر حاول ابتكار نصّ يكتشف خبايا هذا العالم عن طريق نصوص فلسفية وجدلية قائمة ومستمرة ما بين الذات ومعرفتها كعارفة للعالم

إنّ قراءة مجموعة الشاعر قيس مجيد المولى "مَزاغل للعُتمةِ .. وخفايا للأنباء" توحي لنا بأنّ الشاعر قد عبّر عن عذاب الإنسان وحيرته حتى تجلّى لنا بلغته كفيلسوف أجاد الإبحار في مفاهيم فلسفية وقضايا وجودية في رحلة اكتشفنا عبرها مقدرته في قراءة فلسفة الحياة والموت والوجود وتصوير محنة هذا الإنسان المسكون بالخوف وصراعه مع المجهول، وسعيه أن يجعل من الشعر لعبة يمرح فيها الخيال دون سلطة وأن يعيد للشعر بعض هيبته التي فقدها.
حينما يجد الإنسان نفسه مجبرا ومحصّنا خلف أسوار شائكة من الأزمنة والأمكنة التي لا يستطيع النفاذ منها والخلاص، فلا بدّ له من منافذ وفوّهات من خلالها يستطيع معرفة الحقيقة والعالم وما يجري حوله، ولهذا سعى الشاعر ومن خلال عنوان مجموعته هذه أن يجد له بعضا من المَزاعل الفتحات الموجودة في السور الدفاعي أو البروج أو الحصن تطلق منها السهام أو القذائف، كما تستخدم منفذا لغرض الإضاءة والتهوية – كما هو تعريفها لغويا، سعيا منه لاستنشاق هواء جديد وإضاءة من خلالها يكتشف كنه هذا الحضور وكشف أسرار هذا العالم، فأطلق قصائده هذه كالسهام والقذائف من خلف البروج التي يتحصّن فيها. 
إنّ قصائد المجموعة حسب قراءتي المتواضع لها ولعمق معناها عبارة / مجرد تفسير للمشاهد / و .. مجرد تحديث لتاريخ الأفكار / و .. لما جرى وسوف يجري / في ذات الوقت / تدوير اتجاهات / وتدوير الأزمنة / و ... تمّ َ إيضاح ذلك / وخفايا للأنباء. 
لقد حاول الشاعر ابتكار نصّ يكتشف خبايا هذا العالم عن طريق نصوص فلسفية وجدلية قائمة ومستمرة ما بين الذات ومعرفتها كعارفة للعالم، كذات واعية مدركة لما يجري ومفهوم الموضوع، وهذا ما يشتغل عليه المنهج الأوتوبيوغرافي في قراءة النصّ الفلسفي. إنها محنة الكائن الذي يسقط فريسة لأوهام يعيد إنتاجها كلّ يوم حينما يكون الوقت عبارة عن ممر يفضي إلى المجهول. "الوقت ممرّ يقود إلى وقت شبيه ووقت مجهول" هكذا يكون الوقت حاضرا على طول هذه النصوص، يكون فيها هو القاسم المشترك لمرثية الذات المكبّلة بمعرفتها في زمن السبات. "وتفهماً لذلك تبدأ اللحظة من حقلها وأخرى من تبلور استثنائي وسريع للتقصي عن المشابهة أو التقصي عن كشف للتضاد". 

ديوان الشاعر قيس مجيد المولى يحوي تجربة شعرية فذّة وكبيرة لا بدّ من تسليط الضوء عليها من جهات عديدة، كونه ثرّا وعميقا كالمحيط، لا يمكن الإحاطة بكل ما يحوي بسهولة

إنّ اللغة هنا يتوقف وجودها من خلال مفرداتها والجمل اللفظية ودلالاتها وما تعنيه لغويا من خلال ترابطها وتعاضدها داخل النسيج الشعري، ويتوقف حضورها على مقدرتها على الكشف والتجلّي. "إنّ صحن الحساء هذا هو المقصود / والقطة التي تعبث بالتراب لتتبول هي المقصودة / ومن شانك أن تجد لكل منهما وظائف سرية / ربما ينتظم الاختلاف / لتتقارب الاحتمالات / مجرد تفسير للمشاهد". 
وهنا نتساءل: كيف تظهر مثل هذه المواضيع لدى الشاعر؟ إن هكذا مواضيع قد تجلّت في الذات الواعية الشاعرة مدركة لها ومستيقنة بحضورها واستعداداتها المعرفية وارتباطها بالوعي. 
وفي مكان آخر نقرأ "للوهلة الأولى تبدو الصور الواضحة الرؤيا فاسدة / القصدية ونسبية في رمزية وضوحها وخطابها الاستعاري". إنها محنة الذات الواعية بما يحدث فتظهر المواضيع في الوعي حاضرة نتيجة مقصدية تنتهجها الذات الواعية لاستحضار موضوعات كامنة في الوعي، وإعادة صياغتها بلغة شعرية فلسفية تدعو المتلقي أن يقف أمامها ويحاول جاهدا فكّ رموزها. 
ونقرأ في مكان آخر من الديوان "من البديهي ../ أن يكون هناك نموذج بلاغي يتركز في مرجعية الظواهر / كيفية نشوء التفكير في الغريزة". فمادامت هناك مواضيع تشغل الذات وتقلقها حتما ستلجأ إلى اللغة للتعبير عنها والبحث في ماهية هذه المواضيع وتفسيرها بما يتناسب مع قابلياتها الذهنية الواعية وإدراك حقيقتها. 
ونعود مرة أخرى لنقرأ "حين دارت البوصلة الكونية وهو ما يعني الانتقال إلى الصفحات الأكثر سمكاً كي نقرأ "المعيار والمعيارية . مشاهد أرخميدس في حوض الماء . كرسي سارتر . ضوء اديسون . نوطات بتهوفن . مطرقة ماوتسي تونغ. البصيرة والاستبصار . الحمى الثلاثية والروماتيزم. المجال الكهرومغناطيسي. الانفجار العظيم الذي سينهي لعبة التأويل والشكّ". لقد استطاعت الذات الواعية بمحنتها استدعاء كل هؤلاء في هذا المقطع كونها مزدحمة بأفكارهم ولما تمثله عندها من دلالات فكرية وعلمية وثقافية واجتماعية كونها علامات تجلّت في ليل الإنسانية الغائم بالشكّ والريبة والتأويل وإضفاء بُعد دلالي على أجواء النسيج الشعري. إن الذات تعي بأنها تعيش في عصر جديد فرض عليها مفاهيم وأطروحات مختلفة وإيقاع متسارع في وتيرة الأحداث والاكتشافات، لذا فهي (الذات) تطوف محلّقة تنتقل بنا مبدعة من خلال صورها المتجلّية نتيجة حدوث حرب داخلية تجري داخلها، استثمرت خيالها الخصب أن يؤلف بين موضوعات غريبة عن العقل والمنطق كما في هذا المقطع "يتمدد الرجل داخل دائرة / دائرة أغلقت عليه منذ عامين / قبلها أغلقا عليه تشكيلان هندسيان / كونه أراد توضيح فكرة / للببغاء الذي في القفص". إنه صراع تراجيدي تعيشه هذه الذات في زمن تكشّفت فيه الحقائق، إننا نقرأ هنا جملا تفتح النصّ على مساحات شاسعة من التأويل، ابتدعتها الذات بعدما أحسّت بهول الغربة والخطر الجاثم عليها، إنها مجرد محاولة لتوضيح الأسباب. تسعى الذات الواعية بهول فجيعتها دائما في هذه النصوص لتوضح ما يحدث من حولها بعدما تزاحمت فيها صور الخراب والدمار، لغة أشبه بالهذيان في لحظة الصحو واليقين "إلى الآن والاستغراق في الوعي لم يبلغ النهاية / لكن الاجراء هذه المرّة ليس إجراءا شكلياً / إذ توقف القطار ومُسحَ الضباب عن زجاج النافذة". وتحاول الذات وتسعى جاهدة للبحث عن الحقيقة والاطمئنان إليها، وقد تسعى إلى ذلك من خلال تشويش أفكارها "قال إذن ومن أجل تشويش أفكاري / ربما أحصل على فكرة منفصلة / حسنا / حين أسدّ طبلتي آذاني / سأقفز من ... / ربما لا أموت / اقع في بطن يقطينة خرافية / وسأبقى طويلا كي تتشوش أفكاري ولو لبرهة. أعتقد أن هناك بساطة في الأمر". 

شعر عراقي
مشقة رائعة 

إننا نجد هنا سيطرة وتحكّم في مستوى التفكير والإدراك كون هذه المواضيع موجودة في الوعي تحاول الذات أن تعبّر عنها وهذا ما جعل هذه المواضيع تظهر في الوعي وتتمظهر هكذا من خلال الأفكار والصور الذي ابتدعها الشاعر. وفي ذات الوقت تتداعى الذات في محاولة للنبش في الذاكرة البعيدة لإعادة الكثير من الأشياء التي غابت وتلاشت منها، حالة مستخلصة من تجربة ومعرفة مستقلة كامنة في العقل لا دخل للحسّ فيها "بدلا من الذاكرة. وسيلة ما لإعادة الأشياء التي غابت. سلال الأزهار وهي تُشرى من أبناء الموتى ولم يزالوا بـ أربطة أعناقهم السوداء. تذاكر مثقوبة كنسها عمال النظافة من العربة التاسعة لقطار الشرق السريع. واجهة النافذة بمواجهة صوت الريح في محطة قطارات سيرجي. صورة لنيكوس كازنتزاكي، وصورة لحانة في أعلى قمة جبل بيتوشا. تاريخ على شمعدان برونزي لرحيل (أنخسيس) عن طروادة. لحظة قصوى من لحظات الغريزة الجنسية في فندق أمونيا والسيدة صاحبة القبعة المكسيكية. تكثيف أسلوبي لفصل تمهيدي لم يُكمل بعد". وفي "كاس مالح" تستحضر الذات الذوات الأخرى لحضورها الدائم واليقينيّ فيها وتهيمن هذه الذوات على طول المشهد الذي يبتدأ من "أحرّك الملعقة في قدح الشاي / الشاي لا يتحرّك / ثمة ثوب نسائي على كرسي عند شرفة / يتحرك ثوب المرأة / تتضح معالمه / في مقدمته كلب يعوي وراء كلة / في الجهة اليسرى للمقابلة". هنا تبدأ الذوات في الدخول إلى هذا المشهد ابتداءا بـ محمود البريكان، خليل شوقي، عبدالله كوران، فيصل لعيبي، أزادوهي صموئيل. بينما يعلو في الجهة اليمنى صوت يوسف العاني، والسياب "وبعدها ببرهة / تطلّ علينا نازك الملائكة بثوبها الخمسيني / والبياتي ببدلته الرماد وبغليونه السيبيري وتبغه الطاجكستاني / بينما تبتسم الذات الواعية لـرامبو، ويضع الجواهري على جبينه قطرة ماء من دجلة يبرد". 
وتتداعى الأحداث والذوات وتتزاحم في مشاهد تثير الأسئلة والحيرة لدى المتلقي:  عفره وبدر / النخلة والجيران / ساكوفانزيتي / جمعة اللامي / سامي مهدي / منير بشير / رافع الناصري / بينما "للشاي لا ملعقة ولا قدح للشاي"! وتستمر المشاهد حتى النهاية ولكن إلى الان "أحرك الشاي في قدح الشاي / الشاي لا يتحرك / لتشغل كل هذا الفضاء الزماني والمكاني بلا حدود وتكون السيطرة للعقل فيها. 
إننا لو بحثنا عن الأفكار فسنجدها في الكلمات التي استخدمتها الذات الواعية الشاعرة ، فكل كلمة هنا أو اسم ذُكره له دلالته، لقد وصلت هذه الذات إلى مرحلة من النضوج مكّنها أن تمتلك من الرؤى الفكرية أن تجسّدها من خلال الكلمات، هذه الذات لا تنساق وراء مشاعرها وعواطفها وإنما تجعل للفكر والوعي مكانا في عقلها. وبفعل "صخرة ألقيت على الظلام" تتكرر مشاهد الشاعر وأفكاره في مشهد يستمر وتتمظهر شخصياته الافتراضية متدفقة متداعية، ويبقى الشاعر هو الشاهد والسارد حاضرا مراهنا على محنتها المتمثلة في محنته هو بالذات "لشخص سيرحل قريبا بقطار الساعة التاسعة، ثمة مشهد يصلح للمناوبة بمشهد آخر". أين سيرحل هذا الرجل؟ ولماذا سيرحل ولماذا أقحمه الشاعر ها هنا. ومالذي يعنيه هذا الرجل الذي سيرحل؟ 
هكذا يتركنا الشاعر نتقاسم حيرته وعذاباته، ويطلب منّا ان نستمر في رحلته هذه.  "البداية من الأشياء الإفتراضية ومنها: امرأة قد تتزوج قريبا / قطة تتسلق جدارا تلاحق عنكبوت / محاولة لصّ لسرقة عنق وأزرارا فضية" هل هي رموز يثيرها الشاعر هنا ليزيد من حيرتنا حين لم يصرّح بمكنونات هذه الذوات التي تركها سائبة كـ "أشياء اشتقاقية أخرى ومنها: رموز لم يحن تجريبها بعد /  تجريبها بعد تأويل بنيتها / وخفايا إستعاراتها السابقة؟" 
وبين هؤلاء يبقى التأويل ومعرفة خفايا النصّ متعلقا بمقدرة القارىء المنتج على الإكتشاف، ويبقى كلّ يؤول حسبما ينتجه النصّ لديه استنادا لمرجعياته وخزينه المعرفي والقراءاتي، ويبقى الشاعر اللاعب الوحيد الذي يمسك بخيوط اللعبة، ويبقى حقل المعنى ينفتح تأويليا ودلاليا.
إنّ ديوان الشاعر قيس مجيد المولى يحوي تجربة شعرية فذّة وكبيرة لا بدّ من تسليط الضوء عليها من جهات عديدة، كونه ثرّا وعميقا كالمحيط، لا يمكن الإحاطة بكل ما يحوي بسهولة، وحتى المشقة في قراءته لهي مشقة رائعة وتستحق أكثر من محاولة.