الإبداع في مكان آخر

مستقبل الثقافة في ظل تصاعد الإهتمام بوسائل التواصل الإجتماعي، وازدياد عدد من يرتادون المواقع والمنصات الإلكترونية.


تجربة العالم مع فيروس كورونا حدا بنا للتعامل مع وسائل التواصل الإجتماعي بوصفها إمكانيةً متاحة لتأسيس المشاريع وإطلاق المبادرات 


دعودة الأصدقاء لبعضهم لنشر أغلفة الكتب التي كان لها تأثير على تكوينهم الثقافي

قبل سنتين ناقشنا من خلال سؤال "هل تندثر الثقافة في زمن العالم الإفتراضي" مستقبل الثقافة في ظل تصاعد الإهتمام بوسائل التواصل الإجتماعي، وازدياد عدد من يرتادون المواقع والمنصات الإلكترونية بحيثُ يفوقُ دور هذه الوسائط على الإعلام التقليدي بل أصبحتَ مصدراً رئيساً للأخبار ويتابعُ الجمهورُ من خلالها منشورات السياسيين والنجوم والأدباء، كما قد تتحولُ إلى حلبة للمناوشات الكلامية بين المُتخاصمين سياسياً أو فكرياً أو عقائدياً. 
إذاً فإنَّ ما يصطلحُ عليه بالعالم البديل كان يثيرُ الشكوكَ والريبة لدى المهتمين بالمجال الثقافي، وبرأي هؤلاء فإنَّ البيئات الإفتراضية تقوض دعائم الفكر وتندثر الثقافة في أثيرها، وأنَّ ما يكونُ بديلاً عبارةً عن ظاهرة التذحلق الفيسبوكي والسطحية، ومن الطبيعي أنْ تتخذَ المخاوف منحى أكثر حدةً من الشبكة العنكبوتية في المجتمعات التي يتأرجحُ أفرادها بين الإستجابة لمتطلبات التحديث والتمسك بالأصالة، ناهيك عن تفاقم ظاهرة الرهاب لدى هذه الفئة من خسارة رأس المال الفكري الأمر الذي شغلَ النخبة المثقفة في بعض المجتمعات الغربية أيضاً، لاسيما بعد انحسار مفهوم الخصوصية المحلية والإنفتاح على العالمية إذ غدا الفردُ متحرراً ولو نسبياً من إكراهات بيئته المحلية وحقق مزيداً من الإستقلال بما وفرَ له العالم الإفتراضي من فرصة التواصل ومخاطبة الآخر المختلف والمقارنة بين الوضعيات المتباينة على الصعيد الحياتي والأنظمة السياسية. 
غير أنَّ المنضويين ضمن التيار المحافظ يرون في ذلك تهديداً على بنية المجتمع وانشطاراً للهوية، وينضمُ سدنة الثقافة الأحادية إلى الجبهة المناهضة لمعطيات العالم الإفتراضي، لكن من المناسب هنا والعالمُ يمر بأزمة غير مسبوقة إذ انسحب الجميع إلى المنازل وعبارة "إبق في بيتك" صارت شعاراً عالمياً.

مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت المعلومة أكثر ديموقراطية ولم تعد النقاشات الفكرية والمعرفية امتيازاً نخبوياً حتى الجوائز التي ترصد للأعمال الأدبية لا بدَّ أن تخرجَ من دوائر نخبوية ضيقة إذا أريد لها الإحتفاظ بقيمتها المعنوية

طرح سؤالٍ عن وضع المجتمعات في ظل الحجر الصحي والتباعد الإجتماعي وتعطيل النشاطات الثقافية والرياضية، إضافة إلى وقف الدراسة وإغلاق دور العبادة والأماكن العامة دون وجود العالم البديل؟ 
ربما هناك من يقولُ بأنَّ الإنسان كائن يتأقلمُ مع شتى الظروف، وبالتالي يتحملُ العزلة الكونية والمقاطعة ويتعايشُ مع الوضع القائم طبعاً قد لا يجانبُ هذا الرأي الصواب كله. بيد أنَّ الخسائر كانت تتضاعفُ على الأصعدة كافةً وتراخى المواطنون في التقييد بالإرشادات الصحية في حالة غياب ما يعوضُ بعض نشاطاتهم في الواقع الفعلي. إذ أطلقت بعض مراكز الأكاديمية والجامعات خدمة التعليم الإلكتروني. كما أنَّ الوسائط الإلكترونية لعبت دوراً في توعية صحية.
أفق التطور
 صحيح قد يتفاوت مستوى المجتمعات في مواجهة هذا الواقع واستيعاب التحديات لكن المشاريع الثقافية والفكرية والمبادرات التي دشنها الناشطون من على صفحاتهم تؤكدُ بأنَّ منفعة الوسائل الجديدة مرتبطة بأفق التطور العقلي وطريقة إستخدامها. وبينما تم إلغاء معارض الكتب والندوات الثقافية بعدما داهمَ فيروس كورونا المجتمعات برمتها بدأ مستخدمو وسائل التواصل الإجتماعي بإطلاق مبادرات متنوعة. 
واللافت في هذا السياق هو دعودة الأصدقاء لبعضهم لنشر أغلفة الكتب التي كان لها تأثير على تكوينهم الثقافي، هذا إضافة إلى ترشيح الأفلام وتقديم محتوى الأعمال السينمائية، بما يمكنُ المتابعَ من معرفة الفكرة والموضوع، أكثر من ذلك فإنَّ عدداً من المتاحف العالمية وفّرت خدمة التجول في صالاتها إفتراضياً وبذلك تحققت الفرصة لمحبي الفنون والآثار لمشاهدة الأعمال والمنحوتات القيمة، وانفتحت صفحات مواقع التواصل الإجتماعي على حفلات غنائية مباشرة كما انتشرت على نطاق واسع أغنيات كورونية مداعبة، والحال هذه فإنَّ المعلومات تتوالى بالإستمرار بشأن آراء الفلاسفة وما يرشحُ من المختبرات العلمية حول الوباء، ولم يتوقف الحديث عند هذا الحد إنما بدأ السؤال يدور عن شكل الحياة في مرحلة ما بعد كورونا. 
وبالطبع فإنَّ الفضاء الإفتراضي يحتوي على الوفرة المعلوماتية، وتصطخبُ على مساحته المتمددة النقاشاتُ بحيثُ يكون صورة لديموقراطية تفاعلية. ولا وجودَ لآراء محصنة من النقد في تلك المنصات المشرعة على كل الإتجاهات.

الإختراق
إذا كان العالم قد تحوّل إلى غرفة بملايين الجدران بفعل سرعة تفشي الوباء وعبوره للمحيطات والأسوار، فإنَّ المشاريع الثقافية والفنية التي أطلقت على صفحات التواصل الاجتماعي قد اخترقت جدار العزلة وعوضت النشاطات المؤجلة في واقعنا الفعلي، ولعلَّ من أبرزِ ما حظي بالمشاهدة في هذا الإطار هو برنامج "المكتبة" الذي أطلقه الكاتب التونسي كمال الرياحي إذ شارك عدد من الأدباء في حلقاته، ويهدفُ هذا المشروع إلى إشراك المبدع اهتماماته في القراءة مع المتابعين، إذ غالباً ما تكونُ المشاركة بقراءة نصٍ أو مراجعة عمل أدبي. ويحاولُ الرياحي توسيع حلقة المشاركة، ولا تنحصرُ بمحددات جغرافية وإنتماءات فرعية. 
ومن جانبها دشنت "دار الرافدين" مشروعاً ثقافياً من خلال حسابتها على مواقع التواصل الإجتماعي وهو عبارة عن سلسلة من الحوارات مع المفكرين والأدباء والمترجمين بدأت بعنوان "موسم الرافدين الثقافي" وتستمرُ لمدة شهر. صرح الصحافي حسن أكرم وهو من القائمين على المشروع بأنَّ تفاعل الجمهور مع مبادرة الرافدين مشجع إذ طلبَ المتابعون تمديد وقت بعض الحلقات الحوارية. 
وقد يكون نجاح هذه النشاطات الثقافية عاملاً لإنشاء مزيد من الصفحات بمحتويات معرفية وثقافية زاخرة. 
إذاً فإنَّ تجربة العالم مع فيروس كورونا قد حدا بنا للتعامل مع وسائل التواصل الإجتماعي بوصفها إمكانيةً متاحة لتأسيس المشاريع وإطلاق المبادرات. 
قبل اختراع الطباعة كانت الكتب من مقتنيات الطبقة الأرستوقراطية تزينُ بيوتهم لكن مع ظهور الآلة الجديدة توفرت فرصة القراءة وإقتناء لعدد أكبر من الأشخاص من خلفيات إجتماعية متعددة، وبذلك نهض الفكر ودخلت البشرية إلى مرحلة جديدة، والحال لا تختلف بالنسبة لدور وسائل التواصل الإجتماعي، فمع انتشارها أصبحت المعلومة أكثر ديموقراطية ولم تعد النقاشات الفكرية والمعرفية امتيازاً نخبوياً حتى الجوائز التي ترصد للأعمال الأدبية لا بدَّ أن تخرجَ من دوائر نخبوية ضيقة إذا أريد لها الإحتفاظ بقيمتها المعنوية، فربما يُفهمُ من إقامة حفل منح جائزة بوكر بنسختها العربية لهذه السنة عن طريق أونلاين بإعتبارها بداية انفتاح كل الفعاليات النخبوية على العالم الإفتراضي.