الإختناق الثقافي

عملية تفكيك الأقانيم الثقافية يجبُ أن تسبق المحاولات الرامية للتغيير في الأنظمة السياسية.


ثمة إسقاطات ذاتية على المشهد الثقافي العالمي إذ لا يستوعب الكتاب فوز شخصية غير معروفة على نطاق واسع بجائزة عالمية


الكسادُ والجدلُ البيزنطي من أبرز أعراض الإختناق

لا تقتصرُ حالةُ الإختناق على مجال السياسة أو الإقتصاد، وهي ما يدورُ حولها الحديثُ في وسائل الإعلام بالإستمرار بل قد تعاني الثقافةُ أيضاً من الإختناق، وإذا كانَ الكسادُ والجدلُ البيزنطي من أبرز أعراض الإختناق، فإنَّ غياب النقد وإستهلاك المفاهيم دون تبيئتها وهيمنةَ المجادلات الشفهية مؤشراتُ تنبيءُ بركود الثقافة وعدم فاعليتها بحيثُ لا يؤدي النقد إلى القطيعة مع العقول المتأزمة كما أنَّ نقل المفاهيم الحديثة يتحول إلى مجرد إستعراض لا يسمنُ ولا يغني من الجوع.
إذن ما يسودُ في ظل هذا المناخ هو الخواء الفكري، وما يبدو نشاطاً ليس إلا تدويراً للإشكاليات لذا فمن الطبيعي أنْ تبوء المحاولات الشحيحة لإنشاء المنظومة المفاهمية التي تعكسُ هموم الواقع بالفشل. وما يؤكدُ الإحتباس الثقافي هو انسداد المنابر والمنصات الإعلامية على أسماء محددة. ولا يتمُ الإعتراف بما يقع خارج المحميات الثقافية. 
ومن المعلوم أنَّ هذا الوضع هو إمتداد للمشهد السياسي المثقل بالإرث الإستبدادي، ربما تلك المعادلة تفسرُ  ضمور دور المثقف وتراوحهُ في مستنقع الأوهام ومخالفته لما يريدُ تمثيله من الأفكار المستنيرة.

لا يصابُ الفكرُ بالسكونية والجمود إلا عندما يتخذُ الإشتغال الثقافي صفات التحزب وتطالُ بلية الإنقسام السياسي والطائفي المجال المعرفي

إذن فإنَّ عملية تفكيك الأقانيم الثقافية يجبُ أن تسبق المحاولات الرامية للتغيير في الأنظمة السياسية، ومن الواضح أنَّ الأولوية في الوسط الثقافي هي للبحث عن الأدوار بدلاً من صياغة الأسئلة بشأن المسلمات، ومثلما أنَّ الحاكم السياسي لا يغامرُ بإجراء إصلاحات جذرية لأنَّ هذا الأمر يتطلبُ إلغاء سلطته، كذلك الحالُ بالنسبة للقائم في برجه العاجي باسم الثقافة والفكر يخاف الخروج من طوره التحنيطي حتى لا يخسرَ أوراق اللعبة. والملاحظُ أن ثمة إسقاطات ذاتية على المشهد الثقافي العالمي إذ لا يستوعب الكتاب فوز شخصية غير معروفة على نطاق واسع بجائزة عالمية. وهذا ما يكشفُ الرغبة الدفينة لرؤية ما يطابق واقعهم حيثُ لا تضمُ قائمة المرشحين بالجوائز سوى أسماء مكرسة ومعروفة.
ويتضاعفُ وقع الصدمة عندما يكرمُ عالمياً من أخطأته الجوائز العربية وهذا ما حصل مع الروائية العمانية جوخة الحارثي عندما فازت بجائزة مان بوكر العالمية على روايتها "سيدات القمر"، وتزداد التكهات في كل عام مع إقتراب موعد إعلان  الفائز بجائزة نوبل، لكن لماذا النتيجة تخالف التوقعات دائماً؟
درس نوبل
ذهبت غالبية التوقعاتُ إلى فوز الأسماء المكرسة عالميا بجائزة نوبل للآداب إذ كانَ كل من ميلان كونديرا وهوراكي موراكامي وإسماعيل كاداريه وماغريت أتوود إلى جانب عدد آخر من الشخصيات الأدبية رشحت أسماؤهم ضمن المقالات التي تناولت ما يقعُ عليه الإختيار، وينضمُ إلى قائمة الفائزين غير أنَّ قرار اللجنة كانَ مخالفاً لكل التوقعات وتفاجأ الوسط الثقافي بمنح الشاعرة الأميركية لويز غليك جائزة نوبل لسنة 2020 صحيح هي ليست من نادي المشاهير ولم تكن معروفة بالنسبة لكثير من المتابعين وكانَ حظُ ترجمة نصوصها إلى اللغات الأخرى قليلاً. إذ ترجمت مختارات من مجموعاتها الشعرية إلى العربية ونشرت بعنوان "عجلة مشتعلة تمر فوقنا" ماذا يمكنُ فهمه من هذا الموقف؟ لماذا تمنحُ جائزة لبوب ديلان ولويز غليك ويبقى الآخرون على دكة الإنتظار؟  

طبعاً لا ينكرُ أحدُ القيمة الأدبية لروايات صاحب "رقصة فالس" ولايصحُ إلا الإقرار بعبقرية كاداريه في إضفاء البعد العالمي إلى الثيمات المستقاة من بيئته المحلية في أعماله الروائية فهو تكفيه رواية الجسر ليتوجَ بالمجد الأدبي ونادراً ما تصادف كاتباً وصل إلى مستوى مؤلف "الغابة النروجية" من حيث الشهرة وإكتساب جمهور عريض من القراء.
إذن  فإنَّ الجائزة لا تضيفُ إليهم ولا تزيدُ من مقروئية منجزهم الأدبي كما يتفوقُ كل واحد منهم على الفائزين بنوبل شهرةً لذلك تكمنُ أهمية الجوائز في صرف الإنظار نحو الأسماء التي ظلت بعيدةً من الأضواء والإبانة عن الإمكانيات الأدبية المغمورة لدى القاريء ولولا فوز باتريك موديانو بجائزة لربما بقي مجهولاً، فبالتالي تضيع فرصة ما يتصفُ به أسلوبه من الخصوصية.
ظاهرة
لا يصابُ الفكرُ بالسكونية والجمود إلا عندما يتخذُ الإشتغال الثقافي صفات التحزب وتطالُ بلية الإنقسام السياسي والطائفي المجال المعرفي ويشتغلُ كل طرفٍ على تضخيم من يغردُ في سربه، ويتمُ تجاهل الباحث عن دروب جديدة بالطبع يتم دعم هذه الظاهرة في واقعنا الثقافي من خلال وفرة الجوائز وإقامة المهرجانات وإطلاق المنابر إذ فما يهمُ ليس المستوى المعرفي ولا التَميز الإبداعي بل ما يحددُ الموقع هو الولاء لهذا الطرف أو ذاك، وبهذا تصبحُ الإستقلالية في الفكر مكلفةً طالماَ يسودُ مفهوم الولاء في الفضاء الثقافي إذاً لا يصعبُ علينا فهم أسباب تفاقم الإحتباس الفكري والتخثر العقلي لأنَّ المثقفَ ليس إلا مهووساً بالسلطة قد ضل طريقه.