الإسلام السياسي الشيعي بين التمدّد والانحسار: قراءة في تحولات الجغرافيا والعقيدة والنفوذ

تحولات عميقة تعيد رسم خريطة الإسلام السياسي الشيعي بين انحسار النفوذ الإقليمي وتآكل الشرعية الشعبية في العراق ولبنان واليمن.

منذ أربعة عقود، ومع انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، برزت جماعات الإسلام الشيعي كفاعل سياسي وعقائدي مؤثر في الشرق الأوسط. لم يعد حضورها مقتصرًا على الإطار المذهبي أو الدعوي، بل تحوّل إلى مشروع سياسي عابر للحدود، مدعوم من دولة مركزية قوية هي الجمهورية الإسلامية في إيران، التي تبنّت مبدأ "تصدير الثورة" بوصفه ركيزة في عقيدتها السياسية. ومن هناك، تشكّلت خارطة نفوذ هذه الجماعات الممتدة من طهران إلى بغداد، مرورًا بدمشق وبيروت وصنعاء، ضمن ما يُعرف في الأدبيات السياسية بـ"الهلال الشيعي".

وتتنوّع جماعات الإسلام الشيعي من حيث الأطر والتنظيمات والوظائف السياسية، ففي العراق، تشكّل الأحزاب الشيعية مثل "الدعوة" و"المجلس الأعلى" و"التيار الصدري" و"منظمة بدر" العمود الفقري للنظام السياسي بعد عام 2003. وفي لبنان، يمثّل "حزب الله" النموذج الأكثر تماسكًا لجماعات الإسلام الشيعي، حيث جمع بين العقيدة والمقاومة والسياسة، وبات دولة داخل الدولة، يحوز سلاحًا ونفوذًا يفوق سلطة المؤسسات الرسمية. أما في اليمن، فقد صعدت جماعة "أنصار الله" (الحوثيون) لتشكّل الذراع الأبرز لإيران في الجزيرة العربية، مستثمرة في ضعف الدولة اليمنية وانقسام القوى المحلية. وفي البحرين والكويت والسعودية، وإن بدرجات أقل بكثير، تحافظ التيارات الشيعية على حضور اجتماعي وسياسي متفاوت، تخضع حدوده لمعادلات الدولة الوطنية والتوازنات الطائفية.

غير أن هذا الامتداد الواسع بدأ يواجه اليوم اختبارًا صعبًا في ظل المتغيرات الجيوسياسية المتسارعة في المنطقة العربية، فالتقلبات في التحالفات الإقليمية، وتراجع مركزية الصراع الأميركي – الإيراني، وتبدّل أولويات دول الخليج، كلها عوامل تدفع نحو إعادة رسم خريطة النفوذ الشيعي. كما أن التحولات داخل المجتمعات العربية، بعد أكثر من عقدين من التجارب الإسلامية في الحكم، كشفت حدود قدرة الأحزاب العقائدية على إدارة الدولة الحديثة.

جماعات الإسلام الشيعي برزت منذ عام 1979 كفاعل سياسي وعقائدي مؤثر في الشرق الأوسط
جماعات الإسلام الشيعي برزت منذ عام 1979 كفاعل سياسي وعقائدي مؤثر في الشرق الأوسط

في المقابل، فإن جماعات الإسلام التي صعدت إلى الحكم أو شاركت فيه بعد ثورات الربيع العربي، والتي لم تكن تمثل لها صلة بالمذهب الشيعي، قدّمت بدورها نموذجًا آخر للفشل في التوفيق بين المشروع الديني ومتطلبات الحكم، ففي مصر، لم يدم حكم "الإخوان المسلمين" سوى عام واحد (2012 – 2013) قبل أن يُطاح بهم في انقلاب عسكري، بعد أن اصطدم مشروعهم بواقع الدولة العميقة وبالرفض الشعبي. وفي تونس، واجهت حركة "النهضة" تحديات مشابهة، إذ اضطرت إلى التراجع عن كثير من طموحاتها الأيديولوجية حفاظًا على الاستقرار السياسي.

إن فشل النموذج العراقي بقيادة ائتلاف القوى الشيعية منذ عام 2003 وحتى اليوم، يكشف مأزق الإسلام السياسي الشيعي في صورته الأوضح، فبعد أكثر من عقدين على تولّي السلطة، لم تنجح الحكومات المتعاقبة في بناء دولة مؤسسات قادرة على محاربة الفساد وتوفير الخدمات وتحقيق العدالة الاجتماعية. وتحوّل النظام إلى منظومة محاصصة طائفية تقتسم فيها القوى الشيعية والكردية والسنيّة الغنائم السياسية والاقتصادية، بينما تراجعت ثقة المواطن العراقي في مجمل الطبقة الحاكمة، بما في ذلك الأحزاب التي رفعت شعار "التمكين للشيعة". وكانت الانتفاضات الشعبية المتكررة في بغداد والبصرة ومدن الجنوب الشيعي في جوهرها ثورة على هذه المنظومة، أكثر منها مواجهة مع الخارج.

وفي لبنان، لم يبدُ "حزب الله" في وضع أفضل، فبعد أن قدّم نفسه بوصفه "مقاومة" ضد الاحتلال الإسرائيلي، وجد نفسه متورطًا في صراعات داخلية وخارجية، من سوريا إلى اليمن، ومعزولًا في بيئته اللبنانية التي أثقلها الانهيار الاقتصادي والانقسام الطائفي. ولقد أصبح الحزب جزءًا من السلطة التي يعارضها الشارع اللبناني اليوم، وأصبح سلاحه عبئًا سياسيًا واقتصاديًا على الدولة والمجتمع.

جماعات الإسلام الشيعي تتنوع من حيث الأطر والتنظيمات والوظائف السياسية
جماعات الإسلام الشيعي تتنوع من حيث الأطر والتنظيمات والوظائف السياسية

وبينما يحاول الحزب التكيّف مع المتغيرات الإقليمية، من تقارب الرياض وطهران إلى عودة دمشق إلى الجامعة العربية، فإنه يواجه أزمة هوية داخلية بين "المقاومة" و"السلطة" خاصة بعدما فقد الكثير من نفوذه على اثر حرب دموية مع إسرائيل انتهت باغتيال كبار قادت الصف الأول وكبار القادة الميدانيين.

في ضوء هذه المعطيات، يلوح سؤال جوهري: هل نحن أمام نهاية لجماعات الإسلام الشيعي، أم أمام إعادة تموضع جديدة؟

والإجابة لا تبدو حاسمة بعد، لكن المؤشرات تميل إلى القول إننا أمام مرحلة تراجع نفوذ وليس انهيار. فإيران، رغم الضغوط والعقوبات، لا تزال تمتلك أدوات تأثير قوية في المشرق العربي، من السلاح إلى الأيديولوجيا إلى الاقتصاد غير الرسمي.

غير أن البيئة الشعبية التي كانت توفر الحاضنة لهذه الجماعات بدأت تتآكل بفعل الفساد والفقر وتراجع الوعود الثورية، فالمواطن لم يعد يرى في هذه الأحزاب تجسيدًا لمظلوميته التاريخية، بقدر ما يراها جزءًا من نظام فاشل ومغلق.

وإذا كان العقدان الماضيان قد شهدا صعود الأيديولوجيا على حساب الكفاءة، فإن العقد القادم قد يشهد عودة الدولة المدنية كخيار عملي بعد أن استُنزفت الشعارات الدينية.

وفي النهاية، لا يبدو أن الإسلام السياسي الشيعي سيختفي من المشهد، لكنه سيتحوّل من مشروع توسعي إلى ظاهرة دفاعية تبحث عن إعادة تعريف دورها في عالم عربي متغير، حيث تتقدّم مصالح الدول على ولاءات المذاهب، وحيث لم تعد الشعارات العقائدية قادرة على إطعام الجائع أو إقناع الشارع.